«الغابة السوداء» هي الرواية الثالثة، بعد «وصايا الغبار» 2011 و«الغرانيق» 2017، للكاتب والباحث السوري المقيم في ألمانيا مازن عرفه، الصادرة حديثاً عن منشورات رامينا في لندن.. يرصد فيها الآثار المتمادية للحرب السورية على ضحاياها، من خلال الأعطاب، الجسدية والنفسية، التي ألحقتها براوي الرواية الذي يتقاطع مع الروائي في كتابة الرواية، واستخدام العنوان نفسه، والوجد في ألمانيا، على الأقل، ما يشي باستثمار الروائي جوانب من سيرته الذاتية في عمله الروائي، ويجعل من الراوي قناعاً يغطي به وجهه، أو مرآة تكشف بعض ملامحه.
العنوان والمتن
بالدخول في الرواية من عنوانها، يشكّل وصف الغابة بالسواد انزياحاً عن اللون الأخضر الطبيعي الملازم للغابات في الطبيعة والثقافة، ما يمنح العنوان ظلاًّ شعرياًّ خفيفاً، غير أننا حين نتقصى تمظهراته في المتن، نخلص إلى أن الغابة السوداء هي تلك المساحة من الأشجار الكثيفة الممتدة حتى الأفق، بطول مئتي كيلومترٍ وعرض ستين كيلومتراً، بجوار مدينة بفورتسهايم الألمانية، و«هي مجرّد تسمية رمزية بسبب اتشاحها في الداخل بالسواد خاصة في المساء» وهي الحيّز الذي يعيش فيه الراوي ويشعر به في داخله، وتتفجّر منه كوابيسه وهلوساته، والمغلق على الظلمة فقط. وبذلك، يتمظهر العنوان في المتن الروائي، بالمعنى الحقيقي، في الغابة المجاورة لبفورتسهايم. ويتمظهر، بالمعنى المجازي، في الظلمة الكامنة في الراوي التي تنطلق منها كوابيسه الغرائبية. والمعنيان يتصاديان ويتجادلان داخل النص، إلى حدٍّ معيّن.
اضطراب ما بعد الصدمة
تتمحور الأحداث في «الغابة السوداء» حول شخصية الراوي الذي يعهد إليه الروائي بمهمة الروي، لكنه يبخل عليه باسم. فنعلم من خلال الروي أنه هارب من أجهزة المخابرات في بلده، إثر علمه بقرار القبض عليه، تاركاً شقته الكبيرة وأسرته في بلدته داريا، ليجد نفسه مريضاً نفسياًّ في منتجع صحّي قرب بلدة بفورتسهايم الألمانية، غير أن الكاتب لا يبيّن كيف وصل الراوي إلى هذا المكان، ما يشكّل فجوة كبيرة في مجرى الأحداث، كان الأحرى به ردمها. أمّا كيف آلت حاله إلى ما هو عليه ممّا يشخّصه الطبيب المعالج بـ»اضطراب ما بعد الصدمة» فلعلّه ناجم عن اختفاء أسرته، وانهيار شقته، واختفاء مكتبته، واحتراق مذكّراته، وسقوط القذائف على مقربة منه، ممّا يرويه في سياق الروي. وهو ما يؤدي إلى ضعف قدرته على التذكّر وإصابته بالشواش الذي يلازمه على شكل أصوات مجنونة وصرخات يائسة ونداءات مبهمة، تطلع من داخله، من جهة، وتتناهى إليه من تل الأنقاض في وولبيرج المجاور للمنتجع، من جهة ثانية، وتتحول إلى هلوسات وكوابيس.
وحدة الحروب والضحايا
إزاء هذه الحالة المرضية، ينصحه الطبيب بمواجهة الأصوات للشفاء منها، ويوصيه بالاسترخاء والهدوء. فيحاول هو مواجهة المصدر الداخلي للأصوات، وتساعده الروائية ليليان العاملة في مساعدة اللاجئين على الاندماج على مواجهة المصدر الخارجي لها، من خلال اصطحابه لتسلّق تل الأنقاض الصناعي، ذلك المكوّن من أنقاض بفورتسهايم وأشلاء أهلها بعد تدميرها، خلال الحرب العالمية الثانية. وكأنّي بالكاتب يقول بوحدة الأثر الذي تخلّفه الحروب حول العالم، بغضّ النظر عن مكان حدوثها، من جهة، ويقول بوحدة الضحايا الناجمة عنها، من جهة ثانية. وهو ما يعبّر عنه على لسان الراوي بالقول: « لم أعد أشاهد حركة السيارات العابرة في الاتجاهين، إنما أنقاض مدينتي غرنيكا وبفورتسهايم. ومن خلفهما تمتد أنقاض بلدتي داريا، وبقية المدن السورية، وإلى جانبها المدن الأوكرانية المدمّرة حديثاً». فالراوي السوري الذي تطلع من داخله أصوات ضحايا بلدته داريا وبلاده سوريا، تترامى إليه أصوات ضحايا بفورتسهايم الألمانية من التل المجاور للمنتجع. وبذلك، يكون تسلّق التل مع الروائية ليليان نوعاً من المواجهة للأحداث لعلها تفضي به إلى الشفاء في نهاية الأمر.
كوابيس غرائبية
غير أن للروائي مشيئة أخرى، وللأحداث مجرى آخر. فهو، ما إن يبدو أنه يتماثل للشفاء ويغادر المنتجع، حتى تهاجمه الكوابيس، على أنواعها، المختلفة باختلاف المكان الذي يوجد فيها؛ ففي الغابة، يرى خيالات شبحية، وأشجاراً عملاقة، ووجوهاً مجعّدة على الجذوع، وعيوناً نارية، وجثثاً متحرّكة. وفي الشقة، يرى النباتات تغطي الجدران والسقف، والشخصيات تتحرك داخل الصور وهو يتحرك معها، ويرى تمثالين حجريين يمارسان الجنس الحجري، وامرأة خنثى تسقط من غمامة. وفي السيارة العجيبة، تتحول ألفريدا إلى فرس، ومن ثم إلى سمكة. وفي الحي، يرى بنات يحملن الاسم نفسه والملامح ذاتها ويزعمن أنهن بناته، ونساء يتشابهن زاعمات أنهن صديقاته، ورجالاً نسخاً بعضهم عن بعض على شرفات البيوت زاعمين أنهم جيرانه. ويكون آخر الكوابيس في بلاده حين تطلّ نسخ كثيرة منه على البلدات السورية من علٍ، ليجد أنّها قد فرغت من سكانها، وليطرح سؤاله الاتهامي الذي تُختتم به الرواية: «من فرّغ البلاد من أناسها؟ فراغ، خواء، لا زمان ولا مكان.. عدم» ما يشكّل مضبطة اتهام للنظام الحاكم. فهل يُعتبَر سؤاله بداية جديدة ينتقل فيها من الغابة السوداء إلى الغابة المنيرة على حدّ تعبيره؟ ذلك ما نقرأه ما وراء السطور.
علاقات عابرة
ليست الأحداث وحدها هي التي تتمحور حول شخصية الراوي في الغابة السوداء. بل إن الشخصيات الروائية تتمحور حوله أيضاً، وتتعالق معه في علاقات قصيرة عابرة، وهي نادراً ما تنخرط في علاقات في ما بينها، ما يجعل وجودها الروائي مرهوناً بوجود الشخصية المحورية؛ وفي هذا السياق، نشير إلى أن علاقته بالقاضي العقاري بيتر تقتصر على الفترة التي ينجز فيها الأخير المهمة المكلّف بها، حتى إذا ما أنجزها ينقطع التواصل بينهما. وأن العلاقة بالروائية ليليان تتناول تعريفه إلى تاريخ المدينة وحركتها الثقافية، ودعوته إلى عشاء منزلي، واصطحابه في زيارة التل. وأن علاقته بالروائية أندريا المهووسة بالغرائبية الشرقية، تنتهي حين لا يستجيب لرغبتها في ممارسة الجنس في مكان عام رغم استجابتها لتحرّشه الجنسي بها. وأن العلاقة بالروائية الأخرى كورينا تنقطع حين ترفض تحرّشه بها وتعديه على حريتها الشخصية وحقها في أن تكون لا جنسية. وأن العلاقة بمواطنته علياء الأستاذة الجامعية المتديّنة اللاجئة بدورها إلى ألمانيا فتقتصر على زيارة تقوم بها مع ابنها إليه. أمّا العلاقة الأطول في هذه الشبكة العلائقية فهي تلك التي تربطه مع الثنائي الغرائبي مارك وألفريدا، تلك التي تبدأ لأسباب دينية تبشيرية، وتستمر بحكم الحاجة المتبادلة، وتتخلّلها سلوكيات غرائبية تصدر عن ألفريدا، وتنتهي بعودة الراوي الكابوسية إلى بلاده. ولعل هذا النوع من العلاقات العابرة ينسجم مع كون الطرف الثابت فيها لاجئاً ومريضاً نفسياًّ، وكل الأطراف الأخرى، باستثناء علياء، تنتمي إلى بيئة اجتماعية غربية لا تقيم للتواصل الاجتماعي الدائم كبير وزن، وهو ما ينطبق على جيران الراوي في شقة اللجوء أيضاً.
أسئلة الرواية
من خلال هذه الأحداث والشخصيات، يطرح مازن عرفه في روايته أسئلة الحرب واللجوء والعلاقة بين الشمال والجنوب والعنصرية الغربية والمثلية الجنسية، وسواها من الأسئلة المطروحة في اللحظة الروائية الراهنة. وهو من خلال طرحها، يرفض الحرب، وينحاز إلى الضحايا، ويحمّل النظام الحاكم مسؤولية تفريغ المدن والبلدات من أهلها، ويراهن على بدايات جديدة، ما يجعل روايته ليست مجرّد شهادة أدبية على مرحلة سوداء، بل نافدة مفتوحة على أخضر سيأتي ذات يوم، وبذلك، يكون في صلب رسالة الأدب.
كاتب لبناني