بيروت-“القدس العربي”: أثار الإعلان عن فيروس “كورونا” الرعب والهلع داخل مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بعد تأكيد منظمة الصحة العالمية بأن الفيروس وباء عالمي، وارتفاع عدد المصابين في العالم وامكانية انتشاره داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية.
وتعيد المصادر الطبية إثارة أسباب حالة القلق والهلع في صفوف اللاجئين الفلسطينيين إلى الوضع الصحي المتردي داخل المخيمات الفلسطينية وانتشار الفيروس كانتشار النار في الهشيم، بالإضافة إلى الكثافة السكانية والتصاق منازل الفلسطينيين ببعضها البعض، إلى جانب تردي الوضع الصحي وضعف الامكانيات.
ويعاني اللاجئون الفلسطينيون في لبنان منذ نكبتهم الأولى عام 1948 من أوضاع معيشية غاية في الصعوبة والحرمان، تتعارض مع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، كالعمل والتملك والطبابة والاستشفاء.
وعلى الصعيد الصحي، أكدت تقارير لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أن نسبة 72 في المئة من العائلات تعاني من إصابة أحد أفرادها بمرض مزمن، أو أكثر. وتسجل لدى نسبة 15 في المئة منها إعاقة واحدة على الأقل، ولدى نسبة 41 في المئة نوع من الكآبة المزمنة.
وتبلغ نسبة المصابين بمرض مزمن من اللاجئين 31 في المئة أي حوالي ضعف الرقم بين اللبنانيين الذي يبلغ 17 في المئة. كما تبلغ نسبة الذين يعانون من ارتفاع في ضغط الدم 32 في المئة، مقابل 14 في المئة في الحالة اللبنانية.
وإلى ضغط الدم، سجّلت تقارير “أونروا” انتشار أمراض مزمنة كالكولستيرول وآلام الصدر، وأمراض القلب، والجلطات، وفقر الدم، والبروستات، والسرطان، وترقق العظام، وأمراض الكلى، والتلاسيميا، والتوحد، إلى أمراض عصبية أخرى.
معوقون بسبب الحرب
وتعاني نسبة 4 في المئة من الفلسطينيين اللاجئين في لبنان من إعاقات، مقابل نسبة 2 في المئة في الحالة اللبنانية. وأصيبت نسبة 15 في المئة من الحالات بالشلل، وتسعة في المئة بفقدان النظر، وثمانية في المئة بفقدان السمع.
وقد تبّين من خلال المقابلات التي أجراها الإحصائيون في وكالة “أونروا” أن 19 في المئة من الإعاقات سببها الحرب، و20 في المئة سببها حوادث، و30 في المئة إعاقات منذ الولادة. كما سجّلوا إصابة 21 في المئة من اللاجئين بنوع من الأمراض العصبية كالكآبة، والقلق.
ومع وصول عدد المصابين بفيروس “كورونا” في لبنان إلى أكثر من 300 حالة حسب إحصائيات وزارة الصحة اللبنانية، أبدى اللاجئون الفلسطينيون في مختلف المخيمات تخوفات من هذا الفيروس في ظل الاكتظاظ السكاني الهائل، وافتقار المخيمات إلى بنية صحية واستشفائية قادرة على استيعاب أي حالات أو التعامل مع أي طارئ.
وأعلن مجلس الوزراء اللبناني، حال الطوارئ الصحيّة والتعبئة العامّة، لمواجهة انتشار “كورونا” في البلاد، إلا أن الإجراءات الوقائية التي تتخذها الحكومة اللبنانية لا تشمل مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين، التي تعتمد على نفسها ومؤسساتها العاملة في توفير سبل الوقاية من الفيروس.
كيف يمكن مواجهة فيروس “كورونا” ومنعه من الانتشار داخل مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؟
منذ الإعلان عن انتشار فيروس “كورونا” أعلنت وكالة “أونروا” وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني، والمؤسسات الطبية حالة الاستنفار الطبي العام واتخذت إجراءات وقائية داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، وأقفلت المدارس، والمعاهد، ودعت اللاجئين إلى إلغاء التجمعات والنشاطات الثقافية والرياضية والاجتماعية، ونفذت حملة تعقيم داخل مخيمات الرشيدية والبص وبرج الشمالي وعين الحلوة والمية مية وصبرا وشاتيلا وبرج البراجنة ومار الياس ونهر البارد والبداوي والجليل، كإجراء وقائي ضد فيروس “كورونا”.
وأوضحت المتحدثة باسم وكالة “أونروا” في لبنان هدى السمرا أنه منذ اللحظة الأولى للإعلان عن فيروس “كورونا” كانت هناك متابعة حثيثة من قبل الوكالة والجسم الطبي فيها.
وأعلنت السمرا أن وكالة “أونروا” وفِي إطار الإجراءات الوقائية التي تتخذها في المخيمات منعا لتفشي “كورونا” بدأت حملة جديدة من التدابير الوقائية ونشر التوعية حول الفيروس عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعدما أجرت دراسة توصلت فيها لنجاعة التوعية عبر هذه الوسائل بدلا من ندوات وورش تتطلب حشدا واحتكاكًا بين الناس وهو أمر غير مرغوب فيه في الوقت الحالي منعا لانتقال عدوى الفيروس وحفاظا على السلامة العامة.
وأكدت أن الواتساب يأتي كوسيلة تواصل في الدرجة الأولى حيث يتم إرسال نشرات توعية عبر هذا التطبيق ليأتي فيسبوك في الدرجة الثانية وذلك لضمان وصول هذه الإرشادات لأكبر قدر ممكن من اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات.
تنسيقية صحية
وشكلت القيادة السياسية الفلسطينية في لبنان لجنة تنسيقية صحية من ممثلين عن الفصائل ومندوب عن وكالة “أونروا” لغرض متابعة تطورات تفشي فيروس “كورونا” وتقديم الخدمات الارشاديّة وتحضير أماكن للحجر الصحّي في حال انتشاره داخل المخيّمات.
وأكّدت القيادة الفلسطينية على ضرورة مواجهة خطر الفيروس، وعلى التكامل والتعاون بين وزارة الصحة اللبنانية والصليب الأحمر الدولي والمؤسسات العاملة في الوسط الفلسطيني لتقديم أفضل الخدمات، وتأمين الامكانات لتجهيز مراكز الحجر بالتعاون مع الصليب الاحمر اللبناني.
وطالبت القيادة الفلسطينية، الدولة اللبنانية بجميع مؤسساتها إدخال مخيمات اللاجئين في استراتيجيات الوقاية المطروحة، كونها فوق الأراضي اللبنانية ومن الطبيعي أن تؤثّر وتتأثّر بما يدور حولها، ودعت وكالة “أونروا” إلى التعاطي مع مطلب خطة الطوارئ، بشقها الصحي، بشكلٍ أكثر مسؤولية.
كما دعت إلى التجاوب مع كل دعوات الوقاية من فيروس “كورونا” داخل المخيمات الفلسطينية، خاصة وأنها تختلف على باقي المناطق اللبنانية لجهة الكثافة السكانية المرتفعة وتلاصق المنازل بعضها ببعض وعدم وجود أماكن عامة للترفيه، ما يجعل من انتشار العدوى مسألة جدية لا يجب التساهل بشأنها والتعاطي معها بمسؤولية وطنية سواء على المستوى الفردي والشخصي أو على المستوى الجماعي.
وكشف المدير الطبي لمركز فتحي عرفات الدكتور عائد أبو حسين في مخيم نهر البارد شمال لبنان، أن الجمعية لديها توجهات وإجراءات احترازية ووقائية من انتشار الفيروس داخل المخيمات الفلسطينية، بالتعاون مع وكالة “أونروا” والمؤسسات التعليمية في المخيم.
وأشار إلى أن الجمعية اتخذت عددا من الإجراءات الوقائية ونظمت مجموعة من الندوات والمحاضرات، وقدمت الارشادات للاجئين الفلسطينيين داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية، من أجل عدم انتشار الفيروس.
رغم أن لا أصابات بفيروس “كورونا ” حتى الآن داخل مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، إلا أن القلق يسود في صفوف اللاجئين الفلسطينيين والنازحين من سوريا في لبنان، من انتشار الفيروس في ظل الوضع المعيشي والبيئي المتردي، والوضع الصحي السيء وضعف الامكانيات، خاصة وأن هناك إهمالا متعمدا من قبل الجهات الرسمية اللبنانية لخطر وصول الفيروس إلى المخيمات الفلسطينية، علماً أن إصابة واحدة في أي من المخيمات، كافية لتحويلها بؤرة للفيروس، لاعتبارات عدة تتعلق بالاكتظاظ والبنى التحتية ونقص الامكانيات ما يشكل خطراً، ليس على الفلسطينيين واللاجئين فقط، بل على لبنان كله.