رفقي عسافعندما ينهشك الشعور بالذنب، فإن جل ما تحلم بالحصول عليه، هو فرصة ثانية، ولكن هل هذا ممكن في هذا العالم؟ هل هناك حقاً مكان للفرص الأخرى؟
؟ ماذا لو اكتشف العلماء أرضاً ثانية؟ عالماً موازياً.. تحيا فيه أنا أخرى لكل منا في ترميز لإمكانية الفرص الثانية.. هذا ما يحكيه فيلم ‘أرض أخرى Another Earth’ للمخرج الأميركي ‘مايك كاهيل’ في أول أفلامه الروائية الطويلة والحائز على جائزتي لجنة التحكيم الخاصة وجائزة ألفريد سلون في مهرجان سندانس لعام 2011.. فيلم يحكي عن عقدة الذنب، وما نفعله من أجل الحصول على فرصة ثانية للتكفير عن هذا الذنب، ولكن دون أن نقر بذنبنا.. أو نعترف به، فيقودنا الذنب إلى الكذب خوفاً من العواقب، وبالتالي يمضي بنا لاقتراف ذنوب أخرى، بحثاً عن العتق من ذنبنا الأول، فيصبح الذنب أكبر وأكبر، والأذى الذي نسببه، أعمق وأشد وطأة، والاعتذار، الصعب أساساً، يصير أصعب، الفيلم يروي قصة ‘رودا’ الفتاة المراهقة التي تؤدي قيادتها السيارة مخمورة إلى قتل زوجة بروفيسور موسيقي، وطفلها وجنينها، فيغرق الزوج في اكتئاب حاد ويخسر كل شيء، فيما تقضي الفتاة عقوبة إصلاحية، وينهشها الذنب، فتحاول عند خروجها التكفير عنه بأية طريقة.. حتى لو اقتضى ذلك السفر عبر الفضاء.. إلى أرض موازية.. أو على الأقل، محاولة الهرب إلى أرض أخرى.. فيما ضميرها يقودها لمغامرة من نوع آخر.. فيلم فلسفي، أكاد أصفه بأنه لئيم، يضعنا في مقارنة غير عادلة، بين عقدة الذنب، وشجاعة الاعتذار، بين الخيارات التي نتخذها، وعواقبها، ويطرح إشكالية الفرصة الثانية، من خلال السيناريو الجميل الذي كتبه ‘مايك كاهيل’ بنفسه بالاشتراك مع بطلة الفيلم ‘بريت مارلينج’، ومزجا فيه بين الواقعية الإنسانية المفرطة، والغرائبية والخيال في خلفية القصة في مزج مميز.
الأداء التمثيلي الذي قدمته ‘بريت مارلينغ’ جاء مميزاً للغاية، ومعبراً عن أزمة الشخصية التي لعبتها، وشعورها الصارخ بالذنب، كذلك جاء أداء ‘وليام مابوذر’ في دور الأستاذ الجامعي جون بوروز أداء جيداً وإن كنت أعيب على اختياره كممثل صاحب بنية جسمانية قوية، فيما يلعب دور شخصية وقعت في الاكتئاب لسنوات ومن الصعب أن تحافظ على بنية جسمانية خلال هذه السنوات.
الإخراج جاء على مستوى عال، فاختصر الكثير من الكلام بصرياً في فيلم يحكي الكثير بالصورة كهذا الفيلم، وإن كنت قد أختلف مع استخدام بعض أصوات الراوي من العلماء الذين كانوا يتحدثون عن الأرض الأخرى، بلغة علمية وفلسفية مباشرة نسبياً، التصوير السينمائي كان من أجمل ما في الفيلم والذي تولاه ‘مايك كاهيل’ بنفسه أيضاً بالإضافة للمونتاج، واعتمد على مزيج الألوان الباهتة والألوان المريحة تبعاً لمكان الحدث، واعتمد كثيراً في أغلب مشاهده على الإضاءة الطبيعية الخلفية (backlights) مما اعطى الصورة بعداً جمالياً خاصاً ومعبراً.. كما ساهم المونتاج السلس لمخرج يفهم السيناريو والصورة اللتين قدمهما جيداً فاستغل القفزات المونتاجية للتعبير عن الكثير من الأحاسيس الإنسانية.
الموسيقى التي تولى تأليفها الثنائي الموسيقي ويل بيتس وفيل موسمان، المعروف باسم ‘Fall on your sword’ كانت مميزة للغاية وذات دور هام في فيلم يحكي قصة مؤلف وبروفيسور موسيقي، وكان دورها في بعض المشاهد خلاباً.
أرض أخرى، فيلم يخبرنا بأن الهروب، ليس خياراً، وبأن شجاعة الاعتذار والتضحية وتحمل العواقب، هي دائماً الدواء الوحيد للذنب، الذي سيتحول مع كل تفاد وكل كذبة، إلى ذنوب أخرى، تتكالب علينا، وبأنك لست بحاجة إلى أنا أخرى، أو أرض أخرى، أو كوكب جديد، لتجد نفسك، أو لتراها وتواجهها، بل إن العلاج هنا، في داخلك، وهناك دوماً، مكان لفرصة ثانية. شاعر ومخرج أردني/فلسطيني