أدى انتشار فيروس كورونا إلى كثير من ردود الفعل على المستوى الثقافي والفكري، خاصة في ما يتعلق بطابعه العالمي: الفيروس الذي ظهر في الصين البعيدة، صار مشكلة محلية للعديد من البلدان، على اختلاف ثقافاتها وطبيعة أنظمتها السياسية. وبالتالي يطرح «كورونا» ثقافياً وسياسياً سؤال العولمة مجدداً.
بالنسبة لعديدين يعيد هذا الاعتبار لأهمية فكرة الحدود القومية، فالانفتاح، حسبهم، يصيب المناعة المحلية بعدوى وبائية، تؤدي لتفكك اجتماعي وثقافي، وانهيار اقتصادي، ومع كورونا اكتسبت هذه «العدوى» معناها الحرفي. يؤكد آخرون أن تصاعد المشاكل ذات الطابع العالمي، التي لا تقتصر على الفيروس الجديد، بل تشمل أيضاً قضايا البيئة وأزمات اللجوء والانهيارات المالية، يتطلب إيجاد حلول عالمية، أي المزيد من الانفتاح وتقييد سيادة الحكومات المحلية، وتجاوز التفكير بمنطق الدولة الوطنية.
يطرح كورونا أيضاً قضايا ثقافية وسياسية أخرى: يبدو التمسك بالمساحة الخاصة للفردانية أسلوباً ممتازاً للوقاية من العدوى. اللقاءات في المساحات العامة، تصبح أكثر خطورة، وحول العالم تُلغى أنشطة ومناسبات ذات طابع اجتماعي مهم: عروض مسرحية، مهرجانات شعبية، أعياد دينية، إلخ. تترافق دعوات العالمية إذن بمزيد من النزوع للتقوقع الفردي، بما يلازمه من رقابة وتحكم ذاتيين، وهي سمة أساسية في الأيديولوجيا الليبرالية المعاصرة.
من جانب آخر فإن تقنيات العزل والرقابة والحجر، الضرورية لمواجهة الأوبئة، تعيد الحيوية للمؤسسات الانضباطية التقليدية. إشادة منظمة الصحة العالمية بالإجراءات الصينية شديدة القسوة في التعامل مع الوباء، وإمكانية قيام العديد من الدول باستلهام هذا النوع من الإجراءات، قد يعطي للعالمية، التي يأمل كثيرون بها، طابعاً سلطوياً قوياً.
هذه الأسئلة تجعل وعود الخلاص، التي تحملها النزعة للعالمية إشكالية إلى حد كبير، في حين لا يبدو الميل الوطني الشعبوي انعزالياً، للدرجة التي يظنها بعض اليساريين، فالآليات العالمية الأكثر فعالية تعتمد دائماً على دول وحكومات قوية، وضبط معين للحدود، وتقسيم للعمل على الصعيد العالمي، لا تؤمنه فعلياً إلا الدول الوطنية. فهل النزعة الوطنية الشعبوية هي الأنسب بالفعل للعولمة، خاصة في أوقات الأزمات الكبرى؟ وهل تحمل الدعوات لـ«العالمية»، التي يطرحها بعض المفكرين اليساريين والتقدميين، إمكانات تحررية فعلية؟
العدوى الحميدة
يؤكد الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك أن انتشار فيروس «كورونا»، يطلق العنان لتعميم كثير من الأوبئة السلبية، مثل العنصرية وعزل الأعداء وتصليب الحدود القومية، ولكنه فرصة أيضاً لانتشار عدوى أيديولوجية حميدة: التفكير بمجتمع بديل على أسس التضامن العالمي. كورونا يوجه ضربة للنظام الرأسمالي نفسه، فالتصدي للتهديدات المعولمة بطبعها لا يمكن أن يُترك لضرورات الأسواق، ومحدودية الحكومات المحلية، بل يطرح الحاجة لإجراءات أكثر فعالية، مثل إنشاء نظام رعاية صحية دولي، وإيجاد آليات للتحكم بالاقتصاد العالمي، خاصة في أوقات الأزمة. ما يعيد الاعتبار للمبدأ الشيوعي، ليس بمعناه القديم، ولكن بمعنى إيجاد أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي على مستوى كوني.
يمكن توجيه نقد أولي لطرح جيجيك، يتمثل في إغفاله التفكير بالآليات التي ستنتج مشروعاً عالمياً بهذه الضخامة، وطبيعة القوى الاجتماعية التي يجب أن تحمله، بالإضافة لذلك يبدو التعويل على إمكانيات العقلانية الإنسانية مبالغاً به ضمن هذا المنظور. الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية لا تنبني دوماً على التوازن والاتساق التامين، فحالة التأزم الدائم ملازمة للشرط الإنساني تاريخياً، وكثيراً ما فشلت البشرية في التصدي للأزمات الملحة التي تواجهها، ما يؤدي لانهيار منظومات معينة وبروز أخرى، لا تكون أفضل أو أسوأ بالضرورة. دعك من أن التغيير الجذري لا يأتي عادةً عن طريق وعي صحيح، ينوّر أذهان البشر بشكل مفاجئ، بل محصلةً لصراعات طويلة، وتصادم مشاريع فئات اجتماعية متنازعة. اليوتوبيا العالمية، التي يدعو إليها جيجيك، لا تبدو بهذا المعنى أكثر من دعوة خلاصية.
إلى جانب اليوتوبيا التي يبشر بها، ينذرنا جيجيك دائما بتصورات ديستوبية، قد تواجه البشرية في حال لم تهتد إلى الوعي اللازم، أو لم تجد «قادة حقيقيين» يوجهونها إلى الطريق الصحيح: صور المدن المغلقة، والعزلة المفروضة على البشر، التي تأتينا من الصين وعدد من الدول المبتلاة بالوباء، قد تشكّل مصير البشرية المستقبلي.
قدرة البشر على التواصل في الحيز العام لمناقشة قضاياهم الأساسية، بما توفره من شروط ديمقراطية، هي ميزة أساسية في الحداثة، بوصفها مشروعاً متعدد الأبعاد، أمّن الإمكانية لمواجهة السلطات الهائلة والاستثنائية لجهاز الدولة الحديثة نفسه.
لا يعوّل جيجيك كثيراً على الحلول الديمقراطية، فالبشر قد لا يعرفون حقاً ماذا يريدون، ويفضّل البحث عن حلول صحيحة، ولكن ربما يفوته أن ما يبدو حلاً عقلانياً، بما يستلزمه من مؤسسات بيروقراطية متضخمة وقرارات سياسية حاسمة، قد يكون مدخلاً لشمولية جديدة، لا يوجد سبيل واضح لمحاسبتها، أو دفعها لتعديل سياساتها. ومعظم أشكال الشمولية برّرت نفسها بضرورات كبرى، تحتاج نمطاً معيناً من العقلانية للتصدي لها. إذا كان جيجيك يرى أن حرياتنا المكتسبة مهددة بسبب اختلال النظام الحالي، فإن الحلول العالمية التي يدعو إليها قد لا تترك مجالاً لأي حريات. وبما أن منظمة الصحة العالمية، التي يطالب بإعطائها صلاحيات أكبر، قد امتدحت الأساليب الصينية لمواجهة انتشار الفيروس، فقد يكون «الحل العالمي» المنشود هو تعميم السلطة الانضباطية الصينية على العالم بأسره. وهذه، للمفارقة، إحدى التصورات الديستوبية التي طالما أنذرنا جيجيك نفسه منها.
العزل بوصفه نموذجاً سياسياً
تقنيات الحجر الصحي، والتحكم بحركة البشر لضمان الحد من انتشار الأوبئة، وإخضاع الأفراد للفحوص الطبية غير الاختيارية، وتجميع البيانات حول أجسادهم وتنقلاتهم، هي من الآليات الانضباطية التأسيسية لسلطة الدولة الحديثة، تندرج تحت «حالة الاستثناء» المشرعنة بالقانون نفسه: يكفل الإطار القانوني حريات الأفراد وحقوقهم، ولكنه يحتفظ للسلطة بالوقت نفسه بالقدرة على سلبهم هذه الحريات، وجعلهم في وضعية «الحياة العارية»، حسب مصطلحات الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، في حالات استثنائية معينة، مثل الحروب والأوبئة والكوارث الكبرى. يرتبط هذا بمفهوم للمصلحة العامة تحتكره الدولة، وتبرر إجراءاتها الاستثنائية على أساسه. يمكن للمفكرين النقديين تفكيك مشروع الحداثة ببراعة نظرية، ولكن من غير المنطقي المطالبة بالتهاون بإجراءات الوقاية الطبية بحجة انتقاد السلطوية الحديثة. لا تكمن المشكلة في السيادة الاستثنائية الممنوحة للدولة بحد ذاتها، بل في آليات التحكم بهذه السيادة، ومدى ديمقراطيتها. عزل البشر والتحكم بهم يمكن أن يصبح نموذجاً سياسياً عالمياً، ليس فقط لضرورات صحية، بل قد يجد لنفسه مبررات «صائبة» عديدة: الضرورات الاقتصادية، البيئة، مكافحة العنصرية، الحساسيات الثقافية، إلخ. وبما أنه لا توجد حتى الآن آليات ديمقراطية فعالة على مستوى فوق وطني، فإن المطالبة بالحلول العالمية قد تعني أيضاً شرعنة حالة الاستثناء عالمياً.
قدرة البشر على التواصل في الحيز العام لمناقشة قضاياهم الأساسية، بما توفره من شروط ديمقراطية، هي ميزة أساسية في الحداثة، بوصفها مشروعاً متعدد الأبعاد، أمّن الإمكانية لمواجهة السلطات الهائلة والاستثنائية لجهاز الدولة الحديثة نفسه. الاستهانة بالديمقراطية، بحجة ضرورة الحلول العقلانية الكونية، قد تشكل تهديداً لحقوق البشر الأساسية، لا يقل خطورة عن الكوارث الصحية والبيئة والاقتصادية ذات الطابع العالمي.
عالمية الشعبوية
أمام طوباوية الطروحات العالمية، التي يحملها جانب من «اليسار» في عصرنا، يبدو الشعبويون، خاصة اليمينيون منهم، أكثر واقعية: لا تعني العولمة نهاية الأطر الوطنية، أو زوال الحدود بين الدول، والأنظمة الشعبوية لم تزدهر إلا في شرط معولم. تقسيم العمل على صعيد دولي، بالاستناد إلى خصائص الدول المختلفة وطبيعة أنظمتها ومستوى تطورها، هو ما يؤمن الإطار الاقتصادي المعولم الحالي. وبالتالي فإن سلطة الدول الوطنية، التي لم تضعف على الإطلاق، لا تتعارض مع التنسيق على المستوى الدولي. العالمية التي تتطلبها مواجهة الأوبئة والكوارث موجودة بالفعل، وهي تعمل اليوم، بمستوى لا بأس به من التنسيق، عن طريق مزيد من تشديد الرقابة على الحدود، ونصب الحواجز أمام حركة البشر، مع تسهيل حركة الرأسمال، وتصريف الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية على حساب الفئات الأفقر. بهذا المعنى قد يكون الإجراء العالمي الأنسب لتطويق انتشار فيروس كورونا هو المزيد من الأنظمة الشعبوية والأوليغارشية.
وإذا كانت العالمية حالياً تعمل عن طريق الدول الوطنية أساساً، فالحل قد لا يكون بالمطالبة بمزيد من التنسيق العالمي، بقدر السعي لاستعادة الديمقراطية في إطار الدولة الوطنية، فهي وحدها ما قد يؤمن حداً من الرقابة على المؤسسات البيروقراطية، التي تملك السلطة الكافية للقيام باجراءات ضخمة مثل، العزل وإغلاق المدن والتحكم بأنماط الحياة، كما أن الديمقراطية قد تحفظ الحد الأدنى من حقوق وحريات البشر، حتى في حالة الاستثناء.
هذا النمط من الديمقراطية أقرب بالضرورة لمصالح الطبقات الأدنى، الأكثر تضرراً من الكوارث العالمية، والتي تخوض حالياً سلسلة من الانتفاضات في عديد من البلدان، للاحتجاج على تدهور أوضاعها العامة. وقد تكون عالمية هذه الانتفاضات، وطابعها الطبقي الواضح، المعنى الأفضل لـ«العالمية» في عصرنا.
٭ كاتب من سوريا