فيلم «أزهار مكسورة»… التناقض بين الطبيعة البشرية و المجتمع الحديث

كان فوز فيلم «أزهار مكسورة» Broken Flowers (2005) بأحدى جوائز مهرجان «كان» الفرنسي دليلا على أهمية هذا الفيلم الذي أثار ضجة بين نقاد السينما، و حتى أن الممثل «بيل مري» Bill Murray أعد أداءه فيه الأفضل في مسيرته الفنية. و لكن هذا الممثل الشهير لم يكن النجم الوحيد في الفيلم، أذ شاركه في الفيلم «شارون ستون» Sharon Stone و «جسيكا لانغ» Jessica Lange و آخرين. و كان الفيلم من تأليف و أخراج «جيم جارموش».
أحداث الفيلم
يحاول الثري المتقاعد «دون جونستن» (بيل مري) أقناع عشيقته بعدم تركه ألا انها تصر على رأيها لأنه لا يريد عائلة و لاتجد أي مستقبل لعلاقتهما و انها سأمت من وجودها بزير نساء سابق لا يعرف ماذا يريد من علاقته بها. و ذكرته بجاره «ونستن» المتزوج و الأب لعدة أطفال حيث انهم مستمتعين بحياتهم. و أثناء الجدال تجد العشيقة في البريد اليومي ظرفا ورديا فتتهمه عشيقته بأنه من أحدى عشيقاته الكثيرات دون أن تفتحه على الرغم من نفيه ذلك. و تهجر العشيقة «دون» في سيارتها و هو يراقبها مبتعدة.
يجلس «دون» وحيدا في منزله المظلم و الذي يبدو موحشا على الرغم من فخامته النسبية و يشاهد في التلفزيون فيلم «الحياة الشخصية لدون جوان» الذي عرض عام 1934 و مثل الدور الرئيسي فيه «دوغلاس فيربانكس». و يذهب «دون» ألى جاره و صديقه المقرب «ونستن» المهاجر ألأثيوبي الذي يكدح يوميا لتأمين حياة مقبولة لعائلته. و مع ذلك، فأن «ونستن» معجب بالروايات البوليسية و يحاول أن يكون مثل «شرلوك هولمز» في قابليته لحل الألغاز، كما أنه مرح و لطيف المعشر. و يقرأ «دون» الرسالة الوردية أمام «ونستن» و يلاحظ انها رسالة مطبوعة بآلة طابعة على الرغم من أن عنوانه على الظرف مكتوبا بخط اليد. و المفاجأة هي أن الرسالة من أمرأة تدعي أنها كانت على علاقة به قبل عشرين عاما و انها انجبت منه صبيا بعد علاقتهما دون أخباره و قامت بتربيته دون أخباره بهوية والده. و ذكرت أيضا أن الفتى الآن في التاسعة عشرة من عمره و قد غادر المنزل ربما بحثا عن والده. و لكن الرسالة لم تذكر أسم المرسلة و أثارت فضول الجار، فطلب من «دون» تحديد المرأة التي كان على علاقة بها قبل عشرين عاما. و يتظاهر «دون» برفض الفكرة كليا، و لكنه كان في الواقع تواقا لمعرفة حقيقة. و في نهاية المطاف يحدد خمسة نساء كن على علاقة به قبل عشرين عاما. و نجح الجار «ونستن» في تحديد عناوين أربعة منهن حيث أكتشف أن الخامسة قد توفيت ألا انه حدد مكان قبرها. و يحاول «ونستن» اقناع «دون» بزيارتهن كي يعرف صاحبة الرسالة على الرغم من تظاهر «دون» بعدم أهتمامه، كما يطلب منه أن يأخذ معه باقة من الأزهار في كل زيارة و البحث عن أي شيء باللون الوردي لدى كل منهن و أذا وجد آلة طابعة لدى أية منهن عليه جلبها كي يقارن الرسالة بها. و سريعا ما يوافق «دون» و ينطلق لمقابلة المرأة الأولى.


يصبح «دون» مهووسا بهذا الأمر حتى أنه يظن أن كل شاب يراه هو ابنه. و يزور أولى النساء على قائمته، و هي «لورا» (شارون ستون) حيث يلتقي بها و بابنتها «لوليتا» حيث كان زوجها قد توفي في حادث. و تحاول ابنتها أغواءه الآ أنه يتجنبها بشكل حاد. و تعمل «لورا» في مهنة بسيطة و تستقبله بحفاوة حتى أنه يقضي تلك الليلة معها و لكنه يقتنع أنها ليست صاحبة الرسالة. و بعد ذلك، يذهب لزيارة «دورا» التي كانت من الهيبيين عندما عرفها. و لكنه فوجيء بأنها تعمل في مجال العقارات و قد تزوجت من رجل أعمال يعدها شريكة في العمل أكثر مما هي زوجة، و لا أطفال لهما و كان اللقاء متوترا. و يشعر «دون» انها غير سعيدة بزيارته لاسيما بعد قدوم زوجها. و أما المرأة الثالثة فهي «كارمن» (جسيكا لانغ) التي تعمل كمتحدثة مع الحيوانات بعد أن كانت تعمل كمحامية. و من الواضح أنها في الحقيقة محتالة و على علاقة غرامية بسكرتيرتها. و كان «بيني» غير ودية، فتركها «دون» سريعا و أقرت بعدم أنجابها لأي أطفال. و يسافر «دون» لزيارة «بيني» التي يجدها تعيش مع رجال الدراجات البخارية في منطقة نائية ألا انه يجدها حاقدة عليه بشكل مبالغ به و يقوم أحد رفاقها بضربه. و بعد ذلك يذهب «دون» لزيارة قبر «ميشيل» حيث يضع زهورا على قبرها و يجلس صامتا في المقبرة.
يعود «دون» الى منزله حيث يجد رسالة وردية اللون من عشيقته التي تركته في بداية الفيلم تبلغه فيها انها ماتزال تكن مشاعرا تجاهه، فيعرضها على جاره «ونستن» الذي يطرح أحتمال أن الرسالة الأولى كانت خدعة منها. و يأخذ «ونستن» الرسالة الثانية لمقارنتها بالرسالة الأولى من حيث خط اليد.
يشاهد «دون» شابا بعمر أبنه الذي تكلمت عنه الرسالة، فيتقرب منه ظانا انه ابنه فعلا ألا أن الشاب يهرب مرتعبا. و يحاول «دون» اللحاق به دون نجاح حتى يجد نفسه في تقاطع طرق و يرى شابا آخر في سيارة، فيظن أنه أبنه أيضا. و يبقى «دون» في مفترق الطرق حائرا كالمجنون.

تحليل الفيلم

الفيلم رمزي في جميع جوانبه على الرغم من الأنطباع الواقعي الذي يخدع المشاهد. و سبب هذا براعة المخرج و دقة أداء جميع الممثلين. و نجح المخرج في أظهار صعوبة المحاولة اليائسة ل»دون» للعثور على أبنه و هو يتنقل بين مختلف أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من أن تطور الأحداث في الفيلم كان نوعا ما بطيئا. و لكن مغزى الفيلم ليس رحلة في أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية‘ فالشخص الوحيد الذي يعيش في سعادة حقيقية في هذه القصة هو المهاجر الأثيوبي المتزوج و لديه خمسة أطفال على الرغم من كونه غير ثري. و هو شخص بمنتهى المرح و يحاول مساعدة صديقه «دون» بكل أمكانياته، كما أن لديه هواية مثيرة للأهتمام بينما نجد الآخرين في حالة بؤس واضح سواء أكان الأمر متعلق ب»دون» الثري و ذو العلاقات النسائية العديدة أم بكل من النساء اللواتي قابلهن، فحياته جعلته يشعر بوحدة بائسة حتى أنه عندما جلس الى جانب قبر «ميشيل» لم يكن مختلفا عن المدفونين في المقبرة بسبب وحدته و يأسه في الحياة و قريبا سيموت دون أن يتذكره أحد، فحياته تافهة على الرغم من ثروته و علاقاته العاطفية الكثيرة، كما أن جميع النساء اللواتي عرفهن في حالة بائسة و كأن الحياة أزهار مكسورة. و أما «لورا» فعالقة في مهنة لا تدر عليها بالمال الكثير و أبنة تثير مشاكل حقيقية و قد يكون سبب أستقبالها الحار ل»دون» معرفتها أنه ثري، و ليس حال «دورا» أفضل حيث أنها حبيسة زواج مزور، و كذلك «كارمن» التي تحولت من محامية الى محتالة و ربما دون أن تدرك ذلك، و الأسوأ منهن «بيني» التي تعيش في كوخ في منطقة نائية و تعاني من أضطرابات نفسية مرضية. و تعطينا العشيقة التي تركته في بداية الفيلم أول تلميح، أذ انها تتركه لأنه لا يريد عائلة حيث أن الأنسان ذو طبيعة تجعله يحب المرأة و أنجاب الأطفال مما يكون عائلة. و لكن نمط الحياة الحديث جعل المرء ينسى ذلك ألا أذا حدث ما يذكره. و هذا ما حدث في حالة «دون» الذي كانت الرسالة المنبه الذي أيقضه من سباته العاطفي و جعله يشعر أنه يفتقد العائلة، فيبدأ بالبحث عن أبن قد لا يكون موجودا أصلا. و في نهاية المطاف يجد نفسه حائرا في ما عليه أن يفعل. و لكن هنالك بصيص أمل، فعشيقته تريد العودة أليه وهو ليس نفس الشخص الذي تركته العشيقة في بداية الفيلم. و لذلك، بأمكانه القرار لتأسيس عائلة معها.


أن الفيلم تذكير للمشاهد عن ما آلت أليه الحياة الحديثة بكل قسوتها و أن عليه عمل شيء ما للعودة ألى طبيعته الأجتماعية و النفسية، أذ أن هذا المظهر الحديث و المتقدم تقنيا يخفي حياة بائسة و وحدة قاتلة.
هل من الممكن أن يحدث هذا في الحقيقة؟ أن علاقة «دون» بجاره الأثيوبي رمزية و جميلة و لكنها في الواقع صعبة الأحتمال بشكل بالغ. و لكن أن يجد «دون» عشيقاته السابقات و يزرنهن، فهذا أحتمال أصعب حيث على الأغلب سيرفضن لقاءه. و لا نعرف لماذ لم يشرح «دون» لكل من عشيقاته السابقات سبب زيارته و أطلاعهن على الرسالة الوردية.
على الرغم من أداء «بيل مري» الفذ، فأن مظهره كان لا يشجع على التصديق أنه كان يوما ما زير نساء حتى أذا كان ثريا، فقد كان ثقيل الظل و بدى أكبر بكثير من عمره الحقيقي. و لا نعرف سبب أختيار المؤلف، الذي كان المخرج أيضا، أثيوبيا كالبلد الأم للمهاجر الجار أو سبب أختيار موسيقى أثيوبية على نمط الجاز طوال الفيلم و التي كانت صادرة عن قرص كان «دون» يستمع اليه في السيارة في ترحاله، أي أن هذه الموسيقى كانت الموسيقى التصويرية للفيلم.
لم تنته الأثارة بعد عرض الفيلم و فوزه بجائزة «كان» بل أستمرت حيث رفع أحد الكتاب قضية على مؤلف قصة الفيلم متهما أياه بسرقة القصة من أحد أعماله الأدبية و طالبه بأربعين مليون دولار ألا أن المحكمة رفضت الدعوى. و أذا ظن القاريء أن هذه الحالات نادرة، فهو على خطأ كبير لأنه عددها كبير جدا في مجالات السينما و الأدب و الموسيقى.

باحث و مؤرخ من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية