البندقية ـ «القدس العربي»: في فيلمه «فيراري»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية في دورته الثمانين (من 30 أغسطس/آب حتى 10 سبتمبر/أيلول) يركز المخرج الأمريكي مايكل مان على لحظة حاسمة في حياة إنزو فيراري صاحب إمبراطورية سيارات فيراري، الذي كرّس حياته لتطوير أداء سيارات السباق، والحفاظ على مكانتها التي تواجه تنافسا شرسا في مضمار السباق من سيارات مازاراتي.
يقدم لنا مان إينزو فيراري (آدم درايفر في أداء متقن) كرجل يخط المشيب رأسه، أثقل كاهله موت ابنه، ويقض مضجعه التنافس الحاد الذي تواجهه سياراته والضائقة المالية التي تواجه مصنعه الذي يواجه الإفلاس. المصنع المثقل بالديون وذكرى طفله الذي يزور قبره كل صباح هما ما يحركانه ويرسمان يومه في بلدة مودينا، مقر مصنعه، في خمسينيات القرن العشرين.
تواجه فيراري تنافسا شرسا من سيارات مازاراتي، ويبحث إنزو عن سبيل لتجنب الإفلاس، الحل الوحيد الذي تطرحه زوجته لورا (بنيلوبي كروز)، التي أثقل كاهلها موت ابنها الوحيد وخيانات إنزو المتكررة، هو التوسع في الشق التجاري للمصنع، بعيدا عن شق سباقات السيارات، وذلك بعقد شراكة مع شركة أخرى للسيارات مثل فورد الأمريكية أو فيات الإيطالية. ولكن إنزو لا يحبذ هذا الاقتراح ويود الحفاظ على اسم وتميز سياراته، دون أن تخضع لسيطرة شركة أخرى.

طاقم الفيلم في مهرجان البندقية
تتكالب المتاعب على إنزو من كل جانب، ونراه رجلا يرتدي نظاراته الشمسية دوما ليخفي إرهاقه الدائم وتفكيره الذي لا يتوقف في مأزقه المالي، حيث أنه لا يحتفظ بمفرده بأسهم الشركة وأصولها، بل يشرك زوجته بالنصف في أصول الشركة.
ووسط هذه المتاعب المادية يواجه إنزو هما آخر، وهو وجود وريث لإمبراطوريته هو ابنه الذي مرض مرضا عضالا ومات صغيرا، ولإنزو طفل صغير آخر من صديقته وحبيبته، ولكنه يخشى الاعتراف به أو بحبيبته (شايلين وودلي) حتى لا يواجه غضب زوجته المسيطرة على أسهم الشركة وأصولها. لا نرى في الفيلم إنزو المتفاخر بشبابه وثرائه ونسائه، بل نرى رجلا في منتصف العمر يواجه متاعب مالية وعائلية وعاطفية ترتسم خطوطها على وجهه. وليس الحال في مضمار السباق أفضل من المصنع، إذ يواجه سائقو فيراري وسياراته تنافسا شرسا من سائقي مازاراتي، الذين يهددون بالإطاحة بفيراري من صدارة سباقات السيارات، وتواجه سيارات فيراري حوادث متكررة في مضمار السباق، من بينها حادث مأساوي أودى بحياة العديد من الأشخاص، يركز مان على هذا الحادث كنقطة فاصلة في حياة فيراري. نرى السائقين قبل السباق يخطون رسائل الوداع لحبيباتهم، خشية وقوع مكروه دون وداع، ونرى الدماء والأشلاء التي تناثرت على الأرض بعد الحادث المروع.
هذا السباق، الذي راح ضحيته العديد من مشاهدي السباق الذين كانوا يصطفون على جانبي الطريق لتشجيع المتسابقين، هو سباق ميلا ميليا الشهير، السباق الذي يمتد لمسافات طويلة عبر إيطاليا، والذي كان إنزو يعول عليه لإنقاذ شركته من الإفلاس. وعلى الرغم من القتلى والتحطم المروع يتمكن سائقو فيراري من إحراز لقب السباق، ما يحيي الآمال في إنقاذ الشركة المثقلة بالديون. لا نرى إنزو فيراري كشخص مختال متفاخر قط، بل نراه رجلا يحاول باستماتة الحفاظ على مكانته وإرثه.. لا نرى حفلات فارهة ولا ليالي ماجنة، بل نرى رب أسرة، وأب يسعى لإيجاد سبيل للاعتراف بابنه من حبيبته، دون أن يواجه غضب زوجته. تجيد كروز لعب دور الأم الثكلى التي حولها فقد صغيرها والخيانات المتكررة لزوجها إلى امرأة غاضبة مريرة دائمة الألم، ولكنها على الرغم من حنقها الدائم على إنزو، الذي بلغ حد إطلاق الرصاص، تريد لاسم فيراري أن يزدهر ويستمر وللمصنع أن يتخطى الصعاب التي يواجهها.