يقطن العالم حاليا في نفق فترة انتقالية معتمة مستهلها ظهور فيروس كورونا، الذي كان بمثابة السبيل الوحيد لإقحام المنظومة الرقمية قسرا في جميع مناحي الحياة اليومية. فخلال فترة الحجر الصحي التي فُرضت على سكَّان العالم أثناء الجائحة، تعلَّمت وتدرَّبت الشعوب الاعتماد على الرقميات وكيفية وضع نفسها طواعية تحت طائلتها.
وبداية انتصار المنظومة الرقمية، كانت بعد فكّ الحجر الصحي العالمي بفترة وجيزة، والتي فيها تمّ طرح الذكاء الاصطناعي كعملاق قادر على تحويل البشر إلى أتباع خاضعين؛ لعدم قدرتهم على مماراة ما يسجله الذكاء الاصطناعي من انتصارات يومية على العقل البشري. وبداية تعريف العالم بمنظومة الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر هي طرح نظام «تشات جي بي تي» ChatGPT تجاريا، الذي استطاع أن يستقطب أكثر من مليوني مستخدم بعد نحو أسبوع واحد فقط من طرحه، بل توالت إصداراته وتحديثاته، إلى أن وصل للجيل الرابع بعد طرحه بشهرين فقط.
ونظام «تشات جي بي تي» هو عبارة عن نقلة نوعية مفاجئة وصادمة للبشرية، استطاع بها الذكاء الاصطناعي أن يحرر نفسه من القيود التي فرضها عليه مطوروه. وفي وقت وجيز، أصبح الذكاء الاصطناعي التجاري بمثابة تهديد لنحو 80% من الوظائف التي يعتلي عرشها الإنسان، بما في ذلك الوظائف المرموقة. وكانت بداية الغيث قطاع التسويق الذي يشتغل فيه أكثر من نصف سكَّان الكوكب. ومن المنتظر أن يتوالى إحلال الوظائف تباعا وبصورة متسارعة، ولا عجب؛ فقد اعتمد الكثير من المحطَّات الإخبارية على مقدمي برامج نسجها الذكاء الاصطناعي للمُشاهد.
ومن المفاجآت، كان اختراق الذكاء الاصطناعي مجال الطب النفسي؛ وهو ذاك الفرع من المعرفة القادر على السيطرة على العقل البشري، وإعادة برمجته، ما يعني أن تلك البرامج في المستقبل سوف تصنع بشرا وفق أهوائها. أما تغلغله في مجال الصناعات الدوائية، فهو بالفعل جدير بالملاحظة، فقد استطاع الذكاء الاصطناعي اكتشاف مضاد حيوي له القدرة على الفتك بنوع خارق من البكتيريا، بعد أن قام العلماء بتغذيته بجميع المعلومات والخصائص الكيميائية لعقارات مستخدمة للحد من أو تثبيط هذا النوع من البكتريا. ودون استغراق وقت طويل وبتوفير نفقات التجارب المعملية التي قد تصل إلى 250 تجربة قد تستغرق شهورا طويلة أو سنوات، استطاع الذكاء الاصطناعي أن يزيح الستار عن ثلاثة أنواع من المضادات الحيوية التي لها القدرة على القضاء على خمسة وثلاثين نوعا من البكتيريا الفتَّاكة التي قد تُهاجم الإنسان. وقد لاقت الفكرة استحسانا كبيرا لدى المشتغلين بالصناعات الدوائية في الولايات المتحدة وكندا، واعتبروا هذا الاكتشاف خطوة مهمة لتسريع الحصول على عَقَارات دوائية فعَّالة عند الحاجة لها، أو حتى عند اتخاذها كإجراء وقائي.
يجب عدم الارتكان كليا على الذكاء الاصطناعي، بل يجب محاولة الخروج من فلكه، بأن يمتلك الفرد إرادة تجعله قادرا على أن يمسك بتلابيب المعارف حتى يصير دوما قويا مهيمنا، بدلا من أن يتحوَّل يوما إلى رهين لآلات تتحكَّم في مصيره
وتغلغل الذكاء الاصطناعي لن يقف عند هذا الحدّ، فسوف يصير القاضي الذي يفصل بين المتنازعين، والطبيب المُعالج، والسائق، والمعلِّم، والشاعر والمطرب والموسيقِي، إلى غير ذلك من المجالات الحيوية والإبداعية التي تمثِّل الأسس في حياة الأمم. ووفقا لما يسطره ميشيل فوكو في كتابه «الجنون والحضارة: تاريخ الجنون في عصر العقل،» فإن التغيُّرات التي تصاحب التطوُّر الحضاري والتكنولوجي تلقي ظلالها سلبا وإيجابا على الإنسان وتغيِّره كليا عما كان عليه منذ بضعة قرون. ومن أهم سلبيات العالم الجديد الذي قوامه الذكاء الاصطناعي غياب «مبدأ الشفافية»؛ ففي عالمنا شديد التقدُّم صار السؤال عن سبب وجدوى تلك المنظومة الجديدة، التي تصحبها تغييرات أخرى اجتماعية حتمية، سؤالا يحتار الجميع في الإجابة عنه، على الرغم من وجود قوى تدفع شكل الحياة الحديثة دفعا. وبغضَّ النظر عن إحلال العديد من الوظائف بنظم الذكاء الاصطناعي؛ لحتمية استحداث وظائف أخرى في المقابل، لكن منظومة الذكاء الاصطناعي الجديد سوف تخلق نوعا جديدا من الانحيازات والتفرقة القائمة على أسس اجتماعية أو سياسية. فمن المنتظر أن يتلقَّى البشر تدريبات وتتاح لهم خوارزميات تحديث متباينة، مما يضمن تفوُّق شريحة عن أخرى. وبالتالي، سوف تغيب منظومة العدالة بلا رجعة، وخاصة بعد غياب الخصوصية؛ فجميع النظم تجمع أدقّ المعلومات عن الجميع ومن الصعب حماية البشر من تبعات ذلك.
ولن يقف الأمر عند هذا الحدّ، فمنظومة الأخلاق بوجه عام مهددة؛ فالنظم التكنولوجية الجديدة استحدثت منظومة أخلاقية مغلوطة القيم أساسها الإباحة والهجوم الشرس غير المبرر، ولو حتى على الأبرياء. والشيء نفسه ينطبق على منظومة الأمن والأمان، التي تتلاعب بها العقول الإجرامية التي تتلذذ بالقرصنة واختراق أي نقاط ضعف يتم اكتشافها في المنظومة الرقمية. وعلى هذا، بات التساؤل الجوهري الذي حاول أن يجيب عنه الفيلسوف ميشيل فوكو، ومن الواجب أيضا أن تجيب عليه أجيال هذا الزمان، هو: «من نحن؟»
فالقوَّة والمعرفة هما العاملان اللذان يشكِّلان حياة البشرية، لما لهما من عظيم التأثير على البشر وأفكارهم وتصرُّفاتهم. ومن الجدير بالذكر أن هذين العاملين مترابطان. فالقوَّة تهيمن على الفرد والمجتمع. ومن جراء ذلك، تغيَّرت جميع المفاهيم والقواعد القديمة، وصارت الجديدة منها تسير وفق أهواء السلطة المهيمنة، التي في طريقها لتحقيق منظومات مختلفة، حرمت الإنسان من العفوية، فأصبح البشر أسرى جدران عتيدة، بدلا من التمتع بالتقُّدم والازدهار الذي كان من المفترض أن يحسِّن وجودهم داخل المجتمع. وعلى الرغم من أن ما سطره فوكو من نقد للمجتمع كان في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، فإن الوضع ينطبق تماما على الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي بدلا من أن يعمل على تحسُّن حال ووضع الإنسان داخل المجتمع، صار وسيلة تهديد تعمل على سَجن أفراد المجتمع وراء جدران سميكة من العزلة، وهو وضع حتمي ولا يعترف بالاختلاف؛ فكلّ من تسوِّل له نفسه ويشذّ عن القاعدة برفضه قبول العبودية للذكاء الاصطناعي، لسوف يوسم بأنه فقد عقله. وبهذا سوف يشدد على وجوب عزله، كما لو كان معتوها يتم الزجّ به في سفينة المعاتيه ليعيش مهمشا منبوذا.
حقا، «المعرفة قوَّة» لكن يجب عدم الارتكان كليا على الذكاء الاصطناعي، بل يجب محاولة الخروج من فلكه، بأن يمتلك الفرد إرادة تجعله قادرا على أن يمسك بتلابيب المعارف حتى يصير دوما قويا مهيمنا، بدلا من أن يتحوَّل يوما إلى رهين لآلات تتحكَّم في مصيره؛ والسبب في هذا الوضع المُشين هو التخاذل والكسل والرغبة في الحصول على معلومات بطريقة سهلة، دون أن ينمِّي الإنسان القدرة على التحقيق والتدقيق، وإعادة معالجتها في عقله للاستفادة منها في ما بعد، أو لإضافة المزيد من التطوُّر.
كاتبة مصرية