الموسم السنوي لمزاد السينما التجاريةالقاهرة – “القدس العربي” – من كمال القاضي: أفرزت السينما في موسم الكساد مجموعة من الأفلام التجارية جاءت كرد فعل لانشغال الجمهور والنقاد بالحالة السياسية واستطاعت بعض شركات الانتاج تعويض الخسارة بشكل نسبي، حيث تم لاعتماد على الشريحة الأقل إدراكاً والتي لا تدقق كثيراً في المضمون وتركز فقط في الصورة المبهرة ومشاهد الإغراء والتوابل الأخرى كالافيهات والنكت وما شابه.’فكك مني’ عنوان لفيلم من هذه النوعية كتب له القصة والسيناريو مصطفى السبكي وأخرجه أحمد عويس، وهو خلطة فنية تجارية احتوت مكوناتها على عناصر مختلفة من الكوميديا والأداء الخفيف لنجوم كبار وممثلين شباب من بينهم حسن حسني ودينا وريكو وعمرو عبدالعزيز وضياء الميرغني وجيهان سلامة وأحمد عزمي ومروة عبدالمنعم وآخرين.
وقد أدت هذه التنويعة إلى خلق مذاق مستساغ إلى حد ما، ولكن في حدود ما يتعاطاه جمهور الدرجة الثالثة، حيث المستوى الفني والدرامي لم يتجاوز ذوق الطبقة الشعبية جدا التي تقبل على السينما في هذه الفترة دونما انشغال بشأن آخر، ويمكن القول بأن هذا النوع من الجمهور هو الذي أنقذ السينما كصناعة من الانهيار وساعد على دوران عجلة الانتاج خلال الفترة الحرجة، وهذا في حد ذاته إسهام مهم وإن كان بالطبع غير مقصود ممن قاموا به.
المهم أن السينما لم تتوقف وبفضل ذلك تعددت الأشكال والألوان الفنية فكان ‘فكك مني’، الفيلم سالف الذكر نموذجاً يمكن قراءته على أكثر من وجه فهو ليس إلا محاولة متواضعة لاستثمار شعبية حسن حسني ودينا وتوظيفهما توظيفاً درامياً مختلفاً بعيدا عن أدوارهم المعتادة والإطارات المألوفة لهما، فحسن حسني يلعب دور وزير ودينا تجسد لأول مرة شخصية شغالة ولاكتمال منظومة الاستثمار ينضم الى فريق العمل ويشاركهما البطولة النجم الشاب أحمد عزمي فنرى صراعا تقليديا بين المتآمرين على الوزير من داخل وزارته والنخبة الشريفة التي تجتهد لحماية صحة وأمن البلاد من خطر البذور المسرطنة التي تسعى الشلة الفاسدة المحيطة دائماً بالرجل المهم لتوريطه فيما هو مخالف للقانون.
وكالعادة يكون الأشرار هم الأقوى والأذكى إلى أن تحين لحظة الانقضاض التي يحددها المخرج فتصبح بقدرة قادر كل أوراق اللعبة في يد الفريق المناويء للعصابة لينتصر الخير على الشر دون حسابات منطقية يحترم فيها كاتب السيناريو أو المخرج عقل المشاهد، خاصة أن كل الخيوط تؤدي غالباً الى عكس ما يحدث مع كل نهاية.
في سيناريو مصطفى السبكي ورؤية أحمد عويس الإخراجية توافرت كل معطيات انهزام القانون، فعصابة تهريب الشحنة المسرطنة تمكنت من التعايش داخل مكتب الوزير وأساليب الضغط عليه معلومة لديه ولدينا وعلاقته، بابنه الوحيد أحمد عزمي متوترة وحفيدته من ابنه الآخر المتوفي مخطوفة من قبل العصابة والدكتورة مي المنوط بها إثبات صحة التقارير التي تفيد فساد صفقة البذور وعدم صلاحيتها طردها الوزير من المكتب، كل هذا ليس كفيلا بوجود حل مغاير للنهايات السعيدة ولا تقتضي تعديل مسار الأحداث، حيث الإصرار الساذج على ضرب عرض الحائط بكل الأسباب واللجوء الى انتصار الوزير حسن حسني وأعوانه على العصابة كحل سحري للخروج من الأزمة، وهو أسلوب يدفع المتلقي إلى عدم الإيمان بالحقائق الواقعية ويجعله دائماً أسير اللحظات القدرية وفي انتظار الحلول السماوية.
وفي الحقيقة أن هذا التصرف السينمائي المتكرر يجافي الشروط العقلية اللازمة للتغلب على الأزمات ويعطل ملكة الابتكار في الكتابة والإخراج لأن الإبداع السهل لا يؤدي إلى نتائج مقنعة، فلا يوجد قانون درامي يحتم انتصار الخير على الشر، بل العكس هو الصحيح، فالكتابة الواقعية تستوجب ضرورة أن يكون الشر غالباً على الخير كما في كل الأفلام الكبرى لرواد الواقعية، والنماذج في ذلك كثيرة، الفتوة، القاهرة 30، الزوجة الثانية بغض النظر عن المقارنة وعدم التشابه فنحن نتحدث عن المدرسة والاسلوب لا عن وحدة الموضوع.
أما إذا اعتبرنا فيلم ‘فكك مني’ جنس سينمائي مهجن ما بين الكوميديا وظل الظل من الواقعية الحديثة حسب لغة الجيل الجديد من الشباب وهو ما يدل على العنوان الذي يوحي بدخول مفردات غريبة على قاموس التخاطب الاجتماعي بين شرائح من صغار السن فهذا معناه اننا بصدد تحريف مكافيء ايضا للتحريف الواقعي، إذ يتطلب الازدواج الكوميدي الواقعي تناولا آخر بكيفية مختلفة تناسب ثقافة الشباب المتمرد على القوالب والأنماط الفنية، الراغب في لغة تواصل قريبة منه تستخدم فيها مفرداته وتتشكل منها شخصيات تشبهه الأكثر تآلفاً وحيوية وقرباً من روح الشباب في هذا الفيلم هي مفردات اللغة الأخرى المتمثلة في موسيقى بيرم ولوحات إيهاب حامد التصويرية والإضاءة المعبرة فكلها عوضت الإحساس بالأشياء المفتقدة في خلطة التراجيديا والكوميديا والدراما التجارية.