فوز هولاند برئاسة فرنسا نكسة لسياسات التقشف التي نجحت المانيا في فرضها على دول منطقة اليورو

حجم الخط
0

باريس – عواصم وكالات الانباء: توالت امس الاثنين ردود الفعل المرحبة بفوز الاشتراكي فرنسوا هولاند بالانتخابات الرئاسية الفرنسية، وتلقى الرئيس المنتخب المزيد من برقيات التهنئة من قادة العالم الذين تركزت انظار الكثيرين من بينهم، ولا سيما الاوروبيون، على مستقبل النمو الاقتصادي في اوروبا في عهد الرئيس الجديد.

وصرح هولاند بعد فوزه في تول بوسط فرنسا ‘مهمتي من الان فصاعدا اعطاء الهيكلية الاوروبية بعدا من النمو والازدهار والمستقبل’، مضيفا ‘هذا ما ساقوله باسرع ما يمكن لشركائنا الاوروبيين وفي مقدمتهم المانيا’. ويشكل نجاح هولاند نكسة لالمانيا التي كانت تتحالف مع ساركوزي بقوة وخاصة فيما يتعلق بسياسات التقشف. وسبق لها ان اعلنت ان اتفاقية ضبط الموازنات الاوروبية غير قابلة لاعادة التفاوض.

وامس شددت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل على اهمية ضبط الموازنة في اوروبا والنمو المدعوم باصلاحات بنيوية بدلا من الديون، وذلك بعد هزيمة الحكومتين الداعمتين لسياسة التقشف في كل من فرنسا واليونان.

وقالت ميركل خلال مؤتمر صحافي في برلين ان الرئيس الفرنسي الجديد فرنسوا هولاند سيلقى بالتأكيد ‘استقبالا حارا’ خلال زيارته الاولى لالمانيا التي ستتم بعد نقل السلطات. واضافت ‘نعمل جيدا وبشكل مكثف معا’. لكنها اكدت موقفها الثابت من معاهدة ضبط الموازنة الاوروبية التي يريد هولاند ان يضيف اليها شقا يتعلق بالنمو. وقالت ميركل التي كانت تدعم المرشح المنتهية ولايته نيكولا ساركوزي، ان ‘معاهدة ضبط الموازنة غير قابلة للتفاوض’. واضافت ‘من غير الممكن اعادة التفاوض بشأن كل شيء بعد كل انتخابات’ لان ‘اوروبا لا يمكن ان تمضي قدما في هذه الظروف’. كما اعتبرت انه اذا اعيد التفاوض بشأن المعاهدة بناء لطلب فرنسا ‘ستطلب اليونان ايضا اعادة التفاوض’ بشأن خطة التقشف التي تخضع لها مقابل حصولها على مساعدة دولية. وبخصوص الانتخابات اليونانية التي عكست الرفض الكبير لخطة التقشف وحرمت البلاد من غالبية، قالت ميركل ان ‘الوضع معقد’. لكنها كررت انه ‘من المهم جدا مواصلة تطبيق البرامج (التي اطلقت في اليونان) رغم كل شيء’. ورأت ميركل ان هناك ‘ثغرات’ في النقاشات حول النمو لانها لا تأخذ في الاعتبار الملاحظات حول المنافسة التي اطلقت على المستوى الاوروبي مع ساركوزي. وفي وقت لاحق كرر ستيفن سيبتر، المتحدث باسم المستشارة الالمانية، في مؤتمر صحافي دوري الموقف الالماني بالقول ‘ليس ممكنا اعادة التفاوض على اتفاقية الموازنة’ التي سبق ان ‘وقعت عليها 25 من اصل الدول الـ27 الاعضاء في الاتحاد الاوروبي’ وترمي الى تعزيز الانضباط في ادارة المالية العامة. واتى تصريحه ردا على سؤال حول تأكيد هولاند انه يريد اضافة شق حول النمو الى الاتفاقية. كما كرر سيبرت في هذا الموضوع شروط برلين، حيث لا ترغب المانيا ‘في نمو بالعجز، بل في نمو باصلاحات بنيوية’. بالتالي بالنسبة الى حكومة ميركل فانه من غير الوارد تشجيع سياسات انعاش في اوروبا بل تعزيز الطريق التي اختارتها المانيا واصلاحات سوق العمل التي وضعها المستشار السابق غيرهارد شرودر. وكان الرئيس الفرنسي المنتخب اكد في كلمة الفوز نيته ‘اعطاء البناء الاوروبي ابعاد النمو والتوظيف والازدهار والمستقبل’ والتوضيح لبرلين وشركائه الاخرين ان ‘التقشف يمكن الا يكون حتميا بعد اليوم’. واعتبرت الصحف الالمانية الصادرة امس ان فوز هولاند يشكل هزيمة لميركل التي دعمت ساركوزي حتى النهاية. وكتبت صحيفة (فايننشال تايمز دويتشلاند) الاقتصادية ‘انه منعطف خصوصا لميركل فقد اصبح هولاند الذي ارادت تفادي اللقاء به باي ثمن رئيسا بدلا من ساركوزي’. واعتبرت صحيفة (دي فيلت) ان ‘الالمان يجدون انفسهم لوحدهم مع معاهدة الانضباط المالي’. ومقابل الترحيب الالماني المتحفظ بالرئيس الفرنسي الجديد، استقبل الاوروبيون الداعون للاهتمام بالنمو- وليس فقط التقشف وسيلة لمواجهة ازمة منطقة اليورو- الرئيس الجديد بتأكيد انسجامهم مع طروحاته في هذا الشأن. وكان رئيس الوزراء الاشتراكي البلجيكي ايليو دي روبو من اوائل الذين اعلنوا عن ‘سروره للعمل مع هولاند وغيره من رؤساء الدول والحكومات الاوروبية من اجل تنفيذ مشروع للتنمية ولانشاء الوظائف’. واعلنت نظيرته الدنماركية هيل ثورنينغ-شميت من جهتها ان بلادها التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي تعتزم التعاون بشكل ‘مفيد ووثيق’ مع هولاند. وكان وزير خارجيتها فيلي سوفندال شدد على التعاون مع فرنسا ‘للدفع نحو النمو وايجاد فرص عمل جديدة في اوروبا’. واعتبر وزير خارجية لوكسمبورغ جان اسيلبورن ان ‘هولاند على حق في التكلم عن الانضباط المالي وفي الدفاع عن النمو والرخاء الاجتماعي’. من جهته صرح رئيس حكومة لوكسمبورغ جان-كلود يونكر في مقابلة مع صحيفة (فورت) المحلية ‘يسرني العمل معه. وفي ما يتعلق بسياسة الاتحاد الاوروبي، فلا بد من الاقرار بان اراؤنا ليست مختلفة الى هذا الحد’. وفي روما دعا رئيس الحكومة الإيطالية ماريو مونتي الاتحاد الأوروبي الى مراجعة سياساته والتركيز أكثر على النمو الاقتصادي.

وقال مونتي في بيان إن ‘نتائج الانتخابات في فرنسا واليونان تجعل إعادة النظر في السياسات الأوروبية ضرورياً’. وأشار مونتي إلى أن التمويلات العامة المسؤولة هي شرط ضروري لكن ليست بالضرورة كافية للهدف الأساسي الذي يتلخّص بتحقيق ‘النمو المستدام الذي يخلق الوظائف والموجّه نحو تحقيق العدالة الاجتماعية’. وأضاف أنه من أجل هذا ‘من الضروري أن تتبنى أوروبا بشكل عاجل سياسات ملموسة لتحقيق النمو الاقتصادي’. اما جوزيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، فقد اكد للرئيس لهولاند أنهما يتبنيان ‘هدفا مشتركا’ بشأن إنعاش الاقتصاد الأوروبي المتعثر. وقال باروسو ‘من الواضح أن لدينا هدفا مشتركا، ألا وهو إنعاش الاقتصاد الأوروبي لتحقيق نمو مستدام والارتكاز على أساس صلب وتوفير فرص عمل جديدة’. وأضاف ‘استمعت إلى حملته الانتخابية وأفكاره. ونحن متفقان على الإعتقاد بأنه يجب علينا الاستثمار في النمو وشبكات البنى التحتية الكبرى، مما يعطي دورا أكبر للبنك الأوروبي للاستثمار والتمويلات المتاحة من الموزانة الأوروبية’. وأشار باروسو إلى أن دعم أولاند لفرض ضريبة على المعاملات المالية وتقديم ضمانات مشتركة للديون السيادية في منطقة اليورو ينظر إليه أيضا في بروكسل نظرة إيجابية. واعتبرت الصحافة الاميركية ان فوز هولاند يشكل تحديا للرؤية الالمانية للتقشف كوسيلة فعالة لمواجهة ازمة منطقة اليورو، مؤكدة في الوقت نفسه ان التغيير لن يكون جذريا.

وعنونت صحيفة (نيويورك تايمز) على صفحتها الاولى ‘تحد للتقشف’ الى جانب صورة لناشطين شبان اشتراكيين يلوحون بالعلم الاحمر في باريس عند اعلان النتائج مساء الاحد. ورأت الصحيفة ان فوز هولاند ‘سيعتبر تحديا للرؤية الالمانية للتقشف الاقتصادي كوسيلة للخروج من ازمة اليورو’ بحيث ان الاشتراكي وعد باعادة التوازن للمالية العامة في البلاد عبر اقتراحه ايضا ‘اجراءات تهدف الى استئناف النمو الاقتصادي’. وكتبت الصحيفة ان ‘الدول المديونة في اوروبا تأمل في ان يساندها هولاند لكي يفسح امامها المزيد من الوقت للتكيف’. من جهتها قارنت صحيفة (واشنطن بوست) بين فرنسا واليونان حيث جرت ايضا انتخابات الاحد وشهدت فوز احزاب معارضة لاجراءات التقشف، مؤكدة ان خيار الناخبين في البلدين يشكل ‘رفضا قويا للخطة التي اعدها الالمان من اجل مواجهة ازمة الدين: التقشف المؤلم’. وتابعت (واشنطن بوست) انه ‘في مطلق الاحوال فان الرؤية الاشتراكية-الديموقراطية والمؤيدة لليبرالية لدى هولاند لا تأتي بوعد بتغيير جذري’ خلافا لما كانت الحال عليه بعد فوز الحزب الاشتراكي عند وصول فرنسوا ميتران الى السلطة في 1981. من جهتها رأت صحيفة (وول ستريت جورنال) اليمينية انه رغم فوز اليسار بالغالبية في مجلس الشيوخ السنة الماضية واحتمال فوزه في الجمعية الوطنية في الانتخابات التشريعية المقبلة في حزيران/يونيو، فان الرئيس الاشتراكي المنتخب ‘سيكون بحاجة لدفعة من الاقناع السياسي لكي يحسن استخدام وعوده الانتخابية’. واشارت الصحيفة في هذا المجال الى الجروح العميقة التي خلفتها ازمة اليورو في فرنسا في مجال العجز التجاري ونسبة البطالة التي بلغت 10′. ونقلت صحيفة (لوس انجليس تايمز) عن محللين اقتصاديين القول ان الرئيس الفرنسي المنتخب ‘لم يترك هامش مناورة كبيرا وسيكون عليه التحرك سريعا لتهدئة الاسواق المالية التي ترى فيه تهديدا لجهود اوروبا من اجل ضبط المستوى المرتفع لدينها العام’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية