فيروس كورونا ومخاطر “داعش” في شمال شرق سوريا

براء صبري
حجم الخط
0

لم تكن قضية ظهور وباء كورونا الذي وصلت طلائع حملته غير المرئية للعيان إلى العاصمة دمشق في أحدث اعتراف رسمي بظهوره هناك، شيء له صدى في عالم التطرف والمتطرفين. لا يكترث الباحثون عن الوصول إلى الأهداف الجهادية لحديث ثانوي عن مرض قد ظهر هنا أو هناك. وباء الوصول إلى الأهداف السامية لجماعات جهادية هو أكثر يقيناً لديهم من جائحة تقض مضاجع العالم الغربي المفترض الأفول في قريب الزمن بسواعد أبطال مفترضين من طينة عناصر “القاعدة” أو “داعش “حسب المروية الجهادية التي تنتحب حاليا بعد سقوط معاقلها الجديدة قبل بضع سنوات في الموصل والرقة. غرائب هذه القضية التي طغت على شاشات الإعلام كانت فيما يبدو بالنسبة للجماعات المتطرفة طُرفة، ولدت في معامل الغرب، وتقف جهات ذات نفوذ وراءها للوصول إلى مرامات سوداوية معينة. لا حتمية لظهور جوائح من هذا الشكل بالنسبة لهم رغم أن تاريخ البشرية عامر بهكذا قصص، وكانت العواصم المحافظة سواء المسلمة أو المسيحية أو غيرهما ممرا مميتا لها.

ظلت هذه الجماعات تبحث عن شق طريقها من دون اكتراث لعدّاد الأرقام المُرافق لنشرات الأخبار عن المصابين وقتلى وباء كورونا. مصيرهم المستقبلي أكثر اعتبارا لديهم من هزة خارجية لا تزيد عليهم شيئا، وتجعل غير المؤمنين في معيارهم في قلاقل. تلك الجماعات التي قد تجد صعوبة في التحرك مع انكماش المدن على ذاتها تجد في هكذا وضع فرصة لتشق طريقها بين الجُل الخائف من السلطات، والقوات المحلية، والمُركزة على قضايا تطبيق حظر التجوال، وقضايا تأمين المداخيل المالية، ومشكلة الخدمات، والغذاء، لجماعة بشرية كاملة تبدو ملامح التململ واضحة لديها. هؤلاء، وخاصة الـ”دواعش” المعتقلين لدى القوات المحلية في شمال شرق سوريا يعتبرون أن أي فرصة للانفكاك من سجانيهم هي هبة سماوية قد لا تظهر كل مرة. لذا، الوصول إلى استثمارها بأمثل الطرق هو الواجب المطلوب، وإن كان هذا الاستثمار يسبب الذعر بين سكان منطقة تعاني منذ ما يقارب العقد من الحرب السورية، والإرهاب، والتدخلات الدولية والإقليمية، وتداعياتها التي لا تنتهي، كمنطقة شمال شرق سوريا التي تديرها إدارة ذاتية محلية تحاول الثبات، والوصول إلى الاعتراف الدستوري، في خضم عواصف التصادم الداخلي والدولي في سوريا.

التطورات على الأرض

لم يكن الوباء المتفشي خارج الحدود يهم كثيراً في شمال شرق سوريا في البدايات، وظلت الإجراءات تتحرك ببطء للتعامل معه باعتبار أن القضايا الكثيرة الأخرى تنهك الإدارة الفتية. ولكن، مع مرور الوقت تحول مفهوم التغاضي عن “الضجيج الحاصل في الخارج” إلى غير ذي معنى. قررت على ذاك الأساس الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا الدخول في لعبة، ومُعترك، محاولة صدّ الوباء غير المهم عندها مقارنة بكم المخاطر الحقيقية والمباشرة الأخرى التي تحاول التعامل معها. لذا، قررت الإدارة الذاتية بدء فرض حظر تجوال على عموم مناطق إدارتها، وفي 23 آذار/مارس وبعد مرور يومين على احتفالات عيد النوروز في المنطقة بدأ الناس يتلمسون نتائج ظهور وباء كورنا “التاجي” في العالم. وقالت الإدارة الذاتية في بيان عن القرار الجديد حينها إنه “سيطبق في عموم مناطق إدارتها ويستمر 15 يوما” مع احتمال التمديد “إن اقتضت الضرورة والمصلحة العامة”.

وفي محاولة لإعطاء القرار الجديد الطابع الجدّي ناشد قائد قوات سوريا الديمقراطية السكان بضرورة الالتزام بقرار الحظر. وقال مظلوم عبدي عبر فيديو نشره على حسابه على تويتر “أن فيروس كورونا انتشر في الدول المجاورة لمناطق الإدارة الذاتية وإن خطره كبير وعلينا الالتزام بالتدابير التي اتخذتها الإدارة”.

ورغم اللغط الكبير مع دخول القرار حيز التنفيذ حول حقيقة الالتزام الفعلي به، ومع تمدد الوباء في عموم الدول الغربية، قررت الإدارة الذاتية في بيان جديد في 6 نيسان/ابريل أنه “بناءً على مقتضيات المصلحة العامة تمدد فترة حظر التجوال لمدة (15) يوماً بدءاً من صباح الثلاثاء 7 نيسان/ابريل ولغاية 21 منه”.

هذه التطورات كانت مُرافقة لصعود الحديث في دمشق عن إجراءات مماثلة، وإن أقل شدة ضد الفيروس. دمشق التي تخشى من إنهاك سكان مدنها المنهكين أصلا من سنوات الحرب، وقلة الخدمات، والمدخول المالي الضعيف، لا يعوّل عليها من حيث إعلاناتها عن عدد المصابين والموتى نتيجة الوباء عندها. كذلك فإن تداخل السلطات في شمال شرق سوريا بين القوات التابعة للإدارة الذاتية وقوات دمشق يسبب الكثير من الصعوبة في حقيقة تطبيق القرار على الأرض، حيث جغرافية السيطرة والنفوذ المتداخلة هناك هذا أن تم الاقرار بضرورة غض النظر عن حركة قوات التحالف، وروسيا، وتركيا، وإيران، والميليشيات الموالية لهم في عموم شمال وشرق البلاد.

ورغم الصعوبات الرسمية المُرافقة للمراقبة، والتشديد، وخاصة من المعابر الرسمية وغير الرسمية، ومطار القامشلي، إلا أن جهة إضافية سببت الأرق لسكان المنطقة، والقوات المحلية، وحتى التحالف الدولي، وهذه الجهة هي الخلايا الإرهابية لتنظيم “داعش” التي لا تهدأ في أرياف محافظة دير الزور، وكذلك سجناء “داعش” لدى قسد، وبالأخص “الأجانب” منهم، والذين حاولوا من جديد استغلال الوضع القائم، ومحاولة الهرب من سجنهم في مدينة الحسكة.

حظر التجوال

كانت الحسكة في المحافظة في نهاية آذار/مارس هي المدينة التي سرقت الأضواء من شقيقاتها بعد ورود أنباء في 28 من آذار/مارس عن قيام عناصر من “داعش” في سجن غويران الواقع جنوب المدينة بعملية تمرد ضد سجّانيهم. وقالت مصادر إعلامية وقتها أن الوضع وصل إلى مرحلة خطرة حيث تمكن البعض منهم من اختراق جدران السجن، والسيطرة الكاملة على القسم الأرضي. وكتب مصطفى بالي المسؤول الإعلامي لقسد على تويتر “إرهابيو داعش يسيطرون على الطابق الأرضي بشكل كامل في سجن الحسكة، هدموا الجدران الداخلية وحطموا الأبواب. نجح البعض منهم في الهروب وجاري البحث عنهم”.

وبدعم من طيران التحالف، وبعد بضعة ساعات من التوتر والصدامات، أكدت مصادر رسمية إلقاء القبض على الفارين من “داعش” وعددهم أربعة على الرغم من تشكيك المواقع الإعلامية المناهضة لقسد والقريبة من تركيا في تلك الأرقام.

السجن الذي يحتوي في داخله بضعة آلاف من عناصر “داعش” حوّل ليل المدينة إلى نهار. التحليق المكثف للطيران العسكري للتحالف، والقنابل الضوئية، وصوت إطلاق النار، كان يغطي على صمت المدينة التي طبق فيها حظر التجوال. زاد هذا الخرق الأمني بالإضافة إلى الصمت المطبق من الخشية بين عامة السكان، وبدأ اللغط من جديد حول سبب تحمل قسد وسكان المنطقة لمسوؤلية عناصر إرهابية جُلها من الخارج.

المناشدات من الشرق للغرب

ظلت قسد، والقادة المحليون، وقوات التحالف الدولي، وحتى ترامب نفسه، يطالبون الدول الغربية بضرورة استقبال رعاياهم من عناصر “داعش” المعتقلين لديها، وتحمل مسؤولية محاكمتهم، والتصرف معهم على أساس جنسيتهم. لكن، من دون جدوى. ورغم أن قضية المطالبات كان لها وقع واضح في الإعلام أحيانا، وان لم تكن هناك استجابة حقيقية للقضية، إلا أن ظهور كورونا قضى على كل فسحة لسماع المناشدة. كان من الواضح للمتابع للشأن السوري كيف أنه لم يكن لخبر هروب عناصر “داعش” من سجن الحسكة إلا زاوية بسيطة في المواقع الخبرية. ولم يكن لتصريحات المتحدث باسم التحالف الدولي أي صدى أو متابعة مع دخول العالم إلى مرحلة متقدمة في هوسه من جائحة كوفيد-19 والإغلاقات الواسعة للمدن والمقاطعات.

العناصر الإرهابية تلك التي تزيد من الضغط على سجانيهم، وتشعر الكثيرين من سكان البلاد بإنهم عبارة عن “قنابل موقوتة” بينهم، استغلوا الوضع العام المرافق للوباء أفضل بكثير من الغرب. فقد نجحوا فعلياً في نشر الذعر بين السكان، والقفز على الحواجز الموضوعة في وجههم من قبل السلطات المحلية، لدرجة أكبر بكثير من حديث عالمي عن مرض ينتشر بسرعة في الغرب الأوروبي.

العطاءات السياسية الباردة قبل الجائحة من الدول المعنية بـ”هؤلاء” دفعت السلطات المحلية إلى التفكير حول بدائل قد تخفف من ضائقتهم مع “داعش”. كان المقترح بعد الرفض الغربي لاستقبال رعاياهم من عناصر التنظيم الإرهابي أن تقوم الإدارة الذاتية بإنشاء محكمة على أراضيها. هذا المقترح، لم يصل إلى بر الأمان مع محاولة الدول الغربية، وخاصة ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، عدم الانخراط الدبلوماسي والقانوني في هذا الحدث في محاولة لتبرئة ذمتهم أمام القليل من المهتمين بالقضية في دواخلهم.

حالياً، قد يتم تمرير الحدث مع انشغال العالم بالوباء، وتداعياته. هذا التمرير نفسه يعاني الكثير في التوصيف القانوني، والسند القائم عليه. القضية لن تُعطي أي زخم مُناسب للقضايا الأخرى من عفرين إلى الحدود العراقية كما يتوقع البعض البعيد عن حقائق الأمور السياسية الدولية. بل ستزيد من حمولة المنهك. والتعامل مع الدواعش في السجون، وإيجاد حلول لهم محلياً وغيرها من ما يخص الموضوع، لن تحصل على الثناء الغربي بقدر ما ستحصل على الابتسامات، والجمل الرسمية الفضفاضة من ساسة تلك العواصم. هذه الجمل المُنتظرة لن تُثني سماء مدينة كالحسكة وشقيقاتها الأكثر بعداً عن الحدود التركية من احتمال ان تُنار من جديد.

ومع تطورات جائحة كورونا، تخشى السلطات المحلية في شمال شرق سوريا من أن تفشل جهودها لوضع حد نهائي لقضية المعتقلين من العناصر الأجنبية في تنظيم “داعش”. هذه الجهود التي تتعقد مع انكماش واشنطن عن الشرق الأوسط، وتقارب تركيا مع روسيا، واستمرار “داعش” في القتال، وتغاضي سلطات دمشق ومعارضيها عن حقيقة الوصول إلى حل نهائي مع الكيان الفتي، والضعف الخدمي والإداري والسياسي لتلك الإدارة، تعقدت أكثر مع ظهور الفيروس. فقد تحول انكماش واشنطن عن الشرق الأوسط إلى انكماش عن العالم ككل، وتطور التقارب التركي الروسي إلى دوريات مشتركة في معظم خريطة شمال شرق سوريا تحت ظلال حظر التجوال المفترض، واندفعت دمشق أكثر إلى التغاضي عن الكيان الفتي بعد فتح بعض الدول قنوات التواصل معها وانغماسها بكيفية تدارك أزماتها الاقتصادية واعتقاد الكثيرين أن واشنطن قد تفكر بالانعزال أكثر عن المصالح الخارجية وخاصة مع التغيرات التكتيكية العسكرية الأمريكية في العراق. لذا، أن محاولة الإدارة الذاتية تمرير خبر من نوع “هروب دواعش من السجن لدى السلطات المحلية” له مساران مختلفان، واحد من خلال تعظيمه لمخاطبة الدعم الغربي، والثاني من خلال تبسيط الخبر لتخفيف مخاوف الداخل، وهذا لم يعد يؤت ثماره لا داخلياً ولا خارجياً مع قدرة الوباء على إعطاء الغرب فسحة أمل جديدة للتهرب من واجباتها مع العالم الضعيف والخارج عن حدودها الرسمية، ومع تأكد معظم الناس أن قضية الدواعش هي صداع داخلي يزيد من الضغط النفسي للإدارة الذاتية التي بدأت تتحسس الوحدانية مع مجموعة من “دواعش” متعددي الهويات، والقوميات، والجنسيات، جاءوا للسيطرة، والتخويف، والقتل، تماماً  كما هو حال هجوم الفيروس الذي بدأ يسيطر، ويخيف، ويميت، كل جنسيات العالم الأول بأدوات قتل مرئية والثاني بعكسه تماماً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية