فيلم‭ ‬‮«‬اجتياح‮»‬‭ ‬للياباني‭ ‬كيوشي‭ ‬كوروساوا : التمهيد‭ ‬لهجوم‭ ‬فضائي‭ ‬على‭ ‬الأرض‭… ‬بسلب‭ ‬المشاعر

حجم الخط
0

باريس‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬ من‭ ‬سليم‭ ‬البيك‭: ‬ قد‭ ‬يبدو‭ ‬الفيلم‭ ‬واقعيا،‭ ‬بشخوصه‭ ‬وأحداثه‭ ‬الأولى،‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬ساعة‭ ‬الأول،‭ ‬وإن‭ ‬تخلّله‭ ‬بعض‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬لتبرير،‭ ‬إنّما‭ ‬هذا‭ ‬حال‭ ‬السينما،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأحدنا‭ ‬أن‭ ‬يطالب‭ ‬بتبرير‭ ‬واقعي‭ ‬ومفهوم‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يشاهده‭ ‬على‭ ‬الشاشة،‭ ‬فالشروط‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬فيها‭ ‬الأحداث،‭ ‬وتتحرك‭ ‬وتتحدث‭ ‬فيها‭ ‬الشخصيات‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬هي‭ ‬شروط‭ ‬الفيلم‭ ‬وحسب،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ – ‬غالبا‭- ‬سحبها‭ ‬على‭ ‬واقعنا‭.‬

يبدأ‭ ‬الفيلم‭ ‬إذن‭ ‬بيوميات‭ ‬عادية‭ ‬لزوجين‭ ‬في‭ ‬اليابان،‭ ‬بعض‭ ‬تصرّفات‭ ‬الزوج‭ ‬والعاملين‭ ‬مع‭ ‬الزوجة‭ ‬في‭ ‬المصنع‭ ‬تبدأ‭ ‬لتتخذ‭ ‬طابعا‭ ‬غريبا،‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬يحتاج‭ ‬تفسيرا‭ ‬بسيطا‭. ‬تتطوّر‭ ‬المسألة‭ ‬لنخرج‭ ‬تماما‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬كائن‭ ‬فضائي‭ ‬يجول‭ ‬في‭ ‬المستشفى،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬حيث‭ ‬ينتقي،‭ ‬برفقة‭ ‬الزّوج‭ ‬وإرشاده،‭ ‬ضحاياه‭. ‬وهذا‭ ‬الطابع‭ ‬الغريب‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬نتصوّره،‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬ندركه،‭ ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬نتخيّله،‭ ‬إنّما‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬نراه،‭ ‬فبصريا،‭ ‬ليس‭ ‬هنالك‭ ‬أي‭ ‬كائن‭ ‬فضائي،‭ ‬ليس‭ ‬هنالك‭ ‬أي‭ ‬لقطة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أرضية‭ ‬تماما‭ ‬وواقعية‭ ‬ويومية‭ ‬تحدث،‭ ‬شكليا،‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬منّا‭.‬

هنالك‭ ‬تباين‭ ‬إذن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مُدرَك‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬مرئي‭. ‬المدرَك‭ ‬هو‭ ‬حكاية‭ ‬هذا‭ ‬الفضائي‭ ‬الخارق‭ ‬الذي‭ ‬يمهّد‭ ‬لاجتياح‭ ‬كائنات‭ ‬فضائيّة‭ – ‬قمريّة‭- ‬إلى‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض،‭ ‬المرئي‭ ‬هو‭ ‬إنسان‭ ‬ياباني‭ ‬كالآخرين،‭ ‬يتكلم‭ ‬اليابانية‭ ‬كغيره،‭ ‬يقول‭ ‬إنّه‭ ‬مبعوث‭ ‬من‭ ‬الفضاء‭ ‬ليمهّد‭ ‬لاجتياح،‭ ‬وليس‭ ‬هنالك‭ ‬ما‭ ‬يحث‭ ‬على‭ ‬تكذيبه،‭ ‬خاصّة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أظهر‭ ‬قوّته‭ ‬الخارقة‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين،‭ ‬أمام‭ ‬المرشد‭ ‬تحديدا،‭ ‬وهو‭ ‬هنا‭ ‬الزّوج‭ ‬ضعيف‭ ‬الشخصية‭.‬

مهمّة الكائن الفضائي في الفيلم هي سلب ما لدى البشر من مشاعر ومدارك ليتعرّف عليها ويتملّكها

أمّا‭ ‬القوة‭ ‬الخارقة‭ ‬فهي‭ ‬أساس‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬الفيلم،‭ ‬وهي‭ ‬أساس‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭/ ‬الكائن‭ ‬الفضائي،‭ ‬بين‭ ‬اليابانيين‭: ‬التعرّف‭ ‬على‭ ‬المدارك‭ ‬والمشاعر‭ ‬التي‭ ‬لدى‭ ‬النّاس،‭ ‬سكّان‭ ‬هذا‭ ‬الكوكب،‭ ‬فمهمّة‭ ‬هذا‭ ‬الفضائي‭ ‬هي‭ ‬‮«‬استلاب‮»‬‭ ‬ما‭ ‬لدى‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬ومدارك‭ ‬ليتعرّف‭ ‬عليها‭ ‬ويتملّكها،‭ ‬منها‭ ‬الخوف‭ ‬والحياة‭ ‬والمستقبل‭ ‬والكرامة‭ ‬والحب،‭ ‬أمّا‭ ‬أوّل‭ ‬هذه‭ ‬المدارك‭ ‬فهو‭ ‬مفهوم‭ ‬العائلة،‭ ‬إذ‭ ‬تكون‭ ‬الحالة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭: ‬فتاة،‭ ‬زميلة‭ ‬للزوجة‭ ‬في‭ ‬عملها،‭ ‬تبدأ‭ ‬فجأة‭ ‬بالخوف‭ ‬من‭ ‬أبيها،‭ ‬يتم‭ ‬تشخيص‭ ‬حالتها‭ ‬نفسيا‭ ‬ليجد‭ ‬الطبيب‭ ‬أنّها‭ ‬قد‭ ‬فقدت‭ ‬معنى‭ ‬العائلة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تدرك‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ضمن‭ ‬عائلة‭. ‬أمّا‭ ‬آخرها،‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬يحاول‭ ‬استلابه‭ ‬هذا‭ ‬الفضائي،‭ ‬بدون‭ ‬مقدرة،‭ ‬فهو‭ ‬الحب،‭ ‬وذلك‭ ‬بمشاهد‭ ‬أخيرة‭ ‬حيث‭ ‬تقاتل‭ ‬الزوجةُ‭ ‬الفضائيَّ‭ ‬لتخلّص‭ ‬زوجها‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬مريع‭ ‬في‭ ‬ذراعه،‭ ‬يدرك‭ ‬أخيرا‭ ‬الفضائي‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬أمامه‭ ‬هو‭ ‬حب‭ ‬الزوجة‭ ‬لزوجها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الامرأة‭ ‬تذهب‭ ‬حتى‭ ‬النهاية‭ ‬في‭ ‬تخليص‭ ‬زوجها‭.‬

أمّا‭ ‬الألم‭ ‬في‭ ‬الذراع،‭ ‬فهو‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الارتهان‭ ‬للفضائي،‭ ‬إذ‭ ‬يبدأ‭ ‬الفضائي‭ ‬باختيار‭ ‬أناس‭ ‬ليكونوا‭ ‬مرشدين‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬مَن‭ ‬يختاره‭ ‬ليسلب‭ ‬منه‭ ‬مشاعر‭ ‬أو‭ ‬مدارك‭ ‬محددة،‭ ‬وذلك‭ ‬يبدأ‭ ‬بمصافحــــة‭ ‬الفضائي‭ ‬والألم‭ ‬الأوّلي‭ ‬الذي‭ ‬تسببه‭ ‬هذه‭ ‬المصافحة،‭ ‬كأنّنا‭ ‬أمام‭ ‬تعاقد‭ ‬بين‭ ‬الدكتور‭ ‬فوستوس‭ ‬والشيطان‭ ‬ميفوستوفوليس،‭ ‬إذ‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬المصافحة‭ ‬تجنّب‭ ‬المرشدين‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬ضحايا‭ ‬الفضائي‭ ‬كما‭ ‬أنّها‭ ‬تبقيهم‭ ‬رهائن‭ ‬لديه،‭ ‬تحت‭ ‬رحمته،‭ ‬وعرضة‭ ‬لأي‭ ‬لحظة‭ ‬لألم‭ ‬مريع‭.‬

أمّا‭ ‬الزوجة،‭ ‬المحبّة،‭ ‬فكانت‭ ‬الوحيدة‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬لأن‭ ‬تخضع‭ ‬للاستلاب،‭ ‬رغم‭ ‬محاولات‭ ‬عدّة‭ ‬من‭ ‬الفضائي،‭ ‬ولم‭ ‬يُربط‭ ‬ذلك‭ ‬بشيء‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬في‭ ‬الفيلم،‭ ‬إنّما‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬لدى‭ ‬الزوجة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشرح‭ ‬ذلك‭ ‬وتبرّره،‭ ‬فهي‭ ‬طيّبة‭ ‬القلب‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬تساعد‭ ‬أصدقاءها‭ ‬وعطوفة‭ ‬على‭ ‬زوجها،‭ ‬محبّة‭ ‬له،‭ ‬قويّة‭ ‬وشجاعة‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأنّها‭ ‬تحمل‭ ‬المشاعر‭ ‬والمدارك‭ ‬الإنسانية‭ ‬الأصفى،‭ ‬فكانت‭ ‬عصيّة‭ ‬على‭ ‬الفضائي‭ ‬واجتياحه‭ ‬للبشر،‭ ‬وكان‭ ‬هو‭ ‬عاجزا،‭ ‬أخيرا،‭ ‬على‭ ‬القضاء‭ ‬عليها،‭ ‬وكانت،‭ ‬لذلك،‭ ‬المخلّصة‭ ‬للبشرية‭ – ‬وإن‭ ‬بشكل‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه‭ ‬ومشاهد‭ ‬هوليوودية‭ ‬غير‭ ‬مبرّرة‭ – ‬لزوجها‭ ‬واليابانيين‭ ‬والبشرية‭ ‬أجمع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭.‬

الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬وامتدّ‭ ‬زمنيا‭ ‬بشكل‭ ‬معقول،‭ ‬بحكاية‭ ‬وتصوير‭ ‬جيّدين،‭ ‬حيث‭ ‬للغرابة‭ ‬أبعاد‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬وربما‭ ‬فلسفية،‭ ‬أخذ‭ ‬أخيرا،‭ ‬مقتربا‭ ‬من‭ ‬نهايته،‭ ‬منحى‭ ‬آخر‭ ‬متأثّرا‭ ‬بالسينما‭ ‬الهوليوودية‭ ‬التي‭ ‬أنتجت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬‮«‬اجتياحا‮»‬‭ ‬فضائيا،‭ ‬حيث‭ ‬الدولة‭ ‬والشرطة‭ ‬والجيش‭ ‬والإعلام‭ ‬يملؤون‭ ‬الشاشة‭ ‬بحركات‭ ‬سريعة‭ ‬وانفعالية‭ ‬ومفتعلة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬منع‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فيلما‭ ‬بأبعاد‭ ‬إنسانية،‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬أنّ‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬البشرية‭ ‬هو‭ ‬المشاعر‭ ‬والمدارك‭.‬

الفيلم‭ (‬Invasion‭) ‬الذي‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬برلين‭ ‬السينمائي‭ ‬الدولي‭ ‬مؤخرا،‭ ‬والمعروض‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬الصالات‭ ‬الفرنسية،‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬إخراج‭ ‬الياباني‭ ‬كيوشي‭ ‬كوروساوا‭ – ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬السينمائي‭ ‬الياباني‭ ‬أكيرا‭ ‬كوروساوا‭- ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬ذات‭ ‬الأجواء‭ ‬المماثلة‭ ‬في‭ ‬غرابتها،‭ ‬منها‭ ‬‮«‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نتلاشى‮»‬،‭ ‬2017،‭ ‬‮«‬رحلة‭ ‬إلى‭ ‬الساحل‮»‬،‭ ‬2016،‭ ‬‮«‬سوناتا‭ ‬طوكيو‮»‬‭ ‬2008،‭ ‬وهي،‭ ‬وغيرها‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬الدورات‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬كان‭ ‬السينمائي‭ ‬وغيره‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية