فيروس كورونا الذي ضرب مدينة ووهان العاصمة الاقتصادية الجديدة في الصين والذي أصابت عدواه حتى الآن خمس عشرة دولة في مختلف أنحاء العالم، يشكل الآن خطورة فيروسية كارثية فرضت إعلان حالة طوارئ صحية دولية.
لكن الموت المحوّم في فوق رؤوس سكان ووهان لم يأخذ منهم ثباتهم الإنساني وسمو حبهم للحياة رغم فرض عزل عليهم عن باقي العالم، وحتى عن المدن الصينية الأخرى.
لقد واجهوا هذه الموجة الفيروسية بألق الطيور المغردة وهم يغنون للحياة، محتفين بجمالها وبهائها وكأنهم يجعلون من مواويلهم الصادحة مضاداً حيوياً فعالاً ضد هذا الفيروس الذي لم يكتشف له لحد الآن مضاداً يرده.
لقد رصدت القنوات الفضائية مقاطع غنائية لهذا الكورال الجماعي وكأنه سمفونية جديدة من إبداع سكان ووهان عنوانها البارز : نعم للحياة ولا للموت.
تذكرنا هذه الملحمة بمرض الطاعون الفتاك الذي ضرب العصور الوسطى فواجهه السكان بالتضرع عبر الغناء إلى خالقهم ليقيهم شر البلية. وقد حدث الأمر نفسه خلال انتشار الانفلونزا الإسبانية في الحرب العالمية الأولى، حيث لجأ الناس إلى الكنائس لإنشاد وترديد التراتيل بعد أن مات منهم خمسون مليون ضحية.
إن مواجهة الموت تخلدها على نحو آخر الجوقة العازفة على تايتانك بانفتاح رحب على الغرق. لقد استمر الموسيقيون بالعزف حين كانت السفينة تتهاوى في عمق البحر، وكأنهم يصرون على تمسكهم بالحياة. هكذا أصروا على عزف لحن البقاء والانتصار على شبح الموت الذي أطل برأسه من بين موج الماء الصاخب، المتصاعد. لقد أدركوا بغريزتهم أن الموسيقى ترفع الروح عالياً وتخلد جمالها. ولازالت تتردد هذه الموسيقى في آذان الأجيال المتعاقبة بالرغم من مرور هذا الزمن الطويل على هلاكهم الجسدي.
مثلهم أيضاً ينسج سكان ووهان في صراعهم ضد الموت نشيداً آخر للحياة يلهج بما ينبغي أن يكون عليه الإنسان إلى آخر لحظة من عمره، هذا الإنسان الذي يحيا متحدياً كل مآلات الإنطفاء، والذي يمتشق روحه من السماء البعيدة ليجعل من لحظة وجوده انسياباً في الزمن الممتد.
إن الموسيقى، حسب الفيلسوف نيتشه، هي الأبدية التي لن تنتهي. إنها حفل الإنسان المستمر ضد الموت والنهايات.
لا جدار يرتفع فوق إرادة الشعوب
تروي لنا القصة الرومانية أن نيرون قبل أن يحرق روما عبر عن غطرسته وجبروته ببناء حائط إسمنتي عازل مسيج بأسلاك مدببة حتى يفصل نفسه وجواريه وخدمه وخاصته عن باقي الجمهور من العامة والدراويش.
ويوماً خرج نيرون للصيد فوجد طفلاً يتبول على هذا الحائط. غضب وأمر بقتل الطفل. ولما ألقى الجند القبض عليه، قال الطفل لنيرون: “هذا الحائط يشبه جبنك ويزن خستك”… واستمر بالتبول! بعدما قُتل الطفل، عبّر الناس عن غضبهم بالتهافت على الحائط والتبول عليه تمهيداً لثورة حقيقية أسقطت نيرون الذي أحرق روما إبان الثورة ضده. رمزية هذه القصة أن الجدار العازل الذي يريد منه الديكتاتوريون أن يفصلهم عن عامة الشعب، والعيش وراءه في بحبوحة كما يشتهون؛ متحكمين في مصائر العامة، لا بد أن يكون في المستقبل مهما طال الزمن سبب إقبارهم، وانهيارها المدوي بإرادة شعوبهم المعزولة.
تحيا هذه القصة من جديد عبر صورة انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يطل من نصفها الأعلى جدار إسمنت للمغتصب الإسرائيلي في منطقة الوزاني، وفي الأسفل منها صورة لجدار إسمنتي آخر في وسط بيروت رفعته الحكومة لتعزل الشعب المتظاهر عن الدولة الفاسدة.
ما أشبه جدار نيرون بهذا الجدار الذي تداوله رواد السوشيال ميديا.
إن الوجه المتسلط واحد لا يختلف بالرغم من مرور الأعوام والسنين. من رفع جدار الأسمنت في لبنان هو نفسه من رفع جدار الأسمنت في روما القديمة. ولكن إرادة الشعوب، كما علمنا التاريخ قادرة على كسر أقوى الجدران.
إن بلاغة الجدران المتمثلة في الإقصاء والتهميش لغة يتقنها ترامب كذلك وهو يقيم جداراً بين أمريكا والمكسيك. زمن الجدران يتكرر ، يختفي ويظهر من جديد كلما تجددت نرجسية الجلاد والحاكم المتسلط.
يذكرنا الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو أن جدران السجن لا تعني سلب الإنسان لحريته فقط بل تعني إقامة فاصل بشع بينه وبين إنسانيته التي لا معنى لها إلا في العراء المطلق… الحرية المطلقة.
فعلاً إن الجدران المنصوبة من طرف جبابرة التاريخ هي كناية عن فصل الإنسان عن إنسانيته وصلته بعراء العالم المتمثل في كينونته الحرة.
تحدث بانوفسكي وهو ينظّر للعمارة القوطية عن صنامية الحيطان الشاهقة، وشيدت بهذا الشكل لتقييد الحركة المطلقة. لذلك دعا إلى مقاومة هذه الصنمية بهندسة الجدران وتجميلها عن طريق الزخرفة وإعادة تشكيلها بهدف سلب الغطرسة منها والتخلص من عنفها وعدوانيتها للإنسان.
كان من الأجدى للدولة اللبنانية أن تجعل من الجدران والحيطان في بيروت معالم تاريخية تنبض بالجمال والمتعة، عوض أن تنصب جداراً عبارة عن فواصل قمعية رادعة لحركة الإنسان اللبناني وهو يحتج دفاعاً عن كرامته المهدورة وحريته المسلوبة وحقه في العيش الكريم.
*كاتبة لبنانية