رأى نفسه نائماً ممداً على سريره، هي المرة الاولى والاخيرة التي سيرى فيها نفسه هكذا، مستسلماً، هادئاً، تكسو وجهه وداعة الراحلين وضعفهم، نظر، دقق: إنه أنا حقاً، لكن ماذا جرى؟ تراني مت ليلاً؟!
آخر ما أذكره أني دخلت البيت في حدود الحادية عشرة، يا لله لكم رجتني زوجي ألا اتاخر عن العاشرة؛ لأن الأولاد يريدون أن يناموا على صوت حكاياتي المكرورة والمملة ككل ليلة، لم أكن أدري ما الذي يجذبهم إليها؟ لقد ناموا الليلة دون أن أراهم، ولا أن يسمعوا حدوتة معتادة، ثم ماذا؟ فتحت التلفاز – كان كل من في البيت قد نام – بحثت عن آخر الأخبار، لم أجد ما يسر، أغلقته، ثم رحت أعبث في حافظة أوراق قديمة: يا له من حنين إلى الماضي!
يالله هذا عقد تملك البيت، وتلك وثيقة الزواج، أمّا هذه فوثيقة طلاق زوجي الأولى، وهذه شهادة ميلاد ابنتي الكبرى من مطلقتى، أوحشني كثيراً أن أنظر في وجه هذه البنت الجميلة، حالت بيننا ظروف ليتها لم تكن، كانت يدي قد امتدت لكرتونة كساها غبار السنين فيها كتب جامعية مضى عليها عقدان لم أفتحها كانت – يوماً – عبئاً ثقيلاً، ألقيه عن كاهلي عقب أداء الامتحان، وأضع في كل كتاب ورقة امتحانه، لم أدر وقتها ما جدوى ذلك، لكنها كانت رغبة بداخلي أن أحتفظ بالكتاب، وورقة الامتحان بداخله، ربما للذكرى، ربما تحسباً لاحتياج مستقبلي، لا عليكم.
بدأ النوم يغلبنى، قمت إلى سريري تمددت، أسلمت نفسي للفراش، وألحت على فكرة لم تكن تأتيني من قبل ماذا لو لم استيقظ في الصباح؟ قلت لنفسي: ماذا تعني؟ أعني ماذا لو مت وأنا نائم، يوقظونني في الصباح فلا أستيقظ، لا تلمس الأرض قدماي مجدداً، لا أرى وجه أطفالي ثانية، تخيلت وجه أطفالي وهم يستقبلون نبأ موتى، صعب عليّ أن أرى دموعهم المنكسرة، ووجوهم اليابسة، لطالما تألمت لمرأى من في سنهم ممن فقدوا آباءهم، كنت دوماً أريد أن أكون لهم أباً، أن أغسل نظرة الحزن من عيونهم، لم أستطع إلا أن أمسح على رءوس بعضهم، وأن أنظر بشفقة للآخرين. يا لها من فكرة جامحة استحوذت علىّ، يا ربي إن قدرت على الموت فلا تهنهم من بعدى، لا تجعل دموعهم علىّ انكساراً لنفوسهم، ماذا أملك لأقدمهم لهم؟ كنت ما بين النوم واليقظة حين رن في عقلي قوله تعالى: ‘وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ً ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً’. استغرقني التفكير في الآية هل كنت كذلك؟ أود لو أصبحت هكذا، قلق ثقيل مُمِضّ سيطر علىّ، شعرت أني على حافة السماء، وأن الأرض والأشياء بعيدة بعيدة، وأن أنفاسي تتلاحق، ودقات قلبي تصرخ، ظننتني – في البداية دخلت في حلم – لكنه لم يكن، كانت النهاية.
في الصباح حين جاءت زوجي لتوقظني كنت أرقبها وأرقبنى، كنت ميتا، وكانت هي تولول، والتصق بها الأطفال يصرخون ويتشبثون بالفراش، لم يؤلمني غير الدمعة التي رأيتها في أعينهم منكسرة حائرة، وعما قليل سينظر إليهم الناس بشفقة، وينظرون هم للعالم من دون أب. عبد العزيز مشرف