فيفيان تزور حيفا وجوانا تزور يافا في الجزء الثاني من الوثائقي البريطاني “الأرض المقدسة ونحن”

محمد نون
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”: تتمحور الحلقة الثانية من الوثائقي البريطاني “الأرض المقدسة ونحن” حول امرأتين بريطانيتين تريدان اكتشاف ما حصل لأقاربهما في فلسطين مع إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 وهو العام الذي يعرف في العالم العربي بعام النكبة.

المرأة الأولى وتدعى فيفيان وهي بريطانية- يهودية تسكن في بريستول، وتروي لمقدم الفيلم الوثائقي روب ريندر (البريطاني اليهودي) كيف كانت عمتها سوزان تعيش في القاهرة ثم هاجرت مع زوجها من مصر إلى فلسطين لكن عبر إيطاليا ضمن أفواج المهاجرين اليهود الذي جاؤوا من أوروبا ودول عديدة في العالم للاستقرار في إسرائيل قبيل وبعيد إعلان قيامها.

أما المرأة الثانية وتدعى جوانا فهي بريطانية- مسيحية تسكن جنوب لندن وهي من أصول عائلة فلسطينية تم تهجيرها من يافا، وتروي لمقدمة الفيلم الوثائقي سارة آغا (البريطانية الفلسطينية) كيف كانت عائلة والدتها الفلسطينية تعيش بسلام في يافا وتنشط في تجارة البرتقال قبل تهجيرها من فلسطين.

تضع جوانا يدها على عنقها فتمسك قلادة جميلة تزينه وهي عبارة عن خارطة فلسطين التاريخية، ثم تتحدث بتأثر كبير عن جدتها “سليمة” التي كانت جميلة ممشوقة القد، وتستعرض صورا قديمة لعائلة جدتها التي تشردت ولجأت إلى الأردن وتركت خلفها منازلها وبساتين البرتقال التي تملكها.

وتقول جوانا إنها في غاية الشوق لزيارة يافا لتعرف عن كثب ما حصل لعائلتها عام 1948.

وتتواصل قصص الفيلم الوثائقي، الذي أنتجته بي بي سي البريطانية، وتم بث حلقته الثانية والأخيرة على القناة الثانية.

ينتقل الحدث إلى إيطاليا التي تزورها المرأة فيفيان، فتحط رحالها في أحد أماكن تجميع المهاجرين اليهود بين الأعوام 1947 و1950 وكان من بينهم عمتها سوزان وزوجها، بعدما وصلا إلى إيطاليا من مصر تمهيدا لصعود بواخر المهاجرين اليهود إلى فلسطين. وتطلع فيفيان على وثائق تظهر ازدياد أعداد المهاجرين اليهود من مصر إلى فلسطين (عبر إيطاليا) حيث كان العدد 149 مهاجرا عام 1984، لكن ارتفع بشكل كبير ليصل إلى 1705 مهاجرين عام 1949. وتتجول فيفيان – برفقه أحد اليهود المطلعين على ملف الهجرة – في حقل كان يضم مركزا عسكريا تصل قدرته الاستيعابية في كل مرة إلى ألف شخص، ثم تطلع على صورة قديمة لأحد البواخر التي كانت تنقل المهاجرين اليهود إلى مرفأ حيفا عام 1950.

وتواصل فيفيان رحلة اقتفاء آثار عمتها سوزان فتسافر إلى حيفا حيث تطلع على بعض الوثائق ومنها قوائم بأسماء آلاف المهاجرين اليهود الوافدين إلى هناك من إيطاليا عام 1950 بمن فيهم عمتها سوزان وزوج عمتها، وبعد ذلك تذهب فيفيان إلى لقاء بنات عمتها الثلاث، فيتعانقن ثم يتحدثن عن والدتهن وذكريات العائلة في مصر قبل الهجرة إلى حيفا.

في المشهد التالي، تصل جوانا المرأة الفلسطينية المسيحية إلى يافا لتكتشف كيف تم تهجير جدتها سليمة وعائلة أجدادها منها إضافة إلى 100 ألف آخرين تم تهجيرهم من يافا وهم من بين 700 ألف فلسطيني جرى طردهم من فلسطين التاريخية عام 1948. وتصل جوانا إلى المنزل الذي كانت تسكنه عائلتها الكبيرة ثم تزور بستانا من بساتين البرتقال يعود لجدها نخلة، وهو بات مهجورا بعد تهجير أصحابه. تقترب جوانا إلى إحدى الشجرات وتمسك بيدها برتقالة كبيرة ما زالت خضراء اللون، فتشم رائحتها بنفَس عميق يستبطن في داخله كل الحنين، فترتسم على وجنتيها ابتسامة ما تلبث أن تتحول إلى دمعة تنحدر على وجنتيها. وتتابع جوانا رحلتها لاقتفاء آثار جدتها سليمة، فتقصد مدينة طولكرم حيث هربت الجدة وعائلتها من يافا.

وفي طولكرم تلتقي جوانا بخاليها منير وجوني، وبعد عناق وترحيب حار، يذهب بها خالاها إلى منزل قديم كانت سكنته جدتها سليمة، فتتفقد حجراته وكأنها تستشعر حنين الماضي، ثم تبدو مذهولة بعد سماع معاناة الجد والجدة والعائلة كلها “في رحلة التهجير من يافا إلى طولكرم برفقة الأولاد والبنات، وضياع جنى العمر بعدما هاجمت عصابات الهاغانا الصهيونية تلك المنطقة وعاثت قتلا وتهجيرا بحق أهلها، فعاشت العائلة في كمد شديد ما لبث أن مات على إثره جدها نخلة بعد فترة وجيزة”، كما يقول خالها . ثم تذهب جوانا إلى أحد الأسواق في يافا برفقه خاليها جوني ومنير، يستوقفهم بائع عصير البرتقال فتعود بهم الذكريات إلى تجارة الأهل بالبرتقال قبل التهجير، وتختم جوانا قائلة ”إنه من غير العدل أن لا تعود العائلة إلى أرضها وبساتينها”.

ويتابع الفيلم الوثائقي “قصصه غير المروية سابقا”، فيستكمل رحلة المشاركَين في التقديم وهما البريطانية- الفلسطينية سارة آغا، والبريطاني اليهودي روب ريندر.

يواصل ريندر تعقب رحلة عم جده موشيه مالينكي، الذي كان أحد المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا وتعرضوا لمعاناة الهولوكوست، فيقصد ريندر منطقة الجولان ويصل إلى مكان كان مجمعا سكنيا للمهاجرين اليهود ومن بينهم عم جده موشيه، الذي تحول من العمل المدني إلى القتال العسكري بعدما خضع لتدريب مكثف كما يظهر في بعض صورة. ويستعرض له أحد المؤرخين اليهود صورا لموشيه يظهر فيها أيضا مقاتلا في صحراء النقب وسيناء، بعدما جاء مهاجرا من أوروبا. وتظهر الصور أيضا أن موشيه قام لاحقا بالزواج وتأسيس عائلة، فيبدو التأثر على وجه روب ريندر، الذي يعتبر أن قصة عم جده موشيه” هي قصة كثير من اليهود الذين فروا من الهولوكوست وجاؤوا إلى بلاد حلمهم إسرائيل وقاتلوا واستقروا وشكلوا عائلات فيها”.

بالمقابل تظهر البريطانية الفلسطينية سارة آغا في سيارة تنقلها إلى قرية الدلهمية مسقط رأس والدها، الذي أجبر على هجرها مع أهله عندما كان عمره سنتين عام 1948.

هناك تلتقي سارة بالمؤرخ مصطفى عباسي فيشرح لها أهمية الموقع الاستراتيجي للدلهمية ومجاورتها لكل من الأردن وسوريا، وأنها كانت منطقة غنية جدا بكل الخيرات، ثم يعرض أمامها وثائق عن أقاربها وتاريخ عائلتها الكبيرة فيها بمن فيهم القائد الشهير عقيلة آغا الحاسي.

ويضيف “أن جميع أهل الدلهمية كانوا يعيشون فيها بسلام حتى العام 1947 حيث تعرضت لعمليات القتل والتهجير التي نفذتها مجموعات الهاغانا الصهيونية بحق أهلها الفلسطينيين”. وتطلع سارة من المؤرخ مصطفى عباسي على “بعض الوثائق من الأرشيف لما قامت به مجموعات الهاغانا من قتل وإرهاب للفلسطينيين حتى أجبرتهم على الهجرة منها إلى الأردن دون السماح لهم بالعودة“.

تظهر علامات الحسرة على وجه سارة، وتستقل سيارة لعبور الحدود إلى الأردن عند الشريط الشائك الفاصل بين الدلهمية والأراضي الأردنية، لكي تقتفي آثار هجرة أهلها وعائلتها الكبيرة. تلتقي في الأردن بعجوز فلسطيني مهجر من الدلهمية يدعى أبو وسام وهو يقيم على الجهة المقابلة للقرية، وما زال يحلم بالعودة إلى الدلهمية رغم كل تلك السنين من التشرد. تستغرق سارة في سماع حكايا أبو وسام “عن جدها عندما كان فارسا لامعا يتفوق على الجميع في ركوب الخيل”.

تعرض أمامه صورة لجدتها، فيتذكرها وتعصف في نفسه ذكريات التهجير والتشرد بفعل الحرب الإسرائيلية ويقول ”لقد ترك الناس بيوتهم في الدلهمية ومعهم مفاتيحها على أمل العودة إليها في مدة قصيرة، لكننا ما زلنا ممنوعين من العودة إلى قريتنا، ولو كنا قتلنا فيها حينها لكان ذلك اشرف لنا”.

تختم سارة آغا رحلة استكشافها بزيارة منطقة “الدورة ” حيث يسكن عم والدها مع عائلته، وهناك تلتقي بالنسوة اللواتي يرتدين الزي الفلسطيني التقليدي، يجلسن جميعا على مائدة العائلة، يتبادلن بشوق أطراف الحديث، ورغم آلام قصص التهجير والغربة عن فلسطين، لكن المُشاهد يرمق في أعينهن وأعين أطفالهن بريق الأمل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية