فوزي كريم يتحدث عن السياسات التي حيكت للإطاحة بروح الثقافة العراقية

حجم الخط
0

بغداد – ‘القدس العربي’ – من صفاء ذياب:يقشّر فوزي كريم الصخرةَ الخام، شأن النحات، عن المنحوتة الكامنة داخلها، يقشّرُ اللحاءات التي طمرت ماهيةَ الشعر داخلها.
هكذا تتفتح القصيدة لديه، القصيدة التي تعرف وجهتها حين يحاول الكشف عنها. الشعر لدى فوزي كريم لغة، وهذه اللغة تبدأ رحلتها الشاقة ما أن تستيقظ داخل قصيدة، رحلة باتجاه دلالتها في وعي قارئها. إن هذا الوعي فريد ونادر، لا يشبه وعي قارئ النصّ الفلسفي، أو قارئ الرواية، أو قارئ النصّ النقدي، وعي خُصّ به الشعرُ وحده، حتى لو أن الكلمة توفرت بمحض وجودها الصوتي، فإن الصوت هنا يتمثل دورَ الصوت الموسيقي ذي الطبيعة التجريدية.
من خلال هذا التعريف يفتتح فوزي كريم عالمه الشعري الذي تمكَّن الناقد والمترجم حسن ناظم من الدخول إليه، والتمعّن بآليات الكتابه والآراء الآيديولوجية حول حزب البعث والحراك الفكري والسياسي خلال ستينيات القرن الماضي وما تلاها من معارك شعرية وآراء في المواطنة والتحزب.
ويشير ناظم إلى أن نصّ هذا الحوار هو، في جانب كبير منه، شهادة فوزي كريم على عصره وعلى رموز عصره. بدأت رحلة الكتاب (إضاءة التوت وعتمة الدفلى.. حوار مع فوزي كريم)،- الصادر مؤخراً عن دار المدى بـ174 صفحة- في أيلول / سبتمبر من العام 2009 واستغرقت قرابة العام. فبين إضاءة التوت وعتمة الدّفلى عاش فوزي كريم واقعياً ورمزياً، وظلّ معلّقاً بينهما، بين النور والعتمة، بين إشراق شجرة التوت وعتمة شجرة الدّفلى في بيت العائلة في محلة العباسية ببغداد، بين حلاوة التوت وسموم الدّفلى، بين عالم مَشوبٍ بغموض قهريّ، وقدريّ، وعالم ينفتح على ضوء الشمس وهو يتخلّل أوارق الشعر.

أعداء فوزي كريم

يكشف فوزي كريم عن أن له أعداء في الأفكار لا في الكيانات الحية. فحين يهاجم أحدا كتابة، ينتابنه ندمٌ عند لقائه. يشعر أنه كان يهاجم فيه رمزاً وفكرة. وإذا به أمامه كائنٌ حيّ من دم ولحم. ‘هذه الحالة وردت في إحدى رسائل جورج أورويل بشأن مهاجمته للشاعر ستيفن سبندر. وهو يفترض أن هذه الحالة هي التي زهّدته بالاختلاط بالأدباء. ولكن قطيعتَه لها عامل آخر هو موقفه السلبي من مثقفي اليسار. هذان العاملان كامنان فيّ دون شك، في الطبيعة وفي التطبّع!’.
من جانب آخر كانت قراءة السياب بوقت مبكر تدفعه للغناء والبكاء معاً. كانت قصيدتهُ أمينة في نقل حيرة وأذى داخليين. ‘لم يكن يكتب ‘أدباً’ ينطوي على محسنات وأفكار، شبيهاً بقصائد شعراء مجددين كالبياتي وأدونيس.
إلا أن فوزي كريم يؤمن أن رحيل السياب الداخلي نادر، وقواه الروحية إعصار. إن قارئ شعره المرهفَ رهافةَ السياب، لن يغفل ما عاش الشريط المتسارع لمشاهد العالم السفلي، عالم مملكة الباطن التي خُصّ بها السياب وحده. رحيل إينّانا الخصب إلى عالم آرشيكال السُفلي، لا لتوكيد التعارض، بل لتوكيد وحدة التعارض. لم يكن السيابُ أكثرَ إشراقاً وأعمقَ تحت إضاءات الحياة التي كان يغنيها بتحرق، منه تحت إضاءات مملكته السفلى، التي نحتها بإزميل اللعنة.

عن سعدي والجواهري ومحمد خضير

من أهم الطروحات التي قدمها فوزي كريم في حواره هذا، أنه يرى في سعدي يوسف شاعراً يسارياً، انتصارياً للأسطورة التي تختمر من التجربة الشعرية، على التاريخ، الذي هو خيار الآيديولوجي الوحيد. ولأنه يخلط بين ‘التاريخ’ و’الحياة’، كعادة الآيديولوجي، فهو يعجب من أن قصيدتي دائمة الإقبال على الحياة، على خلاف موقفي النقدي، الذي ينأى بي عنها )أي عن التاريخ، كما يتوهم)! ويجب أن نعتمد، في الحكم، على نص سعدي الشعري، لا على نصه النظري.
وغالباً ما يطمئن كريم للشاعر غير العقائدي في سعدي يوسف ‘ولكنه في السنوات القديمة، قبل الثمانينيات، وفي القصائد التي أفلتت من قبضة الآيديولوجيا، كان انطباعياً، وأليق بشجرة التوت’.
ويختلف فوزي كريم مع سعدي يوسف في القصيدة، والفكرة، والموقف، وزوايا النظر إلى معنى الثقافة والحياة. و’لكن كلّا منا يقدر شاعرية الآخر. هو يثق بقراءتي لقصيدته، كما أثق بقراءته. على أني هنا لا أغفل طبيعة الشاعر العقائدي المزدوجة بصورة عامة وشائعة، الشاعر العقائدي اليساري مثلاً يحيي ستالين ويشتم الدكتاتورية في آن، يدافع عن الشاعر ولكنه يصمت إزاء تصفيات وقمع شعراء كبار مثل باسترناك، أخماتوفا، تسفاتييفا، أو ماندلستام. يقول’لا ‘للحرب ضد صدام حسين و’لا’ لصدام حسين في آن واحد، يغني للأطفال والزيتون ولكنه لا يشتري عاطفة الأب لديه بعانة’.
ولا يرى كريم فارقاً بين مدائح الجواهري ومدائح سعدي يوسف للينين، ولفلسطين، وللمناضل القومي. أو مدائح البياتي للمناضل الأممي، أو مدائح أدونيس لعناصر فكرة الحداثة، أو الأنا النبوئية..الخ. و’لك أن تستعرض عشرات آخرين، ممن تجمعهم مصلحة مع الممدوح (شخصاً، حزباً، أو فكرة ..(. حتى لو كانت هذه المصلحة معنوية. وأنت تعرف، إن أردت المقارنة، أن الجواهري ظل طوال حياته شريد منفى لم يتوقف. ولم يكسب من مدائحه شيئاً، مقارنة بالثوريين المحدثين، الذين كسبوا الكثير’.
وعن محمد خضير يتساءل كريم عن سبب انتخاب أبطاله نساءً على الأغلب؟ حيوانات على الأغلب، مقترنة بدلالات جنسية، عمياناً مُبعدين عن المكان الأرضي؟ مصلح ساعات مُبعد عن الزمان الأرضي؟ أمور لم تشغل بال أحد. إن’مُفتتح قصة الصرخة’، تُعد بالنسبة لي شاهداً بليغاً لتجريب مرصد لغوي وتخيلي جديدين في كتابة القصة، وكذلك مشهد الأسماك في الحوض الزجاجي المعرّض للإضاءة، وكتابات الحائط والحيوانات في قصة ‘المملكة السوداء’، والطقوس الحسينية في ‘الشفيع’. المشكلة مع محمد في مراحله الأخيرة إنه انتقل إلى معنى التجريب والتقنية المُباح والمشترك لدى طليعيي الحداثة. بالرغم من أن محمد يظل أميناً لخصوصية غير مُشاعة.

في اللا انتماء

في السبعينيات كان الجيل الشعري الشاب تحت مطرقتين سياستيين في الجوهر: الانتساب لحزب السلطة، أو الانتساب لحزب مقاومتها. لحزب البعث، أو الحزب الشيوعي. وكلا الحزبين كان ناشطاً في جذب الطاقات الشعرية الشابة، مُمثلاً من قبل الأول بالشاعر سامي مهدي، ومن قبل الثاني بالشاعر سعدي يوسف. ‘كنت عادة ما أقول: لا بد من خيار صريح مع النفس بين الشعر وبين الإيمان بمعتقد. العقيدة معتقل مهما اتخذت من شكل ومن لون. والشعر حرية لا تختلف عن المتاهة. العقيدة يقين، والشعر حيرة، ولا إجابة. التوفيق مستحيل. وكانَ هذا الرأي لا يمكن أن يُفهم آنذاك إلا تأليباً، وفي تأليب من هذا اللون مخاطر، ما كنت لأحسن معرفتها. خمرةُ الليل كانت تمنحني شجاعةً طائشة، لا قدرة لي على تحمل نتائجها. محبةُ عدد من الشعراء الشبان الذين انتسبوا لحزب البعث، بدافع المعيشة والأمان، كانت صادقة معي. وكذلك عدد من بعثيي جيلي. ولذلك لم أتعرض لقمع مباشر إلا لماماً، حتى يوم سفري الأخير’.

عن العراق

يرى فوزي كريم أن ما نحتاجه يدا تمتد، بحكم المصلحة وحدها، من خارج دائرة القدر العربي الإسلامي التاريخي. تمتد لنا من العصر الحديث الذي سبقنا بسنوات ضوئية، تُدخلنا عُنوة، شأن اليابان والكثير من دول آسيا، إلى سوق المصالح المتبادلة. أما الديمقراطية فليست طبعاً بل تطبّع. هذه خطوط رؤيته العامة لما حدث في العراق. ‘كلُّ الأذى الذي نراه اليوم إنما هو وليد فاعليتين موروثتين: فاعلية المنتفعين من فرصة التغيير، يغتنمونها تحت الشعارات الثورية الوطنية، القومية، الأممية. وفاعليةُ مقاومي إملاءات الحدث الجديد، تحت الشعارات ذاتها’.
ولا يعتقد كريم أن العراق سيستدير ذات يوم، ويعود إلى قافلة السلطان العربي، رغم كلّ ما يحدث. لقد حقق رابطة دولية، خارج مدار الخلافة العربية الإسلامية. وشرع أبوابه لمصالح السوق. وسيضطر المنتفعون من التغيير، والمتنازعون في الوليمة إلى كسب خبرة المرحلة الديمقراطية الجديدة: أن تتحاور، أنْ تنفع لكي تنتفع، ومعرفة الناس التدريجية بدورها الحاسم في اتخاذ القرار ستكون أرفع إنجازات المرحلة الجديدة. وسيتم ذلك دون أدنى شك.
***
الكتاب كان رحلة فكرية ومعرفية في شخصية فوزي كريم من جانب، والتاريخ الثقافي والسياسي العراقي منذ ستينيات القرن الماضي حتى الآن، وإذا كان لا بد من كلمة، فهو يعرّي الواقع الثقافي والآيديولوجي العراقي، ويكشف مفاصل هذا الحراك، والسياسات التي حيكت للإطاحة بروح الثقافة العراقية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية