القوانين الوضعية التي صنعها البشر لتنظيم ورسم ملامح المجتمعات المختلفة يجدها العديد مجحفة، ولذا لن يكون من الغريب وجود أفراد تكسر القواعد الجامدة أو تلتف حولها لإيجاد قدر كافٍ من الحرية التي تؤهِّلهم للتعبير عن أنفسهم بطريقة يجدونها مناسبة لميولهم الشخصية، حتى لو كان التعبير في شكل اقتراف جرائم.
على النقيض، القوانين الطبيعية لا يمكن كسرها؛ فهي ناموس كوني يسري على جميع المخلوقات، دون أدنى تمييز، بيد أن الإنسان بطبيعته المتمرِّدة استطاع ليس فقط الالتفاف حول قوانين الطبيعة، بل أيضا كسرها لحد بعيد، من خلال «العلوم» والاختراعات التي نراها في الوقت الحالي تتجلَّى في أفضل صورها بسبب وتيرتها المتسارعة، إلَّا أن العلماء يؤكِّدون أن ما نشهده من تقدُّم حاليا قد تعتبره الأجيال القادمة مجرَّد محاولات بدائية في طريق التقدُّم.
ويجب الأخذ في الحسبان أن العلوم الحديثة والاختراعات التي تذهل البشرية، لم يكن العلماء فقط هم من فكَّروا في اختراعها، ولعل القائمين على كتابة الأعمال الأدبية هم الطائفة المؤهلة لصنع الخيال؛ لأن أعمالهم بوجه عام أساسها الخيال، الذي يتبلور إلى واقع ملموس عند تحويله لعمل أدبي؛ إلَّا أنه ليس كل عمل أدبي مؤهَّلا لأن يتحوَّل إلى اختراع يضعه عالم في حيِّز التنفيذ. وكثيرا ما يتم نعت كاتب بأن له نظرة تستشرف المستقبل؛ فالكاتب ليس مُنجِّما أو متبصِّرا، بل إنه إنسان استطاع أن يعطي لعقله وأفكاره قدرا كافيا من الحرية، التي استطاعت بدورها أن تتجانس مع عالم الخيال وتجوب جنباته، للتنقيب عن حقائق خيالية قد تضاهي ما قد يحدث في المستقبل. ولعل من أهم الكتَّاب الذين استشرفوا المستقبل بطريقة مباشرة، وألهبوا عقول العلماء بأفكارهم، الكاتب الفرنسي جول فيرنJules Verne (1828-1905) الذي استطاع أن يحرر عقله وأفكاره ليتخيَّل ملامح العالم كما نعيشه الآن.
وعقيدة جول فيرن الثَّابتة في إبداعه الفكري والأدبي مصدرها مقولته الشهيرة «الحرِية تستحق أن ندفع ثمنها» وهذا بالفعل ما فعله طوال مسيرة حياته، فقد ولد في مدينة «نانت» Nante السَّاحلية بالقرب من باريس، وكان لحركة السفن في الميناء أثر كبير على وجدانه؛ حيث غذَّت فيه عشق الترحال والتوق للمغامرات، وانبلج ذلك في ما بعد في شكل امتلاكه يختا جاب به دولا عديدة. أمَّا في طفولته فقد شرع في السفر عبر خياله، إذ دأب على كتابة القصص القصيرة والأشعار عندما كان طالبا في مدرسة داخلية. وبعد تخرُّجه فيها، أرسله والده لدراسة القانون في باريس وألحقه بكلية الحقوق. لكن جول فيرن الذي استمتع بطعم الحرية في الترحال عبر دهاليز الخيال أبى أن تستعبده القوانين الوضعية، ولذلك تردد على الصالونات الأدبية في باريس. وبعد عام واحد، ألَّف مسرحية من فصل واحد تحت عنوان «القش المتكسِّر» التي تم عرضها على المسرح.
والغريب أن النقَّاد استخفوا برواياته واعتبروها مجرَّد مادة ترفيهية غير جديرة بالنقد والدراسة، على الرغم من نجاحها الجماهيري. وأسهمت الترجمة الرديئة لأعماله في ترسيخ تلك الفكرة السلبية، وبالتالي حُرِم من الجوائز والاحتفاء بأعماله في الدوائر الأدبية سواء على الساحة العالمية أو حتى المحلية.
وبعد أن تخرَّج في كلية الحقوق، رفض امتهان المحاماة، وارتضى لنفسه العمل سكرتيرا في مسرح حتى يتمكَّن من التأليف وعرض مسرحياته، لكن هذا العمل لم يدر عليه دخلا مرضيا، وكذلك لم تحقق أعماله نجاحا جماهيريا. لكن الفرصة واتته أخيرا بعد أن التقى بالمحرر والناشر «بيير- جول هتزل» Pierre-Jules Hetzel عام 1862، حينما كان يكتب رواية تنطوي على العديد من الحقائق العلمية، وبالفعل وجد فيرن تشجيعا من هتزل، الذي نشر له الرواية، تحت عنوان «خمسة أسابيع على متن بالون» وبعدها، توالت أعماله الأدبية التي تهتم بالمغامرات، ما أغرى هتزل أن يوقِّع معه تعاقدا بأن ينشر له رواية سنويا ينشر منها مقتطفات في مجلة «التعليم والترفيه» التي تصدرها دار النشر الخاصة به.
ومن أهم وأشهر الروايات التي كتبها جول فيرن وتلقى رواجا عالميا حتى الوقت الحاضر «حول العالم في ثمانين يوما» و»رحلة إلى مركز الأرض» و»عشرون ألف فرسخ تحت البحر» بالإضافة لروايات علمية أخرى أذهلت وأثارت دهشة القارئ الحديث بسبب وصفها للمستقبل بدقة، وكأنما كانت لديه آلة زمن أطل بها على الوقت الحاضر. وتميَّز جول فيرن بغزارة الإنتاج الأدبي وامتلاكه لرؤية علمية مستقبلية، فقد تحدَّث عن الغواصات والسفر الجوي والسفر للفضاء والهبوط على ظهر القمر واستكشاف البحار، وتحققت جميع تلك الأفكار كما تنبَّا بها تماما. أمَّا المفارقة الكبرى فكانت رفضه نشر رواية كتبها تحت عنوان «باريس في القرن العشرين» وفيها تنبّأ بوجود مركبات وقودها الغاز تجوب الشوارع، وكذلك وجود ناطحات سحاب وأنظمة نقل جماعي؛ والعجيب أن سبب الرفض أنه يكتب عن اختراعات من المستحيل حدوثها. لكن كل ما تنبَّأ به حدث بالفعل. ومن المثير للسخرية أن الرواية طبعت عام 1994 وبسببها اكتشف القارئ مدى عظمة عقل جول فيرن، الذي استطاع أن يخلِّص نفسه من قيود المجتمع والأفكار السائدة بكل ثبات وشجاعة؛ لقد استطاع أن يجد حريته. وكما استطاع خياله أن يتخطى حدود الزمان والمكان، استطاعت أيضا رواياته تخطِّى حدود الزمان؛ حيث إن إنتاجه الأدبي الغزير الذي لم يُنشر وهو لا يزال على قيد الحياة، نشر بعد أكثر من قرن. ويعد فيرن المؤسس الفعلي لجنس «أدب الخيال العلمي» برواياته التي تنبأت بالمستقبل بدقة متناهية، وهو أيضا ثاني أكثر كاتب تُتَرجم أعماله باستمرار بعد أجاثا كريستي، التي تحتل المركز الأول.
والغريب أن النقَّاد استخفوا برواياته واعتبروها مجرَّد مادة ترفيهية غير جديرة بالنقد والدراسة، على الرغم من نجاحها الجماهيري. وأسهمت الترجمة الرديئة لأعماله في ترسيخ تلك الفكرة السلبية، وبالتالي حُرِم من الجوائز والاحتفاء بأعماله في الدوائر الأدبية سواء على الساحة العالمية أو حتى المحلية. وكما كانت حياته زاخرة بالمفارقات، فإن ذلك انتقل أيضا لأعماله الأدبية التي وجدها أحد الباحثين في منتصف القرن العشرين تقريبا جديرة بالدراسة، وبعد ذلك الوقت احتفى بها النقَّاد وكذلك الدوائر الأدبية. فيما يبدو أن دقَّة فيرن في استشراف المستقبل قابلها اكتشاف عظمته أيضا في المستقبل ونشر أعماله أيضا في المستقبل؛ فهناك أعمال تم نشرها لأول مرة بعد 150 عاما بعد موته. وتكمن عظمة هذا الأديب في أن عزمه لم يهن ولم يتأثَّر بالاستخفاف بإنتاجه، بل ظل يكتب حتى وهو على فراش الموت.
لقد دفع جول فيرن ثمنا باهظا لحرية أفكاره، لكنه صاحب أكبر براءة اختراع للحرية التي تحققت بعد موته كما تحققت تماما جميع الاختراعات التي تنبَّأ بها.
كاتبة مصرية