فورين بوليسي: قيس سعيد لا يملك أجوبة على أسئلة تونس الملحة وخلاف على مكب نفايات كشف عن وحشية حكومته

إبراهيم درويش
حجم الخط
6

لندن – “القدس العربي”: قالت مجلة “فورين بوليسي” إن تونس دخلت العام الجديد وهي تعاني من أزمة هوية.

وفي مقال أعده الصحافي المقيم في تونس سايمون سيبكمان كورادل قال فيه، إن الرئيس قيس سعيد وعد بمواجهة الفساد والدفاع عن الفقراء التونسيين ولكن حكومته تخلت عنهم وتعاملهم بوحشية.

الرئيس قيس سعيد وعد بمواجهة الفساد والدفاع عن الفقراء التونسيين ولكن حكومته تخلت عنهم وتعاملهم بوحشية.

وأضاف أن تونس لا تزال تحت وطأة القرارات التي اتخدها سعيد في تموز/يوليو عندما تدخل وعطل البرلمان واستولى على كل السلطات في الدولة. ولم يكن مفاجئا خروج التونسيين إلى الشوارع عبر البلاد دعما لقرار تعطيل البرلمان الذي تحول إلى إحراج بسبب المسرحيات الهزلية التي جرت تحت قبته. وحتى قبل انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2019 خسر البرلمان حب الناس الذين باتوا يعانون من الفقر وزاد انتشار كوفيد-19 من المخاطر عليهم. ولا يدعو سجل البرلمان على الثقة الكاملة به. وفي الأشهر الأخيرة من عمله أصبحت الانتهاكات والهجمات على نوابه وضرب بعضهم البعض أمرا شائعا. وشهدت قبته حرب استنزاف بين أنصار النظام السابق على الثورة وأي عضو اعتبر إسلاميا بمن فيهم أعضاء حزب النهضة، أكبر كتلة برلمانية. واختبأ عضو من التحرش الجنسي مستخدما الحصانة البرلمانية فيما تجنب آخر اتهامات بالضرب وتعلل آخرون بالحصانة للهروب من تهم التهرب الضريبي والفساد. كل هذا في وقت طالب فيه المحتجون خارجه بتوفير الوظائف والتنمية ووقف وحشية الشرطة التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية للكثيرين.
وبعد 5 أشهر فإن الحماسة التي أثارتها تحركات تموز/يوليو أصبحت جزءا من الذاكرة. وتظهر استطلاعات الرأي في تونس، رغم الشكوك في صحتها، تراجعا في شعبية الرئيس إلا أنه لا يزال أشهر شخصية في تونس. ومع ذلك فالرأسمال السياسي الذي كسبه سعيد بقراراته عزل رئيس الوزراء وتعليق عمل البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه تحول إلى عملية سياسية بالجملة نابعة من رؤيته الشخصية عن الديمقراطية حيث تخرج السيادة والسلطة من قمة الدولة إلى أسفلها.
ويقول يوسف الشريف، المحلل السياسي التونسي ومدير مركز جامعة كولومبيا العالمي “صحيح، هو مثالي” و “يعتقد أن حلوله السياسية ستنفع معظم المواطنين. كما ويعتقد أيضا أنهم يعرفونها ويفهمونها”. ويتساءل الكاتب عن الوقت الذي سيستغرق سعيد لتطبيق وتفعيل رؤيته، مجيبا أن هذا أمر غير معروف.
وما هو واضح أنه خصص عاما كاملا من أجل أن ينجز التعديلات الدستورية لتعزيز الإصلاحات التي يريدها. وتوقيت التعديلات مهم فهي تتزامن مع مرور عام على نزعه السلطة من البرلمان وتعطيله الدستور، ذلك أن الاستفتاء على الدستور الجديد سيأتي بعد فترة مشاورة مع الشعب وقرر عقده في تموز/يوليو. وبعد عدة أشهر ستحل ذكرى حرق بائع الفواكه محمد بوعزيزي نفسه في 17 كانون الأول/ديسمبر وبعدها سيذهب التونسيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء البرلمان.
وفي الفترة ما بين هذه التحركات سيواصل سعيد وحكومته التي عينها حكم البلاد من خلال المراسيم الرئاسية. ورغم تأكيد سعيد على المشاروات العامة، إلا أن قلة تشك في أن تكون النتيجة مختلفة عن رؤية سعيد عن الديمقراطية النابعة من الأسفل والتي عبر عنها أول مرة في عام 2011. وتقوم الفكرة على منح السلطة لعدد من المجالس المحلية، وهذه ستقوم بدورها بتعيين مؤسسات جهوية وتبعث من جانبها أعضاء للمجلس الوطني. وهي خطة طموحة لا يعرف إن كانت ستنجح أم ستفشل. وما هو واضح أن عملية إعادة رسم الدستور الدرامية ستحتاج إلى سنوات لوضعها محل التطبيق. وفي الوقت الحالي فمشاكل تونس الأساسية لا تزال قائمة. ومن أهمها الاقتصاد، وتصل نسبة الدين العام إلى 80% من الناتج المحلي العام. ولا يزال التضخم في أعلى مستوياته في وقت تتراجع فيه قيمة الدينار التونسي. وساء وضع البطالة خلال السنوات الـ 11 الماضية. والأرقام نفسها مثيرة للخوف، فقبل الثورة لم تتجاوز نسبة البطالة عن 13% أما اليوم فهي أكثر من 18%. وما لا تظهره الأرقام هذه هو مستوى اليأس وفقدان الأمل الذي نجم عن البطالة المستشرية خلال البلد. ويقول الكاتب إن البطالة تأخذ عدة أشكال في تونس، ففي الشوارع الجانبية للمدن وداخل الأحياء المهمشة يبحث الرجال بين النفايات المتراكمة الباردة المبتلة التي رماها أصحاب البيوت عن العبوات البلاستيكية التي يجمعونها في أكياس لبيعها لمحلات التدوير. ويباع الكيس الواحد بدينارين أو ثلاثة دنانير تونسية أي أقل من دولار. ويمكن لجامع العبوات البلاستيكية بيع 5 أكياس في يوم العمل الجيد. وتقدر منظمة “انترناشونال أليرت” عدد جامعي العبوات في تونس اليوم بحوالي 8.000 شخص. وفي أماكن أخرى خارج المدن يتسول الرجال في منتصف العمر للحصول على 500 مليم لشراء الخبز وإلا الوقوف جائعا أمام الطاولات في المقاهي المقفرة من زبائنها حيث يتساءلون عن مصدر الوجبة القادمة لعائلاتهم.
ووسط الفقر المدقع يعيش التونسيون وضعا أصبحت فيه وحشية الشرطة أمرا عاديا، وهو أمر لم يتم حله بعد الثورة ولا يزال يخيم على الأحياء الفقيرة بدون رقابة أو حساب وبعيدا عن رؤية الساكن الحالي لقصر قرطاج خارج العاصمة تونس. وأطلق في الفترة الماضية العنان لقوة أجهزة الأمن على المجتمعات المهمشة القريبة من مكب نفايات عقارب قرب المدينة الصناعية صفاقس. وهذه هي المناطق التي أقام الرئيس حملته الانتخابية ووعد بالدفاع عنها. ولا شيء يعطي أي ميزة لعقارب، لكن ما يميز مكب النفايات فيها عن غيره من مكبات النفايات في أنحاء تونس هي الرائحة الكريهة المنبعثة منه والأمراض الجلدية والتنفسية وأمراض السرطان التي يقول السكان إنهم يعانون منها منذ عقد أو أكثر، وبعد افتتاحه عام 2008 وكان من المفترض إغلاقه بعد 5 أعوام، ولم يحدث هذا.
وكان الضغط المستمر من سكان عقارب كاف لجذب انتباه أستاذ القانون سعيد وقبل أن يفكر في انتخابات عام 2019. ولم تكن زيارة استثنائية كما يقول أنصاره، فهو يزور المجتمعات المهمشة في البلاد ومنذ سنين. وبحسب المحتجين فقد استمع سعيد لهم وحثهم على التظاهر. وقاموا في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 باتباع نصيحته والتظاهر وطالبوا بتطبيق قرار المحكمة الذي حصلوا عليه قبل عامين ويقضي بإغلاق المكب. ووضعت التظاهرات وزير الزراعة في موقف صعب وطلب وقتا كافيا لحل المشكلة التي تم تجاهلها على مدى عقد. وعندما زادت أكوام النفايات في صفاقس القريبة طلب سعيد نشر الشرطة ضد المحتجين وإعادة فتح مكب النفايات. وبدت الصور التي نقلت بعد ذلك وكأنها فيلم حرب وليس احتجاجا لتنظيف البيئة. ففي عقارب تم حرق مقر الحرس الوطني واندلعت حول المكب معارك بين المتظاهرين وقوات الأمن المدججة بالسلاح. وهو ما أدى لمقتل ناشط شاب اسمه عبد الرزاق الأشهب. وقال الناشطون إنه مات متأثرا بالغاز المسيل للدموع الذي استنشقه. وزعمت الشرطة أنه مات بعيدا عن التظاهرات في بيته بعد سقوطه. وكان الغضب واضحا حول عقارب من خلال إطارات السيارات المشتعلة ونقاط التفتيش المؤقتة التي أقامها المحتجون. وقالوا إن الرئيس هو ديكتاتور واعتبرت الأحزاب التي راقبت معاناة المواطنين المحليين فاسدة. وهي قصة يتردد صداها في كل تونس. ففي برج شاكير، قرب العاصمة تونس لا يزال مكب النفايات يضر بحياة السكان ويزعجهم مع أنه كان يجب إغلاقه عام 2013. وتم حنث الوعود سنة بعد سنة وتفضيل أمور أكثر إلحاحا وأبسط وتجنب الخطر السياسي في البحث عن أماكن لرمي النفايات بمواقع أخرى.
ففي صناعة النفايات، كما في أي مكان، ينتشر الفساد. وهذا كان في الماضي مقتصرا على الطبقة المحيطة بزين العابدين بن علي ولكنه اليوم مد مخالبه وطال كل ملمح من ملامح الدولة.
وفي السنوات التي تبعت الثورة تضخم حجم الخدمة المدنية التي يتغذى عليها الفساد، ذلك أن الحكومات المتعاقبة منحت وظائف من أجل تخفيف الغضب الاجتماعي. وبعد سنوات من النمو في القطاع العام فإن فاتورة الرواتب بالنسبة للدخل المحلي العام تصل إلى نسبة 17.6% وهي واحدة من أعلى النسب في العالم. وكل محاولة لتخفيف حدة الأزمة كانت تؤدي لغضب اتحاد الشغل التونسي العام الذي وإن قدم دعما مشروطا في البداية لإجراءات سعيد إلا أنه أصبح معادياً له وبشكل متزايد لاستبعاده من النقاش الداخلي حول مستقبل تونس.
وبات من الواضح أن سعيد ليست لديه أجوبة على تحديات تونس الأساسية كبقية أسلافه. ونشرت وكالة أنباء رويترز في كانون الأول/ديسمبر مسودة عن مقترحات للميزانية والتي شملت على خطط لزيادة أسعار الوقود والكهرباء وتجميد رواتب القطاع العام وفرض ضرائب جديدة، وذلك قبل التوصل لاتفاقية مع صندوق النقد الدولي. ومع أي إجراءات تقشف فإن أي قطع في النفقات والدعم يعني زيادة المصاعب على المجتمعات التي لا يملك فيها الناس إلا القليل. وعادة ما يوجه نقاد سعيد له بأنه راكم سلطات كبيرة. وهذا ليس صحيحا، فالسلطة تحتاج إلى جيوب ملآنة وزخم سياسي أكبر مما هو متوفر له. وبدلا من ذلك لديه توقعات السكان الجائعين وسنوات من الآثام التي تراكمت على مدى 10 أعوام من الفوضى السياسية وأدت لانكماش الاقتصاد والشرطة التي اختبأت وراء ستار من الحصانة. وهذه المشاكل ليست جديدة ولكنها تراكمت عبر السنين وأنتجت زخمها. وفي عام 2022 وبعد 5 أشهر من استيلائه على السلطة، فحصيلة مظالم 11 عاما من الإهمال تهدد آماله في أن يؤدي إصلاحه الدستوري لبناء تونس جديدة. وفي عقارب، فإن سنوات الإحباط من الساسة وتبريراتهم يتمظهر من خلال الاحتجاجات والقنابل المسيلة للدموع وهراوات الشرطة. وقامت حملة سعيد من خلال المناشدة المباشرة للمهمشين ومن تجاهلتهم سياسة الأحزاب. وستظل احتياجاتهم الملحة قائمة وضاغطة ولن تختفي. ورغم كون النقاش حول توزيع الحصص الدستورية وممارسة السلطة مهماً في أي ديمقراطية إلا أن الحوار حول توزيع الوظائف والطعام هي أمر أكثر إلحاحا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية