خيار القمع سيفضح مزاعم الحكومة عن التظاهرات السلميةلندن ـ ‘القدس العربي’: دار التاريخ دورته الكاملة، هكذا كتب الصحافي روبرت فيسك – في صحيفة ‘اندبندنت’ معلقا على الاوضاع في مدينة حماة وحملة القمع التي يقوم بها الجيش السوري لوقف الانتفاضة فيها.
وكتب فيسك قائلا في شباط (فبراير) 1982 داهم جيش حافظ الاسد المدينة التاريخية لانهاء الانتفاضة الاسلامية فيها، وقتلوا 10 الاف رجل وامرأة وطفل، وهناك امكانية ان يكون الرقم 20 الف ضحية، بعضهم كانوا من اعضاء جماعة الاخوان المسلمين اما الغالبية فكانوا من السكان السنة الذين لا علاقة لهم بالاخوان.
واضاف ان مسؤولين بارزين في حزب البعث اعدموا لان بطاقات هويتهم تحمل كلمة ‘حموي’. ويشير الى ما قاله الاسد الاب بعد المجزرة ‘الموت الف مرة للاخوان المسلمين المأجورين ممن ربطوا انفسهم باعداء الوطن’. ويكتب عن الدراسة التي كتبها الدبلوماسي الهولندي نيكولاوس فان دام عن الصراع داخل حزب البعث وقيادته العلوية ‘الصراع على السلطة في سورية’ والذي جاء فيها ان مذبحة حماة والقمع الذي مورس عليها ربما ‘بذرت بذور الحقد والنزاع’، وهذه الكلمات لم تكن صادقة كما هي اليوم، فاذا صدقت الانباء عن خروج 250 الف متظاهر الجمعة الماضية الى شوارع المدينة وطالبت بانهاء حكم عائلة الاسد، فان بذور الكفاح فعلا قد زرعت بالتأكيد قبل 29 عاما.
وتذكر الكاتب حصار حماة عندما استطاع دخول المدينة بعد ان سافر على الطريق الدولي بين الدبابات السورية التي كانت تقصف مسجد حماة الجميل.
ويعلل فيسك وجوده بقوله ان ضابطين طلبا اخذهما من السيارة وانزالهما قرب نهر العرنوط حيث كانت وحدتهما ترابط هناك. واستمرت المعركة 16 يوما حيث كانت الانتحاريات يفجرن القنابل في الجنود عندما كانوا يأخذون الاسرى، ويضيف انه شاهد المعارك لدقائق قليلة، حيث كان جنود رفعت الاسد يجلسون في دباباتهم وبعضهم مصاب بجراح خطيرة. ويقول ان لاجئة ركبت في سيارته مع طفلها وكانا جائعين، حيث قدم لها الطعام الذي اخذته في الحال، ويشير الى ان هذه وامثالها هن امهات الشباب الذين خرجوا الى شوارع حماة في نهاية الاسبوع. ويقول ان المشهد القديم هو نفسه اليوم عندما دخلت القوات السورية حماة يوم الثلاثاء وقتلت حوالي 20 شخصا، وبخلاف الانتفاضة الاولى فالحالية ليست اسلامية. وفي تلك الانتفاضة كان الاسلاميون يقتلون اعضاء حزب البعث، ومع ذلك يظل اسم حماة كجرس يقرع في تاريخ حكم عائلة الاسد، وبخلاف اليوم الذي يمنع دخول الصحافيين فالاسد الاب سمح بدخولهم عام 1982 ولهذا كان بمقدور الكاتب المرور على حماة في طريقه لزيارة صديق في حلب.
وفي عام 1982 لم تكن هناك هواتف نقالة ولا يوتيوب والا انترنت، مما يفسر سبب عدم وجود اية صورة تؤرخ للمجزرة.
وفي مقاربة اخرى فان الدبابات التي دخلت حماة جديدة وصلت من روسيا وكذا فالتكنولوجيا التي يستخدمها المتظاهرون جديدة. وكانت التقارير القادمة من حماة قد تحدثت عن قيام السكان بوضع الحواجز ونقاط الحراسة من اجل منع الدبابات دخول المدينة، ولكنها لم تكن كافية لوقف دخول الدبابات للمدينة، ويربط دخول القوات المدينة بالتظاهرات التي اغضبت النظام في دمشق وادت لاقالة محافظ المدينة، وكذلك في محاولة اخرى من الجيش لاستعادة السيطرة على كامل المدينة التي انسحب منها في الشهر الماضي بعد مقتل 70 شخصا، ونقلت تقارير عن سكان في المدينة وصفهم الوضع فيها بالسيىء حيث تتواجد قوات الامن في كل مكان وتسمع اصوات اطلاق النار في الاحياء.
ويرى ناشطون سوريون في مجال حقوق الانسان، ويقيمون في الخارج ان سكان حماة لن يسمحوا لقوات الامن السورية استعادة المدينة، خاصة انهم اعتبروها محررة واعادوا تسمية ساحة العاصي بساحة التحرير. وحذروا من حمام دم لو حاول الجيش استعادتها بالقوة. وشجبت الولايات المتحدة عملية حصار حماة وقال وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ ان عملية القمع قد تعزز من فقدان بشار الاسد من شرعيته.
ويرى دبلوماسيون في دمشق ان استمرار عمليات القمع تضر بشرعية النظام، وعلى الرغم من تأكيدات المسؤولين على ان الاقتصاد في حالة جيدة لكن الاسد في خطابه الاخير حذر من انهيار الاقتصاد. وعلى الرغم من الحديث عن خروج الجيش السوري من المدينة الا ان مراسل ‘نيويورك تايمز’ في بيروت يقول ان حماة بعيدة ان تكون قد تحررت وربما جاء الحديث هنا عن امل قد يتحقق.
وقال مواطنون تم التحدث معهم عبر الهاتف ان لجانا صغيرة بدأت تنظف الاحياء وتنظيم جماعات لحماية الاحياء بالاعتماد على وسائل بداية من احجار وسهام واكياس رمل.
ويرى محلل في دمشق انه ‘لا يوجد حل سهل لمشكلة حماة’، وقال المحلل العامل في مجموعة الازمات الدولية ان النظام نجح في اقناع السوريين وبعض قطاعات الرأي العام ان هناك عناصر مسلحة بين المتظاهرين، ولكن النظام يجد نفسه الآن يفعل العكس حيث يواجه مظاهرات سلمية. وترى الصحيفة ان الحكومة السورية اتبعت منذ الانتفاضة في اذار (مارس) سياسة تراوح بين القمع ومحاولات الاصلاح لكن حماة غيرت المعادلة الان. فبعد مقتل 73 شخصا في تظاهرات الثالث من حزيران (يونيو) وخروج الجيش تم التوصل الى اتفاق للسماح للمتظاهرين بالتظاهر طالما لم يتم مس الاموال العامة، لكن التظاهرات التي بدأت صغيرة اخذت تتوسع وتبني زخما. ومن هنا ادت الاحداث الى عزل المحافظ احمد خالد عبدالعزيز، وتعيين وليد ابازة الذي يقال ان له يدا في احداث حماة الاولى.
ويرى المعلقون ان رمزية حماة وعلاقتها الدموية بالنظام وراء تردد الاخير في التعامل معها بالقوة كما تعامل مع درعا وجسر الشغور وحمص وغيرها من المدن. كما ان اي تحرك ضد حماة سيفضح موقف الحكومة الذي قال ان التظاهرات مسموح بها طالما ظلت سلمية، ونقل عن محلل اقتصادي في دمشق قوله ان الامر في النهاية بيد الحكومة، ففي حالة قررت استخدام الحل الامني فهناك مشكلة قد تؤدي الى دم. وفي تطور آخر اتهمت منظمة العفو الدولية ‘امنستي انترناشونال’ القوات السورية بارتكاب جرائم ضد الانسانية في تل كلخ.