فيتوريو أهل غزة لا زالوا محاصرين: أقل من 24 ساعة في بلشاجو

حجم الخط
0

اشرف الشكعة(إلى روح فيتوريو اريغوني) ماذا أحاول أن أثبت لذاتي؟ ما هذا التطفل والإقحام الأقرب إلى الإبتذال. أنا الذي لم أحاول يوماً أن أكون حيث هو أحب أن يكون ويقاوم ويتصدى. بلشاجو على الخط الواصل بين زيورخ، حيث زرت صديقي فريد ضمرة الذي تجاوز أكثر من عقد من لجوئه السياسي غير الموفق، وساليرنو، جارة نابولي البرجوازية، حيث تنتظرني العائلة لقضاء العطلة الصيفية. إذا لا ضير من التعريج إلى بلشاجو، بلدة فيتوريو أريغوني، المناضل الإيطالي الذي قهرنا إغتياله في غزة، بعد أيام من اغتيال جوليانو خميس في مخيم جنين. صباح مقتل فيتوريو كتبت رسالة إلى إبني فيدريكو، الذي يحمل جينات فلسطينية وإيطالية، أحدثه عن جينات فيتوريو النضالية. تلك الرسالة التي وجدت طريقها إلى صفحات ‘القدس العربي’ وجدت نسختها الإيطالية – التي ترجمتها زوجتي جراتسيا طريقها إلى صفحات الـمانفيستو الإيطالية، صوت الحزب الشيوعي الإيطالي، والصحيفة التي كان يراسلها فيتوريو. تلك الرسالة أو المقالة بنسختها الإيطالية ذللت الكثير من التساؤلات التي لم يكن حاجز اللغة يتيح لي التعبير عنها بين مجتمع عائلتي الإيطالي. في وسط البلد في عمّان توجهت مع صديقي محمد السمهوري لشراء كوفية سمراء، كتلك التي إعتمر وأحب فيتوريو، كتب بعض الأصدقاء رسائل وعبارات إلى روحه. بعد التوقف لأيام في زيورخ كان الوداع خافتاً كالعادة في طقوسه لكنه أليم، أحس بعاطفة ومسؤولية أمام صديقي فريد، الذي إختار بصلابة أن يتحالف مع الموقف الإنساني من الحياة وتحمل الكلف الباهظة.

لا يغريني الريف السويسري الذي يطل من نافذة عربة القطار، رتابة تشبه رتابة رسم بياني. الجبل، جدول الماء المنحدر من القمم البيضاء، الكوخ الأنيق، حتى البقرة كلها معالم تقف بشكل مدروس حتى الملل. نظرات الكهول الجبليين السويسريين من رفاق السفر، توحي بأي شيء سوى الألفة. جاء مراقب التذاكر (كومسري أو كنترول) تبدو عليه ملامح شمال أفريقية. طلب التذكرة، وهذا حقه، طلب بطاقة هوية، وهذا ليس حقه، تفادياً للجدل ناولته جواز السفر، قلب الكومسري جواز السفر وتحقق من الفيزا (كل هذا ليس من اختصاصه أو حقه)، أرجع التذكرة وجواز السفر قائلاً ‘السلام عليكم’. جاوبت سلامه بنظرة امتعاض. العربي المجنس أوروبياً وصاحب الثقافة الهزيلة، غالباً ما يتلذذ بممارسة التصرفات العنصرية. مجرد مشاهدة واستنتاج، لا شيء مبني على دراسات أو إحصاءات.

رفاق القاطرة الكهول السويسريون تابعوا ما دار بيني وبين موظف مصلحة القطارات بأعناق ملتوية ونظرات تتسلل من تحت النظارات الطبية المتدلية حتى أسفل الأنف. على الأغلب أنهم من ناخبيي حزب الشعب السويسري اليميني، مرة أخرى مجرد إستنتاج، لا شيء موثق!

ترجل الكهول في آخر محطة على الحدود السويسرية الإيطالية، ما هذا التفاوت الطبيعي، العشوائية لم تقتصر على المباني بل الشجر بدا غجرياً، القاطرة في أقصى الشمال الإيطالي، لست في صقليا، لكن هناك حميمية يمتاز بها الإيطاليون، حتى بعض من تعرفت عليهم من أصحاب الميول اليمينية، لم يخترقني أحد بتلك النظرة الباردة الحادة. في ميلانو رائحة الاسبرسو كما يجب، الناس أكثر تآلفاً مع الحراك الإنساني وليس مع قوانين البلدية. أحب كمال مدينة زيورخ، ومع زياراتي المتكررة أصبحت أتقبل إيقاعها الذي كما يقول صديقي فريد ‘إيقاع لا يرقص أمثالنا’، لكن في المدن والبلدات الإيطالية كل شيء رحب ولين، من السهل التطبع بالثقافة الإيطالية الدارجة، من المستحيل أن تتطبع بالإيقاع السويسري!

كل هذا ليس مهماً، من المحطة الرئيسية إلى محطة أخرى تخدم وجهات محلية. القاطرة إسمها القاطرة الإقليمية، قاطرة غير مكيفة يمكن فتح نوافذها، مازلنا في حزيران، الطقس بديع. نزلت في محطة كوستا مازناجا بدلاً من بلشاجو. خطأ إرشادي من العاملين في نزل أريغوني. أقل من ساعة من الانتظار في محطة كوستا مازناجا تعرفت خلالها على المسافر المنتظر الوحيد في المحطة التي تصلح لتصوير مشهد لفلم يوثق لأربعينات القرن المنصرم. حدثني رفيق الانتظار بداية بالإيطالية، ملامحي قد توحي بأني جنوبي أو صقيلي، جاوبته بالإنجليزية، كنت متيقنا من ملامحه أنه مصري. تحدثنا عن الثورة، معنويات المصريين والعرب قد ارتفعت كثيراً في أروربا. بعض الأصدقاء الأوروبيين أشاروا من دون مناسبة وبنوع من الحرج ‘نحن أيضاً بحاجة إلى ثورة، لا بد أن تتحرك مجتمعاتنا ضد ‘الرأسمالية المتوحشة’. رفيق الانتظار المصري الذي طرد من عمله كمدرس في الإمارات لإنتمائه لجماعة الاخوان المسلمين يعمل في مجال أعمال التعمير. إستجوبني حول ميولي السياسية، لم يستوعب أن تكون فلسطينياً وساخطاً على فتح وحماس! أبدى إعجابه بقادة حماس وحدثني عن إدارته لحملات جمع التبرعات لصالح غزة في قريته المصرية. لا يغريه نمط الحياة الإيطالي، عائلته وأطفاله في مصر. يحب بعض الإيطاليين، كان في كوستا مازناجا لزيارة عائلة إيطالية ساعدته واحتضنته حين حط في هذا البلد الأوروبي. رفيق الإنتظار لم يتورع عن السؤال عن أبنائي وديانتهم وضرورة الحفاظ على التربية الإسلامية. إجاباتي كانت دبلوماسية وغير صادمة على غير العادة. تسامحت مع حشريته، أحببت روحه، أحب روح المصريين. ها أنا هنا، من حيث أتيت يا فيتوريو، بلدة أنيقة وناعسة في صلب الشمال الإيطالي، بالمعنى السياسي والاقتصادي والثقافي. وجهتي الأولى كانت نزل أريغوني (حدثتني حماتي عن عائلة أريغوني الكبيرة والممتدة، كان يتخصص أبناء العائلة في السابق بمهنة الجزارة على ذمتها). النزل حميم وعائلي، الجدة والطفلة والزوجة والأخ في بهو النزل، حيث غرفة الجلوس والطعام والمطبخ. الضيوف يمكنهم استخدام هذه المرافق العائلية وبالطبع غرفهم التي لا تتجاوز الـ 12 غرفة على ما أذكر.

تأبطت الكوفية ووضعت حقيبة كاميرا الفوتوغراف على كتفي ‘أين المقبرة؟’. النزل على حافة البلدة القديمة، الطرقات موغلة بجمالها، بالإستناد إلى إيطاليتي المتواضعة إستفسرت من سيدتين عن مكان المقبرة. من قال أن أهل الشمال الإيطالي عنصريون؟ البلدة التي لا يزيد سكانها عن 2500 نسمة لم يتوجس أهلها من حلول غريب بينهم. أخبرتني إحدى السيدتين أن الطريق إلى المقبرة – بعيدة بالنسبة لإحداثيات البلدة- واختتمت متمنية جولة جميلة ‘بيلا بسيجاتا.’مع كل خطوة كانت الرهبة الممزوجة بالخجل تنتابني، لماذا أنا هنا، هو يجب أن يكون هنا، بين أهله وأصدقائه. أعي تماماً أن مكانا ناعسا من هذا الطراز لا يلبي الجموح الثوري لـفيتوريو. سجالات أهل البلدة لن تشبع فكره اليساري. لكن هذه البلدة الناعسة قد أنبتت روحه الإنسانية. المقبرة وقورة بديعة، حديقة جميلة لفكرة الموت. لا أحب المقارنات والمفارقات. المقبرة التي يرقد فيها والدي في منطقة وادي السير على حافة عمّان، بديعة إطلالتها على الغرب حيث أحب والدي أن يعود ويكون، لكنها تصلح لدفن الشوك لا الأحبة. عشوائية وبذاءة. من يهمل قيم الحياة بالتأكيد سيهمل فكرة الموت. لا أثر ولا نصب لـفيتوريو في المقبرة، عدت إلى قلب البلدة، دخلت إلى متجر شامل، تحدثت مع الفتى الجزار. إرتبك كل من في المتجر، لغتي الإيطالية لا تسعفني ولا لغتهم الإنجليزية. اتصل الفتى الجزار بخطيبته التي حضرت بلسانها المتحدث بالإنجليزية بطلاقة. أبدى الفتى على الهاتف حماسته ‘هناك فلسطيني في بلدتنا لزيارة قبر فيتوريو’. هناك جمالية في الإيطاليين عندما يختلفون حول نقطة ويجادلون في شأنها. محصلة السجال والمكالمات، رماد فيتوريو لم يدفن بعد. في متنزه البلدة هناك شجرة زيتون غرست حيث سيقام نصب له. الرهبة والخجل يلازماني. في المتنزه حيث الملاعب وقاعة الجمنازيوم أقيمت مراسم جناز فيتوريو. حينها لم يصرح أي مسؤول إيطالي عن نضال أريغوني وإيمانه بالقضية الفلسطينية. عند المتنزه إقترح علي أحد المرتادين أن يأخذني إلى منزل والدي فيتوري. والدته عمدة البلدة ووالده يعاني من وضع صحي حرج. شكرته على المبادرة. ماذا بإمكاني أن أقول لوالديه، كيف أواجه فقدانهما. إعتذرت بامتنان. أمضيت ساعة من التأمل قرب غرس الزيتون في بلشاجو. أسدلت الكوفية على جذع الشجيرة. روحي المتألمة لم تكن بحجم إصرار ونضال وصلابة فيتوريو. الألم يحقق التوازن وشعورا بالرضا. الألم أمام الكفاح شعور ضئيل ومهزوز. خجلت لأنني في بلشاجو وليس في غزة. لا أعتقد أن روح فيتوريو إكترثت أو التفتت لصاحب الزيارة والكوفية المحملة بالرسائل. جولة أخيرة بين البيوت التي لعل أحدها حيث أمضى فيتوريو طفولته. مقهى وحيد في قلب البلدة. سيدة بملامح أقرب إلى الألمانية تدير المكان. عرفت سبب زيارتي، لم تكن معنية بالإسهاب في الحديث. توجهت مع الغروب إلى غرفتي. لم أستطع الكتابة، لم أستطع فعل أي شيء، كانت أنفاسي ثقيلة. في الصباح ودعت صاحب النزل، هو من أبناء عمومة فيتوريو، قدر وجودي بينهم. كان كسائر أهل البلدة يعرف فيتوريو جيداً. أبلغني أن سنوية رحيل فيتوريو ستستقطب الكثير من أصدقائه من أبناء اليسار والمؤمنين بعدالة قضية فلسطين. توجهت إلى متجر القرطاسية لشراء تذكرة القطار إلى ميلانو، صور فيتوريو وملصقات غزة في أكثر من واجهة. ودعت الفتى الجزار، الذي اشتكى من ضيق البلدة وفرصها بالنسبة للشباب، مررت بجانب مبنى البلدية، فكرت بزيارة والدة فيتوريو، لكني تراجعت حالاً. كلماتي عن الزيارة فيها كثير من الجزع والبلادة، بلادة حلت في صلب الإيقاع والنضال الفلسطيني. آخر تغريدة كتبها فيتوريو على ‘تويتر’ عبرت عن فرح لمحاكمة أبناء مبارك’. حتماً كان فيتوريو سعيداً بثورتي تونس ومصر. كان منهكاً أيضاً كما أسر للإصدقاء، أراد الإلتحاق بالإحتفالية الخاصة برحيل المناضل الصقيلي ببينو امبستاتو. أغارت اسرائيل على غزة، قرر تأجيل سفره لمتابعة مجريات الأحداث. فيتوريو، غزة وأهلها مازالوا محاصرين. فيتوريو، ‘جماهير’ رام الله لم تودع عباس وفياض في مكان خاص للنفايات السياسية.

فيتوريو، أهالي مخيمات لبنان وسوريا والأردن زحفوا إلى فلسطين يوم النكبة. في لبنان أوقفهم المغاوير، في الجولان تركهم جيش النظام لأهداف تتعلق بالمساومات. الأمر كان سهلاً للغاية، وصل بعضهم مجدل شمس وجال أحدهم يافا. في الأردن تلقى أولئك الحالمون ما يستحقون من بطش وتنكيل.

فيتوريو، بيرلسكوني لم يعد رئيساً لوزراء إيطاليا، لم يسقطه الشعب الإيطالي. ميركل وساركوزي لم يتحملا سخافته، وطالب الاتحاد الأوروبي بحكومة تكنوقراط.

فيتوريو، حماس مازالت غارقة في مساوماتها. حتى محاكمة قاتليك لم تخل من الغباء والبلادة السياسية. زعيم خلية الاغتيال متشدد إسلامي مخترق أمنيا من جهاز استخبارات موطنه. لم يكن أحد معني بفك خيوط علاقة الموساد وأجهزة الاستخبارات الصديقة بمقتلك ومقتل جوليانو خميس قبيل انطلاق مراكب أسطول الحرية التي أجهضت في الموانىء المتوسطية.

فيتوريو، مازال الفلاحون والصيادون في غزة ملاحقين برصاص القناصة الصهاينة.

فيتوريو، الكون يتآمر لإجهاض ثورة مصر. بوصلة مصر، ميدان التحرير، لن تخترق.

فيتوريو، هناك شباب جميلون مثلك أحبوا الحياة سيواصلون النضال.

فيتوريو، سلام على روحك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية