لندن – “القدس العربي”:
كتب المعلق شادي حميد، الباحث في معهد بروكينغز أن هناك حاجة لفهم ما يقوله المتفوقون البيض من أجل منع هجوم إرهابي مثل الذي حدث في نيوزيلندا الجمعة الماضية.
وقال في مقاله الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي” إن الاكتفاء بوصف منفذ الهجوم على كرايستشيرتش في نيوزيلندا بـ “المجنون” أو “المهووس” ليس صحيحا، فلم يكن في الحقيقة “مجنونا”. وفكر بهدوء بما يريد عمله وتحقيقه كما بدا من المانيفستو الذي كتبه في 74 صفحة.
ويجب التعامل مع النقاشات والدوافع التي وردت في الوثيقة بجدية وعدم رفضها على أنها هلوسات متطرف. وهذه هي الطريقة الوحيدة للتعامل مع خطورة ما حدث ومواجهة التهديد الذي سيظل معنا ولعقود قادمة.
ورغم عقلانية التفكير الراغب بفهم الهجوم الأخير على أنه خارج المعقول أو مجرد فعل عشوائي ولا يمكن التكهن به إلا أنه هو نفس الدافع الذي يشعر به الكثيرون عندما يواجهون بوحشية وقسوة تنظيم “الدولة” أو الجماعات الجهادية الأخرى. ومع أن محاولة عقلنة الشر كأمر لا عقلاني يجعل من السهولة بمكان التعامل مع الأخبار المريعة، إلا في هذه الحالة فمن الخطأ عمل هذا. ومن الضرورة أن يقوم المسؤولون بقراءة ما كتبه القاتل في البيان الذي تركه.
وهو ما نفعله عادة عندما تصدر” الدولة” شريط فيديو أو تسجيلا وبيانات. وقد حاولنا فهم الدوافع التي دفعت الشبان التونسيين وبأعداد غير متكافئة السفر إلى سوريا والقتال مع الجماعة المعروفة بوحشيتها.
فمن خلال القراءة استطاع صناع السياسة فهم أهداف الجماعة الجهادية ورؤيتها للعالم بما في ذلك نهاية الزمن. وبنفس المثابة فمع ظهور النزعات المتفوقة البيضاء العنيفة فنحن بحاجة لأن نغمر أنفسنا في بئر هذه الجماعات التي تبدو أدبياتها مثيرة للقلق أحيانا.
ويرى الكاتب أن 17 عاما من محاولات فاشلة لمواجهة التطرف الإسلامي تقدم دروسا مهمة. ومنها أهمية دراسة وفهم الأفكار التي تدفع المشاعر المتطرفة. وحتى في محاولة فهم التنظيمات ذات البعد الأيديولوجي مثل تنظيم “الدولة”، كانت هناك محاولة لتجريد الفعل من دوافعه الدينية وتصويره أهدافه من بطريقة مبتذلة-أي أنه يستخدم الإسلام للحصول على القوة وليس العكس أو أنه يستند على تفسير متشدد من الدين.
ومن هنا فقراءة مانفستو القاتل في كرايستشيرتش يتضح أنه فكر عميقا حول ما سيحققه عمله من تأثير وحشي.
ولو فكرنا بطريقة عقلانية من ناحية أن النتائج تنبع من وسائل فالقاتل ربما كان عقلانيا. ومهما يكن ربما كان هذا التوضيح غير مهم. فلا يهم ماذا وما فعل لأنه اعترف بشرور عمله.
وعليه فالتعامل مع الأفكار القومية البيضاء بجدية ودراسة الكيفية التي تنظم فيها أفكارها الأيديولوجية وكيف تعمل تؤدي إلى سلسلة الردود على مسألة العنف المتطرف. ويرى حميد أنه مع رد قوي على هجوم نيوزيلندا. وهذا يعني بالنسبة للكثيرين التعامل مع القومية البيضاء – الجماعة التي تضم جزءا كبيرا من الجمهوريين على أنها قوة خارجية عدوانية-كما هو الحال مع المتطرفين المسلمين. ويجب والحالة هذه تدميرها. وكما لاحظ الكاتب في “واشنطن مونثلي” ديفيد إيتكينز في أعقاب هجوم نيوزيلندا “طالبت عدة مقالات صحافية معاملة الولايات المتحدة الإرهاب القومي الأبيض كما تتعامل مع بقية أشكال الإرهاب”. إلا أن نهجا متشددا عادة ما عرقل الحرب ضد الجهاديين، وهي الحرب التي لم تكن فاعلة نظرا لديمومتها. فأي شخص كان مستعدا لانتقاد الإفراط في تلك الحرب عليه الآن أن يعبر عن نفس الاستعداد لانتقاد الحرب المقبلة.
وهناك دعوات متزايدة في اليسار واليمين المعادي لترامب لمعاملة القومية الإثنية على أنها ثنائية غير مقبولة. ومن هنا فسيتم وضع الشعبوية اليمينية المتطرفة في نفس الإطار مع قاتل كرايستشريتش. وبهذه القراءة فأي شخص يتعاطف مع القومية يعتبر خطرا أمنيا وتهديدا على الحضارة.
ويقول الكاتب إنه في أثناء الحرب الممتدة على الجهادية دعا الكثيرون صناع السياسة التفكير أكثر حول المظالم والفشل في السياسات وغيرها من الدوافع التي تدفع باتجاه العنف. فلم يكن كاف القول “إنهم يكرهوننا بسبب أسلوب حياتنا” حتى لو كانوا يكرهون الغرب. فالمظالم التي ساقها أسامة بن لادن ومن معه، مثل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي والدعم الأمريكي للديكتاتوريين والعقوبات القاتلة على العراقيين، لا تنزع عنها الشرعية لمجرد استخدمها الإرهابيون. وكما هو الحال مع التطرف الإسلامي فمن المستحسن تجاهل المظالم البيضاء التي تعبر عن سذاجة ونظريات مؤامرة وليس المظالم الحقيقية. ففي المانفستو الذي أعده القاتل تحدث عن سبعة عوامل دفعته للتطرف. ورغم أن بعضها غير صحيح، ولكنها قد تؤدي إلى نقاشات داخل الطيف السياسي مثل “خسارة حقوق العمال” و”التدهور البيئي” و “انهيار المسيحية”.
وفي النهاية فتحليل المانفستو يعني الاعتراف بالكثير مما قاله كاتبه ولكننا لسنا بحاجة. خاصة أن الكثيرين سيقومون بنفس العمل لو تم أصدر تنظيم “الدولة” أو القاعدة بيانات وخطابات أو وثائق. مع أن القاتل لا يريد فهم المظالم التي ساقها أن التعامل معها كحقيقة بل مفاقمة التشدد. ويعتقد أن القتل سيدخل الناس في مرحلة من الفوضى وعدم الانسجام. وهذا هو بالضبط هدف الإرهاب، أي إجبار الدولة المستهدفة أو المجتمع التصرف بطريقة لم يكن يتصور أنه سيقوم بها. وهدف المتشددون الجدد هو “زيادة التناقضات”. ويرى الكاتب أن القاتل في نيوزيلندا ربما نجح في دفع الانقسام في المجتمعات الغربية. والمقاومة هي الحل.