فوضى تحتاج الى حزم حتى لا تتحول الى إرهاب

حجم الخط
14

تناقلت وسائل الاعلام في مصر مؤخرا، استخدام صواريخ باليستية أمريكية الصنع في الهجوم الأخير ـ وليته يكون الأخير ـ على مديرية أمن شمال سيناء. وإذا كان الارهاب في مصر يمتلك صواريخ باليستية، فضلا عن القذائف والقنابل والكلاشينكوف وأنواع عديدة من المتفجرات وغيرها من الاسلحة ووسائل التخريب والتدمير، فإن وسائل الحرب الاهلية موجودة بوفرة، ولا يعلم إلا الله تعالى مدى توفر تلك الاسلحة وخطورتها الكاملة ومصادرها كذلك.
أعتقد أن البحث عن مصادر الأسلحة وأماكن دفنها وتخبئتها ومخازنها وضرورة تدميرها قبل استخدامها، أولى وأهم من أشياء كثيرة مطروحة حاليا على الساحة، ومنها فض الاعتصامات رغم ضرورته، حتى لا تقع الكارثة. كيف تم تهريب تلك الاسلحة وتخزينها في سيناء، وكيف تم شراؤها ونقلها ومن دفع ثمنها؟ هذه الاسئلة وغيرها مما يتعلق بالإرهاب في سيناء، يجب أن تكون محاور نقاش جاد لمعرفة الحقائق المتعلقة بها، خشية أن تمتد يد ذلك الارهاب الى مناطق أخرى من الوطن العزيز، ثم ينظر المجتمع الدولي إلى مصر على انها عاجزة عن محاربة الارهاب، ويكون ذلك مدخلا من مداخل التدخل الخارجى أو الشيطاني.
من هنا كانت اهمية الدور الذي تؤديه الأجهـــزة الأمنـــية كلها في مصر متضامنة مع القوات المسلحـــة والشعب، وفي مقدمته القوى الثورية جميعا، للوصول الى الحقيقة المرة التي أصبحت واقعا ملموسا، ومواجهة ذلك الارهاب قبل أن يستفحل.
لا أعتقد أن هناك مصريا حرا، لا يؤذيه أن تتحول مصر الى سورية حاليا أو العراق أو الصومال أو أفغانستان من قبل. ولا أظن أن هناك من لا يشعر بالأسى والحزن وهو يرى بعض الأسر السورية المحظوظة، التي استطاعت أن تهرب من سورية تقف في المطارات ومنها مطارات مصر، تبحث عن ملجأ آمن لها ولأولادها، أو تسير في الشوارع وتقف أمام المساجد تستجدي المارة أو المصلين حتى تستطيع العيش.
وإذا كنا لا نحب أن نرى هذا للسوريين، فإننا بكل تأكيد لا نريد أن نراه للمصريين. ولابد أنه يحزننا أن يفكر المصريون في أن يهاجروا ألما وحزنا وعجزاً وخوفا أمام الارهاب أو الحرب الأهلية أو الفوضى، من هذا البلد الأمين الى السودان أو ليبيا أو غيرهما، للبحث عن بيئة آمنة.
وفي الحقيقة الكل يبحث عن سراب، إذ أن مصر هي الدولة العربية الوحيدة المتماسكة حاليا، التي ينبغي عمل كل شيء للحفاظ على أمنها وسلامتها ووحدتها وقواتها المسلحة المتماسكة، ودفع خطر الارهاب والارهابيين عنها.
الذين يكَّفرون الناس بالمعصية هم من منهج الخوارج، وإن كانوا يؤيدون مرسي اليوم فقد يكفرونه غدا، كما فعلوا من قبل، والذين يصفون قتلاهم في الجنة، وقتلى بقية المصريين ممن يهتفون ضد عودة مرسي هم في النار، هم من المكفرين الذين يستحلون الدم والمال والعرض، وينبغى على رجال الأمن والقوات المسلحة، ومعهم هذا الشعب العظيم، حماية مصر ومستقبلها من هؤلاء، لأنهم من أدوات العنف والارهاب، ويمكن أن يستخدمهم أعداء الوطن أو يستغلوهم في دمار وتخريب واسع، مخدوعين باسم الجهاد في سبيل الله. وهم يجاهدون اليوم في سبيل سلطة زائلة ونظام سياسي مستورد من الغرب.
أخشى ما أخشاه على مصر اليوم، وفي ضوء الوضع المؤلم القائم، هو سيناريو أو مسلسل الفوضى، الذي إن لم يجد العلاج في الحزم والحسم وبتر الارهاب ومحاصرته، فلن يأمن أحد، خصوصا في سيناء على حياته، إذ قد يأتيه هذا الخطر الداهم في أي وقت ولا سيما قبل الافطار في شهر رمضان، قد يأتيه من أي مكان أو من أي صاروخ أو قنبلة أو أي سلاح آخر. الارهاب مثل النيران في يوم ريح عاصف، إن لم نحاصرها في بداياتها امتدت لتلتهم كل شيء.
وسيناريو الفوضى قائم بذاته ومسبباته قائمة وفي البدايات، وهو يحتاج الى علاج حاسم، ونتائجه أيضا معلومة أو على الأقل متوقعة، وقد يمهد ذلك السيناريو الى التدخل الاجنبي لعجز مصر آنئذ عن التخلص من الارهاب أو حماية حقوق المواطنين، خاصة الأقليات أو حماية السياح إن جاءوا. هم يأتون بمبررات خادعة، وأربأ بهذا الشعب العظيم أن ينفذ الغرب من خلاله الى مصر.
لقد رأيت بعض الإسلاميين يعودون من أمريكا مع بول بريمر الى العراق منذ عقد من الزمان، يشتركون في تدميره بحجه التخلص من خطر صدام حسين، ثم يعودون مع بريمر من حيث أتوا. هل يمكن أن يتكرر هذا المشهد في مصر؟ ورأينا شيوخا وعلماء يجتمعون في مكة المكرمة مهد الرسالة العظيمة، بدعوة من الحكام في أوائل التسعينات من القرن الماضي لإصدار ما يعرف بفتوى الاستعانة، ومن ثم كانت الفتوى غطاءً شرعيا لمجيء القوات الأمريكية الى الخليج وطرد صدام حسين نفسه وجنوده من الكويت، لتبقى القوات الأمريكية حتى اليوم في الخليج، ولا نرى شيخا ولا عالما واحداً يجيب على سؤال واحد متى يخرج الأمريكان من الخليج؟ كتبت عن ذلك مرارا وسأظل أكتبه حتى يقيض الله تعالى من أهل الخليج من يقاومون بقاء القوات والقواعد الأمريكية في الخليج.
مصر خالية، بفضل الله تعالى، حتى اليوم من القواعد العسكرية الأجنبية، وأدعو الله تعالى أن تظل كذلك. أما أولئك الذين ينادون بالتدخل الأجنبي لإعادة مرسي الى الحكم، فإنهم يجب أن يسألوا أنفسهم سؤالا مهما، كيف سيتمتع مرسي بالحكم إذا عاد على دبابة أمريكية أو بوساطة كاثرين آشتون أو غيرها ؟ وكيف يقبل أولئك أن يروا تدخلا أجنبيا من أي نوع أو جنديا واحدا أجنبيا على أرض مصر؟ وهل مصر فعلا تحتاج الى وساطة خارجية، وليس هناك من بين سكانها، وهم تسعون مليون، من يستطيع ذلك بإنصاف وموضوعية وبمبادرات مقبولة من جميع الأطراف.
ومرة أخرى أقول لشيخنا القرضاوي الذي هاجم شيخ الأزهر، وطالب بالتدخل الأجنبي في شؤون مصر، على غرار ليبيا القذافي، ليسترد الأخوان المسلمون السلطة أو الشرعية المزعومة التي لم يحافظوا عليها ولا على حب الشعب لهم واحترامه، أقول لفضيلته، إن الاسلاميين لو كانوا حقاً إسلاميين يجب أن يكونوا أول من يرفض التدخل الأجنبي، بل وقتالهم إذا جاءوا إلى بلادنا، ويكفي احتلال أرض فلسطين التي يجب أن نسعى جميعا لتحريرها. وأقول له يا شيخنا لقد قلتم في كتابكم القيم ‘فقه الجهاد’ في صفحة 733من المجلد الأول، ان مؤتمر مكة إرتأى بل أفتى قائلا، ‘واذا كان العرب والمسلمون عاجزين عن مواجهة قوات صدام، وإجبارها على التخلى عن الكويت، فليس أمامنا إلا الاستعانة بقوة أكبر من صدام، وهي قوة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.
والاستعانة بهذه القوة الأجنبية (الكافرة) أمر فرضته الضرورة، وللضرورة أحكامها، وما يباح للضرورة يُقدًّر بقدرها، إنتهى قرار مؤتمر مكة المكرمة’، ثم يواصل الشيخ القرضاوي قوله: ‘هذا ما قرره مؤتمر مكة، وقد حضره عدد كبير من العلماء، وكنت ممن وافق عليها بشرط: أن تأتي هذه القوات لمهمه مُحَددة هي إخراج صدام من الكويت، ثم تعود من حيث جاءت، حتى قلتُ: إنني سأكون أول من مَن يقاتل هذه القوات إذا بقيت في المنطقة بعد التحرير يوماً واحداً ‘، انتهى كلام الشيخ القرضاوي.
طبعا مصر ليس فيها محتل اسمه صدام حسين، الذي يجب أن نطرده أو أن نستعين بقوة أكبر لطرده، وليس فيها حاكم مجنون مثل ليبيا القذافي. ومن المؤسف أن هناك من لايزال يظن أن أمريكا أو الناتو هيئة خيرية أو إنمائية أو إغاثية، يمكن الاستعانة بها في عمل مؤقت ثم تعود أدواتها وقواتها من حيث أتت. كنت أتمنى أن يكون شيخنا القرضاوي فعلا هو أول من يقاتل القوات الأمريكية في الخليج التي بقيت في المنطقة أكثر من عشرين سنة وليس يوما واحدا، وأن يقف شيخنا في وجه من يطالب بالتدخل الأجنبي، وإن اختلفنا على تفسيرالسلطة والشرعية، حتى تبقى مصر حرة أبية لا تدنس أرضها أقدام الغزاة.

‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية