فوزية شويش سالم في رجيم الكلام : كتابة تصنع قارئها من رماد الفقد وسيرة جمراته

حجم الخط
0

فوزية شويش سالم في رجيم الكلام : كتابة تصنع قارئها من رماد الفقد وسيرة جمراته

فاروق يوسففوزية شويش سالم في رجيم الكلام : كتابة تصنع قارئها من رماد الفقد وسيرة جمراتهفي (رجيم الكلام) هناك مسافة واضحة بين ما تريد الكاتبة التحقق منه عبر الافضاء به أو الوصول اليه وبين ما يطمح القارئ الي التمعن فيه أو المضي في تأمل جريانه: تناقض بين متعتي الكتابة والقراءة اتخذته الشاعرة والروائية الكويتية فوزية شويش السالم في روايتها الصادرة عن دار أزمنة بعمان مؤخرا مركبا صعبا لها لكي تنحرف بمفهوم الجنس الروائي عن معانيه المستهلكة ثقافيا. وفي ذلك انما تؤكد المؤلفة ان التجريب الذي كان سمة كل أعمالها لا يزال الشعار الذي يتقدم خطواتها في كل ما تكتب، وإن كان التجريب قد وصل في هذه الرواية الي ذروته، حين يتساءل القارئ بين صفحة وأخري: هل هذه رواية فعلا؟ بالتأكيد هناك رواية في رجيم الكلام غير أنها رواية من نوع مختلف، نوع لا يسمح باحتكار طريقه من قبل حدث بعينه. تعدد الاصوات الذي تعتمده المؤلفة أسلوبا في السرد ليس جديدا، غير انه هنا تعدد يذهب الي جهات مختلفة ومتباعدة ولا تجتمع مستوياته في بؤرة واحدة. هناك خيوط سردية لا تلتقي بل ولا تتقاطع تصنع طبقات من السرد الذي يشكل محمية لغوية مستقلة عن سواها. لغة فوزية في هذا الكتاب كما هي دائما ليست متأنقة ولا متحذلقة بقدر ما هي صافية، عنيفة، متفجرة وآتية من النبع مباشرة. انها اللغة التي لا تريد مواصلة الحكي بقدر ما ترغب في ان تتأمل ذاتها في مرآة تشظيها. لغة ليست سردية، بالمعني الناقل والخادم للحكاية، بل غالبا ما تتعثر الحكاية بلغة تشقيها وتجرحها وتموهها وتغيبها لا لشيء إلا لان فوزية في حمي الكتابة تنحاز الي حريتها في الكتابة بعيدا عن اي التزام، وبالاخص حين يقيدها ذلك الالتزام بتسلسل الاحداث. هذه الكاتبة تتسلي بعيدا عن موضوعها، حتي يكاد القارئ ينسي أن هناك موضوعا مركزيا أصلا. يمضي القارئ متلذذا بانتقالات الكاتبة الخفيفة والحرة بين موضوعات في النقد واساليب الكتابة الروائية واليوميات الشخصية والنظر الي الاخرين وتذكر الاصدقاء الغائبين، بها شاءت الكاتبة ان تحمي موضوعتها الرئيسية وهي الفقد بعيدا عن الاعين المتلصصة. فوزية شويش السالم تمارس في هذا الكتاب كما في كتبها السابقة حقها كاملا في الكتابة الحرة. الكتابة التي تقول كل شيء مرة واحدة، كما لو أن الكاتبة تقف في مواجهة فرصتها الاخيرة في القول. كتبت الاف الكيلومترات من كلام الكتابة تقول. 2هذا كتاب عن الموتي. يمكننا قول ذلك مع الاحتفاظ بمسافة مبهمة ومهذبة عن الوصف النهائي لموقع اولئك الموتي في صناعة الحاضر. الكاتبة لم ترد لكتابها أن يكون كذلك فسعت الي أن يكون غير ذلك تماما. هناك الشهيدة والمسرحي العراقي عوني كرومي والشاعر الكويتي فائق عبد الجليل وزوجها. غير أن الرواية تضج بوجود الاحياء من البشر وأصواتهم المتشابكة. فوزية تلاحق خيالها في الكتابة مثلما تسعي الي التقاط شذرات من حياتها. من هنا ليس مستغربا ان تخصص صفحات طويلة للحديث عن فن الرواية أو عن وقائع يومية قد يظن البعض أنه كان في الامكان تفاديها. في غير مكان من الرواية تؤكد الكاتبة أن هناك امتزاجا مصيريا بين الكتابة وحياتها، امتزاجا يحرمها من القدرة علي أن تري المسافة التي تفصل بين الاثنين وهي لذلك لا يمكن أن تتخيل حياتها خالية من الكتابة أو الكتابة خالية من حياتها. لهذا السبب ينهض الموتي الذين يسكنون حياتها بل ويشكلون أقطابا لتلك الحياة من خلال الكتابة ليجدوا مرة أخري طريقهم الي الحياة، لكن بصفتهم كائنات اسطورية محلقة هذه المرة. تهرب فوزية بتلك الكائنات من الحياة المباشرة بكل تجلياتها المريرة: هنالك حرب في الخلفية المعتمة، حرب تسلم كل شيء الي الفقد. هنالك فصل في الرواية يحمل عنوان (سيرة الفقد) هو الأكثر توترا في الرواية، تواجه فيه الكاتبة حقيقة الغياب بكل وطأتها، غياب الآخر الذي يحثها علي الاستمرار في العيش والكتابة معا. لقد هربت كثيرا من ذلك الاعتراف لكنها في النهاية تسللت الي ذلك السبب الذي جعلها تكتب هذا الكتاب بالذات: الموت.3لا تقف (رجيم الكلام) بعيدا عن السيرة الذاتية. المتخيل في هذه الرواية ينتمي الي حياة مأسورة ومأخوذة بالكتابة. إنه نوع من الالهام المضاد. وما امتلاء الرواية شعرا إلا نوع من التماهي مع تلك الحياة القائمة عند لحظة يمتزج من خلالها الحب بالخطر. كل شيء في الرواية يحيلنا بطريقة استفهامية الي الحياة التي عاشتها الروائية، بصفتها كائنا ممتحنا قدر له أن يعيش تلاشي الاخرين من حوله. صدمة الفقد هي التي صنعت كل هذا الشعر، الذي هو مادة الرواية وسلمها الذي يرتقي بها الي فضاء اللغة. ففوزية الشويش تبحث في اللغة عما يعينها علي الاسترسال في وهم حياة كتبت سيرته وهي تبحث في ذلك الوهم عن المادة الخام التي تشكل بها لغة لم ينطق بها لسان من قبل. سؤال مزدوج من هذا النوع لا بد أن يلقي بكل ابطال الرواية المقترحين في دوامة عبثية لا نهاية لها. لقد بدأت فوزية روايتها من حادثة بطولة فردية اتخذت طابعا رمزيا غير أنها سرعان ما طوت صفحة تلك الحادثة لتفتح صفحات وقائع لا تستجيب لأي تأويل رمزي، فهي وقائع حياة عابرة تستحق أن تعاش بمسرة، غير أن الفقد كان لها بالمرصاد. بطريقة تلقائية سيجد قارئ هذه الرواية أنه يعرف الكثير عن حياة كاتبتها من غير أن يحتاط لقراءة سيرة ذاتية. ولهذا يمكنني القول أن فوزية سالم الشويش تسعي الي أن تصنع قارئا يكون بحجم مغامرتها في الكتابة التي تقع خارج كل تصنيف، قارئا تلهمه خبرتها اللغوية الحالمة أشياء كثيرة عن حياة عصيبة مرت بسرعة. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويدQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية