فيروس كورونا يغير برامج بوتين والمعارضة تشكك

فالح الحمراني
حجم الخط
0

بالإضافة إلى التداعيات الاقتصادية، خيم وباء فيروس كورونا على الساحات السياسية، وتحول إلى ورقة في التنافس والصراعات الداخلية والجيوسياسية، التي لم تكن روسيا في منأى منها. ويمكننا القول بثقة إن وباء فيروس كورونا هو أكبر أزمة في النطاق العالمي لهذا القرن. وتكمن المشكلة في أن بعض قادة الدول لم يدركوا بعد حجم التهديد، ليس فقط فيما يتعلق بدولة معينة، ولكن فيما يتعلق بالبشرية جمعاء. ويتبدد مع كل يوم الأمل في التعافي السريع للكوكب الأرضي، وتتزايد فاتورة العلاج أمام أعيننا. ويتم حاليا تقدير خسارة الاقتصاد العالمي بعشرات المليارات، ولكن هذه ليست سوى البداية. والإعلان عن الحجر الصحي على نطاق عالمي غير ممكن. ويهتم بعض قادة الدول بمصالحهم الأنانية أكثر من اهتمامهم بسلامة مجتمعاتهم. وأصبح شعار الفردانية يأتي بنتائج عكسية. وشككت بعض الأطراف حتى في المساعدات التي قدمتها روسيا لإيطاليا للتغلب على الفيروس القاتل، وزعمت أنها ترمي إلى أن تحقق موسكو أغراضا جيوسياسية ودعائية، بل حتى شق وحدة صف الاتحاد الأوروبي الذي اتخذ موقف اللامبالاة إزاء نكبة أحد أعضائه (إيطاليا) فيما يؤكد الكرملين بأنها خطوة إنسانية لا غير.

الحجر يرمي لمنع المعارضة من تنظيم فعاليات احتجاج

وتركت جائحة فيروس كورونا ظلالها العميقة على الساحة الروسية، لا سيما على برامج الرئيس فلاديمير بوتين السياسية والاقتصادية التي أعد لها بشكل دقيق. وبعد أسبوع من إعلان الرئيس أن انتشار فيروس كورونا في روسيا “تحت السيطرة” اضطر إلى تأجيل الاستفتاء العام في 22 نيسان/ابريل لتعديل الدستور. ووعد بأن التعديلات ستدخل حيز التنفيذ فقط بعد موافقة الشعب الروسي عليها. وقال إن تأجيل التصويت خطوة جادة لكنها ضرورية “نرى مدى حدة تطور الوضع المتعلق بوباء كورونا فيروس في العالم. في العديد من البلدان يستمر عدد الإصابات في التصاعد”. وقال بوتين يوم الأربعاء في خطاب تلفزيوني: “لقد تضرر الاقتصاد العالمي بأكمله”. مؤكدا “أن الأولوية المطلقة لنا هي صحة وحياة وسلامة الناس. لذلك، أعتقد أنه يجب تأجيل التصويت إلى تاريخ لاحق”.

وكان من المفترض أن يكون انتصارًا للزعيم الروسي بعد استفتاء نيسان/ابريل إجراء عرض عسكري كبير في 9 أيار/مايو في الساحة الحمراء تكريما للذكرى 75 لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، حيث كان من المقرر حضور قادة من العديد من دول العالم.

ومن الواضح أن الكرملين لا يرغب في تغيير مثل هذا الجدول الزمني، خاصة وأن عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المؤكدة أقل بكثير في روسيا منها في الصين، الواقعة على حدودها الشرقية، ومن الدول الأوروبية الواقعة غربها. وتم تسجيل وفاة ثلاثة أشخاص في روسيا فقط في حالات لم تؤكد أنها من كوفيد-19. ولكن خلال الأيام القليلة الأخيرة، زاد عدد الإصابات في البلاد بنسبة الثلث، وطفر من 495 إلى 840 شخصًا (الخميس الموافق 26 آذار/مارس).

وأظهر التلفزيون الحكومي يوم الثلاثاء بوتين وهو يرتدي قناعا وحلة واقية صفراء خلال زيارة قام بها للمستشفى الروسي الرئيسي حيث يجري العلاج من عدوى كورونا. وأبلغ دنيس بروتسينكو، رئيس هذا المستشفى، بوتين أن روسيا في حاجة إلى “الاستعداد للسيناريو الإيطالي” في إشارة إلى تفشي موجة الوباء في إيطاليا. وتابع بوتين في خطابه محذرا “ما زلنا قادرين على كبح انتشار المرض، ولكن من المستحيل بشكل موضوعي منع دخوله بالكامل إلى بلدنا. لا تفكر، من فضلك، لن أتعرض للمرض: ولن يؤثر علي! يمكن أن يؤثر على الجميع. الحل الأكثر أمانًا الآن هو أن تكون في المنزل”.

وأعلن بوتين تعطيل العمل في أنحاء روسيا لمدة أسبوع مع الحفاظ على رواتب الموظفين. كما أعلن عن حُزمة من الإجراءات الاقتصادية، بما في ذلك دفع خمسة آلاف روبل لكل طفل، والإعفاءات الضريبية، وتمديد القروض لأصحاب المشاريع والشركات الفردية. ولم يشر الرئيس الروسي في خطابه إلى العرض والاحتفالات بيوم النصر التي كان من المخطط أن تكون مهيبة، والحدث الأكبر هذا العام، وينتظر وصول ضيوف أجانب مثل شي جين بينغ وناريندرا مودي وإمانويل ماكرون وأحد ممثلي الحكومة الأمريكية (كان الرئيس الأمريكي قد اعتذر عن المشاركة بسبب انشغاله بالانتخابات الرئاسية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل) وكان الرهان إن هذا الحدث سيؤشر إلى نهاية شبه العزلة لروسيا، التي وجدت نفسها فيها في عام 2014 بعد انضمام شبه جزيرة القرم.

وهناك احتمال كبير بأن عددا من هؤلاء القادة لن يتمكن من المشاركة، وذكرت وسائل الإعلام الروسية هذا الأسبوع أن الاحتفالات يمكن أن تتم كعرض تلفزيوني وعلى الإنترنت وتضم 15000 جندي و400 قطعة من المعدات العسكرية التي على طول شوارع موسكو الخاوية من الجمهور. وقال الناطق باسم الرئيس دمتري بيسكوف، إن موضوع إلغاء الاحتفالات بالمناسبة لم يناقش في الكرملين.

وأمرت مدينة موسكو، التي أخذت انتشار كورونا فيروس على محمل الجد أكثر من الحكومة الفيدرالية، بإغلاق المطاعم والمقاهي هذا الأسبوع، وحظرت أي تجمع من أكثر من 50 شخصًا. ودعت المواطنين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا البقاء في المنزل.

                                          المعارضة تشكك

وسارعت المعارضة ولاسيما الليبرالية وحتى اليسارية إلى استخدام ورقة وباء فيروس كورونا بالتشكيك بنوايا القيادة الروسية ومدى فعالية إجراءاتها لمواجهة انتشار الوباء، ووجهت انتقادات إلى إجراءات الحكومة الرامية لمنع انتشاره. وفيما يقول بعض ممثليها بأنها جاءت متأخرة، زعم آخرون أن الحجر الصحي يرمي إلى وضع عراقيل واختلاق حجج لمنع المعارضة من تنظيم فعاليات احتجاج. وفي موقف متناقض باتت المعارضة الليبرالية التي تتهم تقليديا سياسة بوتين الداخلية باعتماد العنف المفرط، تطلب من الرئيس الروسي القيام بإجراءات أكثر شدة، وتدعو إلى عدم الاكتفاء بالدعوة إلى البقاء في المنازل، وغلق الأماكن العامة، ولكن فرض حجر صحي تام وغلق موسكو على الأقل. ودعا البعض منها إلى مزيد من الشفافية عن حقيقة الوضع الذي ترتب على خلفية الوباء، ورصدت في نبرة خطاب الرئيس الروسي “توترا”. وقال الادعاء العام إن هناك من يحاول ترويع المجتمع من خلال نشر المعلومات والأخبار “المزيفة” بقصد زعزعة الوضع السياسي في البلاد، وهددت بمقاضاة هذه العناصر.

واتصالا بالشكوك التي تدور حول مساعي الحكومة الحثيثة في التصدي لانتشار الوباء على نطاق واسع، قال المحلل السياسي ميخائيل فينوغرادوف إن بوتين حاول في خطابه خفض مستوى قلق السكان بسبب المخاوف على خلفية الجائحة والمخاطر الاقتصادية القائمة. وقال “هناك بحث عن النبرة. وهناك عدة موضوعات: فيروس كورونا، والمخاطر المرتبطة بالاقتصاد، وارتفاع مستويات القلق”. وبدورها قالت المحللة السياسية تاتيانا ستانوفايا إن الإجراءات المعلنة لمكافحة فيروس كورونا تشير إلى أن السلطات الروسية تخشى أن تبدو ضعيفة. ومن هنا عدم الرغبة في اتخاذ إجراءات شديدة، ومحاولة إظهار الوضع تحت السيطرة. وتقول: “إن خطاب الرئيس ليس ضد الفيروس بقدر ما هو ضد خفض شعبيته”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية