لندن- “القدس العربي”: إبراهيم درويش
تحت عنوان “حان الوقت لكي تتوقف السعودية عن تصدير التطرف” كتب جون هانا من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية اليمينية ونشره بمجلة “فورين بوليسي” وناقش فيه أن الهزيمة العسكرية لتنظيم الدولة لا تعني نهاية التطرف الإسلامي.
فرغم هزيمة التنظيم في العراق وسوريا إلا أن هناك جهاديين يقاتلون في دول أخرى أكثر مما كان عددهم في فترة هجمات 9/11 وهجمات عيد الفصح في سريلانكا تؤكد هذا. فخطر الإرهاب الإسلامي الراديكالي، كما يصفه، لم تتلاشى بل على العكس تشكل بصور أخرى.
وبعد 18 شهرا من التكاليف والخسائر في الأرواح، ليس للولايات المتحدة استراتيجية لمنع الشباب المسلم من الوقوع تحت أسر التفكير الجهادي. ومن المعروف لدى صناع السياسة الأمريكية أن القوة العسكرية تقتل الجهاديين وتحبط خططهم لكنها لا تنهي الخطر. ولا بد من استراتيجية تواجه الأيديولوجية الدينية المحافظة التي تعتمد تفسيرا يبرر قتل المسلمين وغير المسلمين، فقتل الإرهابيين كان سهلا ولكن القضاء على العقلية التي تقوم بدفع الشباب للتشدد وقتل الآخرين ظل أمرا صعبا.
ويقول إن رؤساء أمريكا منذ هجمات 9/11 اعترفوا بمركزية الحرب الأيديولوجية. وتحدث جورج دبليو بوش عن حرب الأفكار وكسب القلوب والعقول. أما باراك أوباما فقد تحدث عن مواجهة العنف المتطرف، فيما جعل الرئيس دونالد ترامب، رغم خطابه الناري الذي يطعن بالمسلمين، فجعل من محاربة التطرف الإسلامي مركز حملته الإنتخابية. وتحدث أول مستشار للأمن القومي له وهو مايكل فلين عن أهمية “شن حرب أيديولوجية ضد الراديكالية الإسلامية”.
وفي أول زيارة له إلى السعودية، التي تعد مركز ولادة الأفكار المتطرفة التي غذت القاعدة وتنظيم الدولة، دعا ترامب السعودية والدول الإسلامية الأخرى لطرد المتطرفين “من الأرض المقدسة ومحوهم عن وجه الأرض”. وهذا كلام جميل، حيث حاول كل إدارة بناء برامج لإضعاف التطرف إلا ان زيادة أعداد المتطرفين هي دليل على عدم نجاعتها. ويرى هانا أن هذه البرامج لم تكن سوى خليطا غير مترابط وغير متماسك وليست متقنة وتفتقد القيادة والتسنيق والديمومة والدعم من أعلى المستويات. ولا تقارن نسبة ما تنفقه الولايات المتحدة على مواجهة التطرف بما تنفقه على الحملات العسكرية ضد المتطرفين. وأشار الجنرال مايكل ناغاتا، المسؤول البارز المسؤول عن المركز الوطني لمكافحة التطرف في خطاب له عام 2018 أن المصادر المخصصة لمكافحة الإرهاب في الميدان وخارجه ليست متوازنة.
وفي دراسة طلبتها وزارة الأمن الداخلي وأعدتها مجموعة راند وجدت أن الجهود الأمريكية لمنع الإرهاب المحلي يمكن سحبها على مكافحة التطرف حول العالم “كلام دون فعل”.
ويشير الكاتب إلى أن ترامب في زيارته للسعودية عام 2017 دعا الدول الإسلامية الحليفة خاصة السعودية التوقف عن تصدير النسخ الداعية لتفوق الدين حول العالم. ولم يعد ترامب يتحدث عن هذا الموضوع بل تحول إلى المطالب التعاقدية من مثل حث السعودية على شراء كميات كبيرة من الأسلحة والحفاظ على استقرار سعر النفط ودعم خطة سلام الشرق الأوسط التي لم تولد بعد.
ويرى هانا أن تحميل السعودية المسؤولية عندما يتعلق بالدمار الكارثي للوهابية التي تصدرها وأصابت بشكل منظم المجتمعات الإسلامية حول العالم في الجيلين الماضيين، وما تحمله الأيديولوجية القابلة لإشعال نار الجهادية التي تقوم الولايات المتحدة بمحاربتها منذ 20 عاما، أصبحت أمرا هامشيا في أولويات الولايات المتحدة.
تحميل السعودية المسؤولية عندما يتعلق بالدمار الكارثي للوهابية التي تصدرها وأصابت بشكل منظم المجتمعات الإسلامية حول العالم أصبحت أمرا هامشيا في أولويات الولايات المتحدة
وهذا وضع مؤسف، خاصة أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تعهد عام 2017 بتدمير التطرف الإسلامي. ويقول الكاتب إن الأمير تحرك ضد الشرطة الدينية وسجن عددا من الدعاة “المتطرفين”. وفي الخارج تخلت رابطة العالم الإسلامي التي كانت رمح نشر الوهابية عن إدارة الجامع الكبير في بروكسل بعد اتهامات بنشر التطرف.
وأشار الكاتب إلى مواقف رئيس الرابطة محمد العيسى، وزير العدل السابق وتصريحات المثيرة للإعجاب خاصة شجبه لمنكري الهولوكوست ووعده بزيارة معسكر اوشفتز. ودعوته الأقليات الإسلامية الإندماج في المجتمعات التي تعيش والإلتزام بقوانينها. ورغم هذا فما خلفته الوهابية وراءها عميق وواسع. وخطوات صغيرة مثل كتابة العيسى مقال رأي في صحيفة أجنبية لا تعالج الضرر.
وذكر الكاتب بما حدث الشهر الماضي في أندونيسيا والتحولات في أكبر بلد إسلامي والأثر الذي تتركه الوهابية عليه التي تدفعه للتخلي عن تقاليد التعددية والتسامح، بالإضافة لهجمات سريلانكا التي كشف مقال بعد الآخر الأثر الذي تركته الوهابية على الأقلية المسلمة هناك. وأدت لإنقسام المجتمع المسلم وخلقت تربة خصبة للتطرف الذي قاد لهذه الهجمات.
ويقول الكاتب إن عددا من المسؤولين في مركز مكافحة الإرهاب التابع للخارجية الأمريكية ومن إدارة مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي يحاولون في الأشهر الماضية إعادة التركيز على مواجهة التطرف ونشره من دول، بدء من السعودية وكذلك تركيا وقطر وإيران “وكما علمت من محاوراتي فقد أصبح هذا موضوعا مهما في النقاشات مع دول أخرى في أوروبا وكندا لمنبر يطلق عليه “الجماعات ذات العقلية الواحدة” وتم تشجيع تشارك معلوماتي واسع عن تصدير السعوديين وغيرهم للراديكالية الإسلامية”.
وأضاف أن السعوديين بدأوا بالتواصل مباشرة مع المسؤولين السعوديين وطلبوا منهم اتخاذ إجراءات ضد عدد من الدعاة المتطرفين في دول خارج الشرق الأوسط والذين يعملون بدعم ما من السعودية. ويرى الكاتب أن هذه الجهود غير كافية لأنها تتجنب الحرب الأيديولوجية. وهذه الحرب لا يكفي فيها عدد قليل من مسؤولي مكافحة الإرهاب بل التزام من الدولة بدءا من الرئيس وإلى الوزراء حيث يتم فيها استخدام التفاعل الدبلوماسي لمواجهة خطر تصدير التطرف. ويستحسن لو قام ترامب باختبار جدية محمد بن سلمان وإنشاء مجموعة عمل أمريكية- سعودية تمتحن نواياه الإصلاحية.
ويقترح الكاتب رئيسا للمجموعة نائب الرئيس مايك بنس وولي العهد السعودي من أجل تخصيص المصادر لعملها. ويدعو هانا إلى جعل مكافحة التطرف وتصديره أولوية للإستخبارات. ويمكن والحالة هذه أن يطلب ترامب من استخباراته إعداد قائمة بالمساجد والمراكز والمدارس الدينية والجامعات والجمعيات التي تدعمها السعودية في الخارج. وربما طلب إعداد قائمة بأسماء الدعاة حول العالم الذين تدفع لهم السعودية أو رسم بياني لنسخ القرآن التي تحتوي على تفسيرات وهابية مليئة بالكراهية لا تزال تصدرها دور النشر التابعة للسعودية.
ويرى أن هذه الإحصائيات التي يمكن للدبلوماسيين الإعتماد عليها لقياس درجة النجاح لا تزال غير موجودة. وبعد مشاركة 15 سعوديا 19 منفذا لهجمات قتلت 3.000 أمريكيا. ويقول إن تصدير التطرف وجمع المعلومات عنه يجب أن يكون أولوية للخارجية الأمريكية. ويجب أن يخصص في كل سفارة أمريكية بكل بلد فيه أقلية مسلمة كبيرة مسؤول سياسي مهمته تقديم تقارير عن جهود الدعوة وأثرها على المجتمعات المسلمة.
ويلعب الكونغرس دورا مهما من خلال عقد جلسات استماع والحصول على معلومات عن حجم المشكلة من الخبراء وحث الجانب التنفيذي للتحرك ومواجهة مشكلة تصدير التطرف. ويرى الكاتب أن محاولة منع السعودية وبقية الدول عن تصدير الإرهاب أمر صعب. فرغم اعتراف الجميع بتهديده للأمن القومي لا أحد عمل شيئا، كلام كثير دون عمل.
وفي الوقت الذي الولايات المتحدة تحضر للدخول في المرحلة الثالثة من محاربة الإرهاب يجب التوقف عن هذا النهج خاصة مع الحاكم الفعلي للسعودية.