لندن ـ “القدس العربي”:
نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرا أعده كل من كولام لينتش وروبي غريمير، قالا فيه إن هناك غضبا وعدم ارتياح من “الدبلوماسية الحرة” التي يقوم بها المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي في السودان. وأضافا أن محاولات ديفيد بيزلي التي لم تحصل على موافقة أو دعم من الأمم المتحدة والولايات المتحدة أثارت غضب المسؤولين.
ففي 30 تشرين الأول/أكتوبر كان بيزلي يخطط للسفر إلى الخرطوم في مهمة وساطة بين قادة الانقلاب ورئيس الوزراء المقال عبد الله حمدوك. وكان الهدف منها حل واحدة من أكثر المشاكل السياسية المستعصية في أفريقيا، في أعقاب الانقلاب الشهر الماضي الذي أدى إلى أوقف عملية التحول الديمقراطي الهشة في البلد.
لكن الرحلة أجلت بشكل مفاجئ وبعدما علم بها الممثل الأممي في الخرطوم فولكر بيرثس، ذلك أنه لم يتم التنسيق عليها مع الأمم المتحدة أو العواصم الدبلوماسية الرئيسية، وطلب من بيزلي تأجيل رحلته. وجاء الرفض لزيارته وسط الانزعاج المتزايد بين كبار المسؤولين في الأمم المتحدة والغربيين حول ما يرونها دبلوماسية حرية من حاكم ولاية ساوث كارولينا السابق والذي كان يقوم بدور صانع سلام بدون مصادقة أحد. وجاءت رحلة بيزلي على خلاف قادة الاحتجاج في السودان الذين يطالبون بإعادة الحكم المدني قبل عقد مفاوضات مع الجيش واستبعاد قادة الانقلاب من المشاركة في حكومة المستقبل.
وعلق جوناس هورنر، الباحث البارز في شؤون السودان بمجموعة الأزمات الدولية إن “محاولات برنامج الغذاء العالمي الحرة وهندسة تسوية في السودان نظر إليها على أنها خرقاء ومضرة للمجتمع الدبلوماسي والأمم المتحدة”. وقال مطلعون إن مشاركة بيزلي أعاقت جهود الرئيس جوي بايدن للتفاوض على حل الأزمة. وقال مصدر دبلوماسي على معرفة بالأزمة “بإدخال وسيط أو محاور جديد وخلق شكوك بشأن في الموقف الأمريكي وكلا الأمريين سيتركان أثرا سلبيا على الدبلوماسية الأمريكية”.
وتم الكشف عن تحركات مدير برنامج الغذاء العالمي بعد أيام من استيلاء الفريق أول عبد الفتاح البرهان على السلطة في 25 تشرين الأول/أكتوبر واعتقاله رئيس الحكومة الانتقالية حمدوك ووقف عملية التحول الديمقراطي. وقاد الانقلاب إلى سلسلة من التحركات والمبادرات الدبلوماسية، من الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ومحاولات أخرى تهدف لإعادة الحكم المدني. وتلقت الجهود هذه ضربة عندما أعلن البرهان يوم الخميس عن مجلس سيادة جديد وعين نفسه رئيسا له، مما أثر على الجهود الدبلوماسية الهادفة لحل الأزمة. وعلق بيرثس يوم الخميس في جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي: “يثير هذا بعض القلق من نافذة الحوار السياسي قد أغلقت أو أنها على وشك الإغلاق” و “شرحت في مناقشاتي مع الفريق أول البرهان وبقية القادة العسكرين أن “اكمال الانقلاب” سيغلق نافذة الحل السياسي وقد يقود إلى خسارة الدعم الدولي”. و”نسبة كبيرة” من المتظاهرين “هم ضد أي شكل من التفاوض مع الجيش” كما قال بيرثس.
وعبر عدد من الدبلوماسيين على معرفة بالوضع عن قلقهم من ان نشاطات بيزلي وفريقه قد تضعف حملة الضغط وتزيد من جرأة الجيش وأنه يستطيع الحصول على صفقة أفضل بالعمل مع بيزلي. ورفض متحدث باسم الخارجية الحديث عن نشاطات بيزلي لكنه ألمح إلى من أسماها “جماعة وكيلة ثالثة” وقال “بناء على تواصلنا المستمر مع القادة المدنيين والعسكريين في السودان، فقد اختارت الولايات المتحدة التعامل مع القادة مباشرة بدلا من العمل عبر جهة ثالثة وكيلة”. وأكد على دعم الولايات المتحدة لجهود الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، فولكر بيرثس وضرورة تنسيق الجهود الدولية معه. لكن البعض الأخر اقترح ان بيزلي يقوم بملء فراغ دبلوماسي.
وقالوا إن الجهود الدولية غير واضحة وضعيفة ومتداخلة بين مبادرات من الإتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والأمم المتحدة. واستندت المجلة في تقريرها عن نشاطات بيزلي على مقابلات مع أعداد من الأشخاص وتظهر كيف حول برنامج الغذاء العالمي، الحائز على جائزة نوبل للسلام، بيزلي إلى قوة دولية مهمة. فمن خلال عمله كمدير للبرنامج حاول قدم بيزلي نفسه كدبلوماسي ممارس، وربما كان يهدف بوضع نفسه في مقدمة المرشحين لمناصب مهمة لو فاز الجمهوريون. ففي عالم الأمم المتحدة الحافل بالبيروقراطيين الذين قضوا حياتهم في مناصبهم يبدو بيزلي غير عادي. وصعد بيزلي المولود في ساوث كارولينا، والديمقراطي سابقا من خلال تقوية علاقاته مع صناع السياسة الجمهورية، حيث ذهب انتقل بعضهم للعب دور مهم في إدارة دونالد ترامب، مثل نيكي هيلي التي تسلمت منصب سفيرة في الأمم المتحدة. وميك مولفاني، رئيس طاقم البيت الأبيض والسناتور، ليندزي غراهام الذي كان مقربا من ترامب.
وشكل بيزلي شبكة من العلاقات بين المسؤولين الأجانب وقادة العالم، وبخاصة في أفريقيا والشرق الأوسط وعبر نشاطاته المسيحية وجهوده في المصالحة السياسية ودعوته للمشرعين لزيارة مزرعته في ساوث كارولينا ولقاء الشخصيات الأجنبية البارزة عبر صلاة الفطور الوطنية. وكمدير لبرنامج الغذاء، عمل بيزلي كرجل مبيعات وظهر بشكل متكرر على التلفزيون وتويتر معلقا على مناطق النزاع في أفغانستان واليمن وظهر في صور مع قادة العالم وحث مليارديرات الدول الغنية التبرع بالمال.
وكرجل ملتزم بالمسيحية فقد استحضر دينه في خطاباته العامة، بشكل خلط ما بين المساعدات الإنسانية والدين والسياسة في دوره كممثل للأمم المتحدة. ورفض بيزلي التعليق للمجلة إلا أن المتحدث باسم برنامج الغذاء العالمي، غريغ بارو إن البرنامج كحائز على جائزة نوبل “مستعد دائما لدعم الحكومات والشركاء ووكالات الأمم المتحدة لاستخدام الدعم الإنساني والتنمية وتقوية السلام والاستقرار”. وربع سكان السكان يعانون من مشاكل عدم توفر الطعام، وقد يزيد لو تمت عرقلة خطط إنعاش الاقتصادي السوداني الراكد. وقال إن البرنامج يطعم 10 ملايين سوداني، ومع ذلك فهو يواجه نقصا في المالية بـ 300 مليون دولار أمريكي لمواصلة عملياته. ولدى بيزلي ميل لجذب عناوين الأخبار، ففي الأسابيع الماضية انضم إلى الملياردير إيلون ماسك حيث تحداه لكي ينضم إلى برنامج الغذاء العالمي والتبرع بمليارات الدولارات لإنهاء الجوع في العالم. وقال ماسك إنه سيبيع 6 مليارات لو أقنعه بيزلي بالطريقة التي سينهي فيها الجوع. وكتب له “تهانينا إيلون” وذلك بعد الأخبار عن زيادة ثروته 36 مليار دولار في يوم بعدما قررت شركة تأجير السيارات هيرتز طلب 10.000 من سيارات تيسلا الكهربائية.
وقرر أنطونيو غويتريش، الأمين العام للأمم المتحدة اختيار بيزلي مديرا للبرنامج متجاوزا عدد من المرشحين ذوي الخبرة على أمل ألا يخفض ترامب التمويل للمنظمة الأممية لو اختار شخصا قريبا منه. وزادت مساهمة الولايات المتحدة بعد تعيين بيزلي، والسبب هو دعم الكونغرس للمنظمة الأممية ورفضه الرضوخ لمطالب البيت الأبيض. ومنذ توليه منصبه واجه مجاعات عدة حول العالم، ومع أنه يعتبر معينا من عهد ترامب في الأمم المتحدة إلا أنه تعاون مع مسؤولي إدارة جوي بايدن ووكالة التنمية الدولية الأمريكية ومديرتها سامنثا باور وشاركها في حلقات نقاش حول اليمن وشرق أفريقيا. وحاولت الأمم المتحدة فتح ممر إنساني ولسنوات في منطقة النيل الأزرق وكردفان التي كانت تخضع لسيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان- فرع الشمال.
الديكتاتور عمر البشير في نيسان/إبريل 2019. واستفاد بيزلي من الوضع لفتح الممر وحصل عليه. وسافر بيزلي في تشرين الأول/أكتوبر 2019 إلى جبال النوبة حيث رقص مع السكان المحليين الذين احتفلوا بعودة المساعدات. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يسمح فيها بوصول الغذاء منذ عدة سنوات. وفي كانون الثاني/يناير 2020 رافق بيزلي حمدوك في زيارة إلى جبال النوبة حيث قابلا عبد العزيز الحلو، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان- فرع الشمال. وكانت أول زيارة للمنطقة يقوم بها مسؤول سوداني ومنذ أكثر من عقد. وقادت لتوقيع اتفاق مبدئي بين البرهان والحلو.
وقال بيزلي “في برنامج الغذاء العالمي نستخدم الطعام كسلاح من أجل السلام”. وشهد توقيع اتفاقية جوبا بحضور الحلو والبرهان ورئيس جنوب السودان. وطالب الحلو الذي يمثل حركات وثنية ومسيحية بتحول السودان إلى بلد علماني وهو ما رفضته القيادة الشمالية المسلمة وتوصلوا في النهاية لتسوية تدعم الحرية الدينية. لكن الحلو تراجع مع بدء المفاوضات الرسمية وأصر على علمانية الدولة. وعبر عدد من الدبلوماسيين عن قلقهم من لعب كبير مساعدي بيزلي، غافين غرامستاد دور المستشار غير الرسمي للحلو، وشجعه على مواصلة مطلبه بشمل الشرط في الإتفاق النهائي. وقال مسؤول “اعتقد غرامستاد ان هذا تكتيك تفاوضي جيد”.
وغرامستاد هو مساعد سابق في الكونغرس وأدار معسكرا للاجئين السودانيين من جبال النوبة نيابة عن جمعية مسيحية هي “سامرتان بيرس”، واعتقد أن إصرار الحلو على موقفه سيعطيه ورقة نفوذ. وقام غرامستاد بعدد من الأعمال لبيزلي وكان من الفريق الذي عمل مع ترامب للدفع باعتراف السودان بإسرائيل، حسب مسؤولين أمريكيين سابقين ومسؤول في الأمم المتحدة. وامن 20 مليون دولار من حزمة المساعدة الأمريكية المخصصة للسودان بعد التطبيع ولكي تذهب لبرنامج الغذاء العالمي. لكن نشاطات غرامستاد وجهوده في مرحلة ما بعد الانقلاب أثارت انزعاج الدبلوماسيين الغربيين الذين شعروا أن برنامج الغذاء العالمي يعكر الأجواء عبر فتح قناة خلفية في المفاوضات الحساسة. وكان غرامستاد في الخرطوم وقت الانقلاب وقام بمحادثات ومع القيادات الرئيسية. ويرى دبلوماسيون أن نشاطاته ظلت سرية، بشكل أثار شائعات من أنه مبعوث إدارة بايدن لعقد صفقة تحمي مصالح الجيش على حساب مطالب المحتجين. وقال الدبلوماسيون إنهم طلبوا تأكيدات من المسؤولين الأمريكيين ألا علاقة لغرامستاد بسياسات الحكومة الأمريكية. ولم يبد أنه وبيزلي قدما خطة واضحة للتسوية. ولكن غرامستاد كان يعد لزيارة بيزلي الشهر الماضي إلا أن بيرثس حثه للتوقف نظرا للوضع الهش. وزادت الأوضاع سوءا منذ ذلك الوقت، حيث اعتقل المسؤولون الذين التقوا مع بيرثس واستبعدت قوى الحرية والتغيير من مجلس السيادة الجديد الذي شكله البرهان. وبدد الإعلان الآمال بعودة العملية الديمقراطية وتوقف الجهود الغربية والأفريقية لدفع البرهان التراجع. وعلقت الولايات المتحدة 700 مليون دولار كمساعدات للسودان.