في رائعة محمود درويش ‘بيروت’ التي تلاها عام 1981 لأول مرة في مجمع قلعة الشقيف الشعري بجنوب لبنان بحضور عدد من الشعراء الكبار مثل، سعدي يوسف وأمل دنقل وخالد أبو خالد، تحدث عن غول الطائفية المنطلق من عقاله في لبنان آنذاك ليتوج نفسه ملكا على كل البلاد وكل الطوائف فوصفه درويش بأنه ‘ملك هو الملك الجديد’. غير أن درويش حرص على أن يخرج فيروز وصوتها من المعادلة الطائفية التي كانت تؤدي إلى الانتحار الجماعي والقتل المجاني بين الإخوة الأعداء حتى لو اختلفوا على تعريف الأنوثة فقال: ‘وصوت فيروز الموزع بالتساوي بين طائفتين يرشدنا إلى ما يجعل الأعداء عائلة’
إذن ما انطبق على الشعب اللبناني بشكل عام استثنت منه فيروز، وما قد يوصف به أي فنان لا ينسحب على فيروز، وما يجوز من نعوت وأوصاف ومدائح وأذكار وانتقادات وتجريحات وأوراد وأناشيد لقيادات وزعماء لا يشمل فيروز. فيروز أسمى من الإطراء وأعلى شأنا من أن يدبج فيها مديح لا تحتاجه، أو أن يكتب صحافي فيها مقالا مدحا أو ذما. إنها فوق كل هذا وذاك. إنها خيمة تجمع تحتها كل بسطاء العالم العربي… إنها نجمة تضيء على كل الناس. صوت نملكه جميعا ونحضنه وننام على رخامته المخملية ونصحو على ذبذباته الرقيقة ‘كزهر اللوز أو أبعد’ ونهديه لحبيباتنا وأمهاتنا في نفس الوقت. لا يجوز أن تجيّر فيروز وفنها الراقي لا لزعيم ولا لقائد ولا لسياسي أو غير سياسي ولا لمقاوم أو ممانع ولا لمنبطح ولا لإرهابي. إنها فوق الجميع وملك للجميع ونقطة لقاء وتوحيد لكل الشعوب لا نقطة فرقة وخلاف.
خطأ زياد المزدوج
في قول زياد ما يسيء لزياد أكثر مما يسيء لفيروز. يقول بالحرف: إن والدته فيروز معجبة بالسيد حسن نصر الله. ويضيف وهذا بيت القصيد ‘مع العلم أنها ستعتب عليّ مثلما فعلت في المرة الماضية عندما ظهرتُ في مقابلة تلفزيزنية وكشفتُ عن بعض الأمور الخاصة وقاطعتني حينها’، أي أنه يعرف سلفا أنها ستنزعج من هذا الكشف ولم يأبه بهذا الانزعاج من جهة، ومن جهة أخرى أثبت أنه غير مفوض للإدلاء بهذا التصريح.
الخطأ الثاني في رأينا أن التوقيت في إطلاق مثل هذا التصريح يخدم زياد وتوجهاته السياسية ولا يخدم السيدة فيروز، بل ويعطينا هذا التصريح فرصة أن ننتقد زياد الذي يبدو أن شعبيته نضبت، ربما لأسباب سياسية أو لأسباب فنية أو لكليهما فاتكأ على المخزون العالي لشعبية والدته وغرف منه حفنة لنفسه مستغلا علاقة الأم بالولد ليذكر الناس بمواهبه هو ومواقعه وتحالفاته الذي هو حر فيها وليس من حقنا أن نعترض على توجهاته وانتماءاته السياسية. لقد استطاعت السيدة فيروز لنحو 60 سنة من الفن الراقي أن تنأى بنفسها عن الخلافات العربية العربية، والخلافات اللبنانية اللبناية وباعدت نفسها عن كل الزعماء والقادة، رغم محاولات البعض الدؤوبة لضمها إلى حاشيته أو مجموعة مداحيه. غنت للأوطان جميعها وللجبال والأنهار والمدن العربية. غنت ليافا وبيسان وزهرة المدائن وشوارعها العتيقة وغنت للشام ومكة والاسكندرية وبغداد وتونس وعمان وغيرها، ولم تمنح صوتها لأي شخص كان. ولهذا ظلت علامة مميزة لا تقارن بأحد ولا يقترب من عرشها المتربع قرب النجوم أحد.
نأت بنفسها عن الخلافات التي مزقت لبنان أيام الحرب الأهلية (1975- 1990) ولم يسمع منها كلمة واحدة يمكن أن تفسرعلى أنها تؤيد أحداً ضد الآخر، بل جمعت كل لبنان خلفها عندما أطلقت رائعتها عن لبنان الكرامة والشعب العنيد صائحة ‘بحبك يا لبنان يا وطني بحبك بشمالك بجنوبك بسهلك بحبك’. كما استطاعت أن تنأى بنفسها عن الفصائل الفلسطينية أثناء وجودها المختلف عليه في لبنان بين 1968 و1982 ولم يذكر عنها أنها انحازت لفصيل أو مجموعة أو جرمت فصيلا أو مجموعة، بل جمعت كل الفلسطينيين خلفها عندما غنت لفلسطين ومدن فلسطين. ونأت بنفسها عن الوجود السوري الثقيل في لبنان منذ استنجد الرئيس إلياس سركيس عام 1976 بالقوات السورية لسحق التحالف الفلسطيني اللبناني ضد الانعزاليين، إلى أن اضطر النظام السوري سحب قواته من لبنان عام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري. لم يصدر عنها زفرة تذمر أو تنهيدة ترحيب واحدة، بل استطاعت أن توحد الشعب السوري خلفها عندما غنت لجبل الشيخ ومال الشام و’شام يا ذا السيف لم يغب يا كلام المجد في الكتب’، و’قرأت مجدك في قلبي وفي الكتب شآم ما المجد أنت المجد لم يغب’. ونأت بنفسها عن أي موقف من كافة الاغتيالات السياسية التي خطفت العديد من قيادات لبنان من كافة الطوائف والتوجهات، مدنيين وعسكريين وصحافيين ورؤساء ورؤساء وزارات ومقاومين أبطال وأمناء عامين وكتابا ومبدعين وصولا إلى مفتي الجمهورية.
السيد حسن نصر الله وتوقيت المديح
لو أن فيروز أطلقت تصريحا يمجد سيد المقاومة عام 2000 بعد انتصاراته في تحرير الجنوب عندما كان يتلقى المديح من كافة أنحاء العالمين العربي والإسلامي، لاستهجنا ذلك في البداية لخروجه عن المألوف لكن سنجد لها المبرر. ولو أنها أطلقت تصريح الإعجاب هذا عام 2006 عندما أصبح السيد أكثر شخصية محبوبة في العالم العربي من دون منازع، لدرجة أن بعض الزعماء بدأوا يتمسحون به ويحاولون أن يسرقوا شيئا من انتصاراته، لاستغربنا قليلا ثم وجدنا لها ألف مبرر. ولو أنها أطلقت هذا التصريح عام 2008 بعد إطلاق الرهائن، خاصة سمير قنطار حيث وصل السيد قمة شعبيته التي لا ينتطح فيها عنزان، لتساءلنا عن أسباب الخروج عن الصمت ثم طرحنا تبريراتنا سواء كانت مقنعة أو غير مقنعة. أما أن يطلق هذا التصريح في هذا الوقت بالذات فهو ما نستغربه ويصعب علينا تفسيره أو تقبله. لكننا نعود ونكرر أن التصريح قيل على لسانها ولم نسمعه منها مباشرة كي نتأكد. ولأنها دائما تلوذ بالصمت فلا تعقد مؤتمرات صحافية ولا تجري مقابلات ولا أحاديث ولا تحل ضيفة على برنامج مشهور أو غير مشهور ظلت فيروز فوق الخلافات وقاسما مشتركا بيننا جميعا نختلف ربما على كل شيء إلا على موقعها في القلوب الذي لا يشاركها فيه أحد.
فيروز صنف آخر لا يجوز أن تقارن بفنان آخر. ولا يليق بفنها أن يستغل إلا لقضايا الأوطان. يحق لأصالة أو دريد لحام أو جمال سليمان أو راغب علامة أو عادل إمام أو يسرا أو أي فنان أو فنانة أن يأخذ موقفا من أية قضية خلافية في سوريا أو مصر أو ليبيا أو اليمن أو البحرين، إلا فيروز فلا نتوقع منها ذلك لأنها عودتنا على صمتها وهدوئها وحياديتها ورزانتها. فلماذا يأتي أي إنسان حتى لو كان ابنها و’يبعزق’ هذا التراث؟
هل يجوز أن تصبح فيروز موضوعا لمقال جارح من كاتب لبناني أو مقال دفاعي من كاتب فلسطيني؟ كلاهما في رأيي خاطئ لأنها فوق كل هذه الخلافات التي نعيشها نحن يوميا لكنها تنزهت عنها منذ أكثر من نصف قرن حتى لا تغضب أحدا ولا تتنصر لأحد ولا تختلف مع أحد.
هل من حقها أن تعجب بحسن نصر الله أو بغيره؟ نعم من حقها ولكن يبقى ذلك موضوعا بينها وبين نفسها وليس من حق أحد أن يعتدي على خصوصيتها ويكشف مكنونات دواخلها ويأخذ شيئا منه لصالح شخص آخر مهما كان مقامه، خاصة الآن في ظل الانقسام الحاد الذي سببته الثورة السورية. هذا الانقسام الطولي والعرضي شمل كل الوطن العربي بين من يرى في الثورة السورية صرخة كرامة أطلقها شعب مقهور يئن تحت دكتاتورية عضوضة لأكثر من 40 سنة، وبين من رأى أنها مؤامرة على آخر قلاع المقاومة والممانعة. اختلفت الدول والأحزاب والطوائف والجماعات والعائلات والإخوة بين ذينك الموقفين. ومن يعتقد أن الإجماع الذي كان يحظى به السيد نصر الله قبل ثورة سوريا هو نفسه بعد الثورة هو مخطئ لا محالة. ومن يعتقد أن انغماس حزب الله لأكواعه في مجريات الحرب في سوريا سيلقى نفس التأييد عندما كان يسطر البطولات في جنوب لبنان ضد عدو الأمة التاريخي فهو مخطئ أيضا ومن يعتقد أن ذيول الصراع في سوريا وانعكاساتها على لبنان واصطفاف القوى اللبنانبة من تلك الحرب لن يؤثر على الأحزاب وقياداتها ومواقعها وشعبيتها فهو مخطئ كذلك. لذلك كان على السيد زياد أن ينأى بالسيدة فيروز عن كل هذه الفوضى غير الخلاقة والتي لا تليق بمقام آخرعمالقة الفن الرفيع.
نود أن نردد ما ذكره السيد وليد جنبلاط تعليقا على الموقف قائلا: ‘فيروز أكبر من أن تقدم لها سهام الانتقاد وفي الوقت ذاته أكبر من أن تصنف لحساب هذا الفريق السياسي أو ذاك’. ونود كذلك أن نذكر بأن الفن الرفيع هو الذي يعكس هموم الشعوب ويحيي أمجادها. يرفع الوطن عاليا ويغني للجبال والسهول والمدن. يغني للزيتون والأرز والنخل والصفصاف والياسمين والعنب والصنوبر، ولا يمدح الأفراد الأحياء معهما علوا ومهما أنجزوا فقد يتغيرون. ألم يكن هذا الدرس الذي تعلمناه من فيروز؟ نريد فيروز أن تبقى فوق الخلافات وأعلى من السياسة وأرق من الغمام وأحلى من ضوء القمر، كما وصفها وأحسن وصفها الشاعر صالح بن سعيد الزهراني في رائعته ‘فيروز لحن فم الدنيا’ حيث يقول:
أتيتِ بُـشرى صفاءُ الحب ينشرها
غمامة في نداها يغرق الشجرُ
وجها غلالته طهر وسحنته
شِعر وفي مقلتيه يبحر السحرُ
أطال الله في عمر فيروز وحماها من كل شر وأنعم عليها الصحة وهدوء البال فهي ملك لنا جميعا ولا يستطيع أحد مهما كان أن يشوه صورة أيقونة الفن الرفيع، التي لا يجود الزمان بمثلها فليس من العدل أن يتم إقحامها في دائرة العبث القاتل الذي تعيشه بلادنا في صراع رباعي الأبعاد، بين طغاة قاهرين وشعوب مقهورة وجماعات تكفيرية مسلحة بأيديولوجية الموت وقوى خارجية تصب مزيدا من الملح في الجرح ولا تريد لبلادنا الخير أو التعافي أو النهوض.
‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك