فيروز القادمة من أرض سورية محتلة! ماذا تعرف ندين سلامة عن وصفي التل؟ وحمود شنتوت أمام الجدار

حجم الخط
1

قالت عليا قديح، مقدمة برنامج «ثقافات» في إذاعة «مونت كارلو الدولية» لضيفها الفنان التشكيلي السوري حمود شنتوت إنها لم تجد تأثيراً أو انعكاساً للحرب في بلده على أعماله، فأجاب: «مواضيعي شخصية جداً. أرسم ما أحبه، ما أعيشه؛ البيت، الناس الذين حولي. ما بحب ساوي شي عن الوجع، ليش حتى أرسم عن الدم والحرب والأشلاء، بحب ساوي شي مريح للناس، لعين المشاهد. لكن عملتُ عملاً واحداً عن الشهيد. تستنزفني الأعمال القاسية. الفن ليس بوستراً. هو مرآة للمجتمع، للكون، للشخص..».
لكن كيف تمرّ رصاصات الحرب فوق رأسه، عابراً ساحة في دمشق، (وهو غادر البلاد إثر ذلك كما قال في المقابلة) من دون أن تكون جزءاً من مجتمعه، وكونه، وشخصه؟! كيف تمرً القذائف من فوق مرسمه من دون أن تهزّ شعرة في لوحته!
يتابع الفنان: «الفن هو لتخليد شيء معين، لا لمواضيع عابرة. الموت والألم أشياء عابرة، المواضيع الإنسانية، التأمل، الجمال، الفرح، الطبيعة، أهم بكثير من موضوعات الألم».
تحار فعلاً كيف تشرح للفنان، الذي حاز شهادة عليا من فرنسا، ويقيم فيها منذ سنوات، أن الحرب والموت كانا الموضوع الأثير لأساطير خالدة، لأعمال مسرحية ولا أرقى، للفن التشكيلي، الشعر، الرواية.. كيف فعلتْ الحرب فعلها في نشوء مدارس أدبية وفنية، سواء في مواجهة الحرب، أو في الهروب منها. كيف ولدت أعظم الأعمال بسبب الحرب والموت والدمار.

في إمكان الجدار ألا يكون مجرد معاجين لونية، تفسّخات، وطحالب، وطبقات متراكمة. كان بإمكانه أن يحمل كل المعاني، أن يعكس كل التحولات التي مرّت بها البلاد في عشر سنوات. إن شاء أن يكون مخلصاً لمحيطه، لناسه، لعين المشاهد.

مع ذلك، لم نطالب الفنان مرة، عبر سنوات الحرب والثورة، أن يأخذ لوحته إلى مطرح أيديولوجي، ولا إلى أي مطرح أساساً. بإمكانه أن يبقى صامتاً واقفاً أمام الجدار ذي الطحالب يعيد رسمه إلى أبد الآبدين. لكن هذا الخلط النظري مستفز بعض الشيء: لا تريد للوحتك أن تتبدل، ولا تريد حتى لكلامك أن ينزلق إلى السياسة، وتطمح فوق ذلك لأن تظهر بمظهر المتسامي على موضوعات عابرة كالموت والدم والأشلاء!
من نافل القول إن أحداً لن يطالب رساماً بكيفيةِ ما لانعكاس الحرب في لوحته، ولعل شنتوت يعرف أكثر من غيره سيرة جدارية «جرنيكا» لوحة بيكاسو الشهيرة، التي رسمها في فرنسا عن القرية الإسبانية التي حملت اللوحة اسمها بعد مجزرة وحشية، فباتت من عيون إبداعات القرن العشرين، وقد رفض بيكاسو عودتها إلى إسبانيا في ظل الفاشية، فما بالك أن يعود هو ولوحاته ليحلّق «بأجنحة خفيفة» في ظل القاتل، كما فعل الفنان المتحدّر من بلد ارتكبت فيه أفظع مجزرة. ثم، وبالمناسبة؛ هل تساءلتَ مرة لماذا يحق لك وحدك أن تتمتع بحق العودة بأجنحة خفيفة فيما لا يحق لعدد كبير من زملائك! لماذا عليهم هم فقط أن يدفعوا هذا الثمن!
لن يطالب أحدٌ بمرور الحرب على اللوحة عنوةً، لكن كيف يحدث أن تمرّ عشر سنوات رهيبة، فيما الرسام واقف أمام ذات الجدار، من دون تعديل جوهري في العناصر! وقد كان بإمكان حائط الرسام الأثير أن يصبح رمزاً للاستبداد والقهر، بل الموت والدمار، كما حدث تماماً في البلاد التي لم يبق فيها جدار على حاله. ألمْ يحدث أن مرّ طفل وترك خربشة ما عن الحرية، عن السجن، الحب؟!
في إمكان الجدار ألا يكون مجرد معاجين لونية، تفسّخات، وطحالب، وطبقات متراكمة. كان بإمكانه أن يحمل كل المعاني، أن يعكس كل التحولات التي مرّت بها البلاد في عشر سنوات. إن شاء أن يكون مخلصاً لمحيطه، لناسه، لعين المشاهد.

لوحة للفنان السوري حمود شنتوت

لعبة الحرب

ما أعجب صحافة هذه الأيام!
يتوقع المرء أن للعبة الحرب والعداء أصولاً وقواعد، ولربما كان الكذب مفهوماً في تزوير أعداد القتلى أكثر من الهزل الذي نشهده في الصحافة والإعلام السعودي، ودأبه النيل من تركيا بكل الأساليب الممكنة، حتى وهي تحتفل بعيد ميلاد المغنية اللبنانية فيروز، فانظروا إلى أين يذهب هذا المقال المنشور على موقع «العربية نت». والمهزلة تبدأ من العنوان: «فيروز.. والدها يتحدّر من أرض سورية محتلة» و«مدينة سورية احتلها الأتراك أعطت فيروز للبنان والعرب».
جاء في الخبر: «تحتفل بمرور 85 سنة على ولادتها لأم لبنانية وأب ولد في مدينة ماردين في الجنوب الشرقي التركي، والموصوفة بأنها «أرض سورية محتلة» في كثير من التقارير».
ثم يمضي التقرير بعيداً في التاريخ ليقول إن «تركيا ضمّتها زمن زعيمها كمال أتاتورك بموجب معاهدة لوزان التي وقعتها في 1923 مع بريطانيا وفرنسا، المنتصرتين في الحرب العالمية الأولى، وهي اتفاقية أدت لاعتراف دولي بوراثة تركيا لما كان ولم يعد له وجود إلا في الكتب والمتاحف، أي الإمبراطورية العثمانية» إلى تفاصيل سياسية وتاريخية أخرى، وصولاً إلى القول «فيروز ولدت في لبنان بسبب مذابح ومجازر واضطهاد مارسته السلطة العثمانية على السريان في محافظة ماردين بشكل خاص، كما ضد الأشوريين والأرمن وغيرهم من الأقليات، فقضى ما مجموعه ربع مليون على أقل تقدير في تلك المنطقة بالذات، والباقي نزح إلى دول الجوار»! فهل هذا حقاً تقرير عن فيروز؟!
يشار هنا إلى أمرين؛ هل هذا الاستطراد التاريخي، فضلاً عن التوظيف السياسي، من أصول صناعة الخبر؟
ومن ثم هل يستطيع محررو القناة الممولة والموجهة سعودياً فعل الشيء نفسه كلما مرّ ذكر شخصية فلسطينية؟ هل يمكن مثلاً كلما مرّ اسم محمود درويش وغسان كنفاني وإدوارد سعيد وكمال بلاطة وسامية حلبي، وسواهم، الإشارة إلى قراهم الأصلية وكيف هجّروا منها وأي مستوطنات أقيمت مكانها؟
لا أحسب أن الصحافة قد وصلت من قبل إلى انحطاط عميم مثل هذا. انحطاط لم ينجُ منه إلا قلّة قليلة خارج لعبة المتحاربين.

فكّر بغيرك

كل فتاة بأبيها معجبة، هذا صحيح، مع أن خروقات هائلة قد تحدث في الضوء وفي الظل لما ذهبت إليه العرب في المثل المذكور، وهنالك أمثلة ليس فقط على عدم الإعجاب، بل وكذلك على مناهضة علنية شرسة لأفكار الآباء.
لا ندري إن كانت الممثلة الفلسطينية السورية ندين سلامة قد قرأت شيئاً، وهي تعلن إعجابها بكون والدها أحد المساهمين باغتيال رئيس الوزراء الأردني الراحل وصفي التل، عن الرجل الذي يحمل له ملايين الأردنيين محبة استثنائية. لا ندري إن راجعت تجربته، وإن كانت «منظمة أيلول الأسود» على حق في اغتيالها ذاك.

كل فتاة بأبيها معجبة، هذا صحيح، ولذلك بالضبط لا بدّ من التفكير بأن للأخريات آباء، وقد يحدث أن يكنّ معجبات بآبائهن كذلك.

نكتفي هنا بهذا التساؤل، مع أن أشياء كثيرة تستحق التوقف في مقابلتها مع المذيعة رابعة الزيات، من بينها حديثها عن مكرمة بشار الأسد بمنحها الجنسية السورية، وتغنّيها بالحقوق الممنوحة لها في سوريا، وتقصد حق امتلاك بيت وسيارة (تعالي إلى أوروبا لتري أن هذا الأشياء حقوق طبيعية لا مكرمات، للاجئ والمهاجر كما للمواطن)!
كل فتاة بأبيها معجبة، هذا صحيح، ولذلك بالضبط لا بدّ من التفكير بأن للأخريات آباء، وقد يحدث أن يكنّ معجبات بآبائهن كذلك.

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية