دمشق – «القدس العربي»: اجتاحت فوضى مخالفات البناء بشكل كبير خلال الأشهر الماضية العاصمة السورية، وانتقلت لتضرب في قلب الأحياء الراقية مثل أبو رمانة والمالكي والمهاجرين والمزة ومشروع دُمّر، بعد أن كانت تقتصر على العشوائيات على تخوم المدينة في عهد النظام السابق، الأمر الذي دفع المحافظة، حسب مصادر فيها، إلى شن حملة هدم، وسط تقديرات أن عدد مخالفات البناء في دمشق وصل إلى 11 ألفاً لكن معظمها في الأحياء الفقيرة، وتم التعامل مع أكثر من 1500 منها.
ولفتت مصادر المحافظة في تصريحها لـ«القدس العربي» إلى أن الكثير من المخالِفين استغلوا الفترة التي أعقبت سقوط نظام الأسد وتوقف منح التراخيص في هذه الفترة، لارتكاب مخالفات بناء، ومنهم تجار، بهدف تحقيق أرباح سريعة من دون تكاليف عالية وخصوصاً في المناطق العشوائية.
وقَدّرت المصادر نسبةَ المخالفات في تلك المناطق بالآلاف، خلال ثمانية أشهر، معتبرة أن الأمر خطير ويجب معالجته بأسرع وقت ممكن، وهو ما تعمل عليه المحافظة. ومخالفة البناء وفق المرسوم رقم 40 لعام 2012 تعني كل عملية إنشاء تتم من دون الحصول على ترخيص رسمي، أو تلك التي تُنفذ خلافاً لما يسمح به الترخيص الممنوح.
ويشمل ذلك طيفاً واسعاً من الحالات، من أبرزها التعدي على الأملاك العامة كالطرقات والحدائق والمرافق، أو تجاوز الوجائب الإجبارية والارتفاع المقرر في أنظمة البناء، إضافة إلى تشييد أبنية على أراض عامة أو مستَملَكة للدولة أو ضمن مناطق لم تُستكمل فيها أعمال توزيع المقاسم العقارية، كما يُعتبر من المخالفات بناء طوابق إضافية أو الحفر تحت الأساسات أو تعديل الجملة الإنشائية بما يهدد متانة المبنى، وكل تلك المخالفات تستوجب الإزالة بالهدم، بموجب القانون 40/2012.
وأشارت المصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، أن الحملة في الفترة الماضية شملت مناطق راقية مثل المالكي وأبو رمانة، وأحياء متوسطة مثل الزاهرة وركن الدين ومساكن برزة، ومنها مخالفات بسيطة مثل التوسع على حساب الطرق العامة والحدائق، ومنها مخالفات كبيرة مثل بناء غرف على الأسطح أو ملاحق، لافتة إلى أنه تم هدم الكثير من المخالفات. أما بشأن المناطق العشوائية، فقالت المصادر إن هذا الملف كبير ويحتاج إلى مخططات تنظيمية، مؤكدة، على الرغم من ذلك، التعامل مع العديد من المخالفات، ولكن ليس بهذا الشكل الكبير باعتبار أن المناطق واسعة وهناك مناطق كاملة عشوائية وغير منظمة.
وأشارت إلى أن التشدد في قمع المخالفات جاء بعد انتشارها بشكل غير مسبوق، وطالت أيضاً المناطق المنظمة من العاصمة.
حملة هدم… ومطالبات باعتماد خيار التسويات
ووفق المصادر، بعد سقوط النظام وسحب الحواجز الأمنية واختفاء الانتشار العسكري في محيط العاصمة ضمن الأحياء العشوائية، بدأ الأهالي – وقسم كبير منهم من النازحين – بالعودة إلى منازلهم التي كان الاقتراب منها ممنوعا، باعتبار أن أحياء كثيرة كانت سابقا بمثابة خط جبهة ومواجهة.
ومن هذه المناطق، الكباس والدخانية وكشكول والقابون وجوبر والحجر الأسود والتضامن ودُمّر البلد وغيرها، وقد شهدت فورة من البناء العشوائي غير المرخص، حتى أن بعض الأبنية ارتفعت إلى أكثر من ستة طوابق، كما قام الكثير بالمباشرة في ترميم منازلهم المدمرة نتيجة القصف الشديد، وإزالة السواتر الترابية التي كانت تسد شوارعهم، وعادةً ما يتم التساهل في هذه الأحياء الفقيرة، لكن تجار الأزمات ينشطون في تلك المناطق أيضا.
حملة إزالة المخالفات التي قامت بها المحافظة، دفعت العديد من الأصوات إلى المطالبة بإجراء تسويات على المخالفات التي تم بناؤها بعد سقوط نظام الأسد وليس هدمها، نظرا لأن الظروف في هذه الفترة لم تكن مهيئة للحصول على تراخيص للبناء، إضافة إلى عدم تطبيق المرسوم 40 الذي صدر في عهد النظام السابق والذي كان تطبيقه انتقائياً باستهداف المخالفات البسيطة وترك المخالفات الكبيرة لمستنفذين سابقين.
وقال أحد الذين تعرض للمخالفة من قبل المحافظة لـ « القدس العربي»، إنه اضطر إلى بناء غرفة على السطح في منزله في حي الزاهرة، ولكن واحدا من جيرانه قدم شكوى ضده بحجة أن هذه الغرفة، تُسبب إزعاجاً لمنزله المقابل للسطح، ما دفع البلدية إلى هدم الغرفة. وقال إنه حاول إجراء التسوية لكن القانون 40 لا يسمح بذلك، مطالباً بتطبيق نظام التسوية عبر دفع مبالغ مالية وليس هدم المخالفة التي تؤوي صاحبها.
صاحب مخالفة أخرى، أكد لـ«القدس العربي» أنه عمِل فقط على تدعيم منزله وإعادة تأهيل أجزاء خطرة فيه، وهذا أمر لا يحتمل التأجيل، وعلى الرغم من ذلك تم هدم المخالفة، مع أن هناك مئات المخالفات في ذات المنطقة مازالت قائمة ولم يتحرك أحد لهدمها.
في حين، أكد خبير عقاري لـ«القدس العربي» أنه يجب معالجة انتشار المخالفات في دمشق بتسويتها عبر فرض رسوم مالية على المخالفين، معتبراً أن قانون 40 تم وضعه في زمن النظام السابق لتحقيق مصالح شخصية، وتوجد فيه مواد جيدة ويمكن تطبيقها، مضيفاً: هناك أشخاص استغلوا الظروف التي حصلت عقب سقوط النظام وتراجع أداء بعض السلطات لفترة معينة، لكن هذا لا يعني أن يتم معاملة هؤلاء كباقي الأشخاص الذين بنوا مخالفات بسيطة، كان الهدف منها تدعيم منازلهم وليس تحقيق أرباح.
وقدّر أن هناك ما يقارب 11 ألف مخالفةِ بناء حدثت خلال الأشهر الماضية، معظمها في المناطق العشوائية، معتبراً أنه من الطبيعي أن تكون هناك زيادة في المخالفات وخصوصاً في المناطق غير المنظمة. وتَمنح دائرةُ الترخيص والبناء التابعة لمديرية التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق، رخصة خاصة بتدعيم أو بناء جزئي لعقار مرخص في المناطق المنظمة ضمن العاصمة، وتُستخدم هذه الرخصة لترميم البناء، أو إعادة اكسائه، أو تركيب تجهيزات حديثة فيه، أو لتدارك أخطاء سابقة في التنفيذ، ولا تعطى هذه الرخصة ضمن نطاق مدينة دمشق القديمة التي يجب فيها الحصول على موافقة مسبقة.