فيلم «ألماس خالص» لأغات رييدينجيه: حلم الخلاص عن طريق السوشيال ميديا

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

كان ـ «القدس العربي» : حين تكون الحياة قاسية ولا تعد بالكثير، يأتي وقت الحلم، الحلم بالثراء والنجاح والشهرة. وفي وقتنا هذا يصبح الحلم، والسبيل إلى تحقيقه في آن، هو وسائل التواصل الاجتماعي، والإنستغرام وتيك توك وتلفزيون الواقع.
في فيلمها الروائي الطويل الأول، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي في دورته السابعة والسبعين (14 إلى 25 مايو/أيار) تقدم المخرجة الفرنسية أغاث رييدانجيه، تشبث فتاة بهذا الحلم المراوغ لتحقيق الشهرة والثراء عن طريق تيك توك وتلفزيون الواقع.
ليان (مالو خبيزي في أداء متميز) هي فتاة في التاسعة عشرة، تأتي من أسرة فقيرة وبيت مفكك في فريجوس في فرنسا، هي فتاة تواجه قسوة الحياة بصلابة وقوة، تواجه المتحرشين من الشباب المحيطين بها، تحتال على شظف العيش بسرقات صغيرة من متاجر العطور والملابس، وتدّخر المال لتتأهب لحلمها الأكبر، أن تصبح في شهرة وثراء نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان. ولتحقيق هذا الحلم هي في حاجة للمال، لإجراء عمليات لتكبير الثدي والأرداف والشفاه. لا تتوانى رييدينجيه في إظهار الواقع الصعب الذي تحياه ليان، فنرى الأثاث المتهالك والبيت الرث، والأم التي لا تلقي بالا للصغار. ويأتي أداء خبيزي وحضورها الكبير، ليمنح الفيلم الكثير من القوة، لكن افتقار الفيلم إلى حبكة حقيقية في بعض أجزائه، وتفكك سرده في أجزاء أخرى يحد من تأثيره. ويبدو لنا كما لو أن الفيلم يعطي شرعية ومشروعية لحلم الشهرة والثراء السريع عن طريق التيك توك، شهرة تفتقر إلى الموهبة أو المجهود، وتكرّس لتصوّر معيّن لجسد المرأة ومقومات جمالها، تصور قائم على عمليات التجميل، وتسليع المرأة وجسدها.
في مشهد من مشاهد الفيلم تصيح ليان في تحدٍ أنها ترتدي ما يحلو لها لأنها حرة، لا يملي عليها أحد ما تفعل أو ترتدي، لكنها في الواقع محكومة بنموذج الجمال وجسد المرأة، الذي تراه على تيك توك ويجذب المشاهدين، وتنفق المال الذي ادّخرته لتتحول لتلك الصورة المختلقة للجمال.

المخرجة أغات رييدينجيه تتوسط طاقم الفيلم في المهرجان أمس

بعد نشأة مفككة، تعيش ليان بضع سنوات تحت وصاية الرعاية الاجتماعية، لكنها تعود لاحقا إلى المنزل لرعاية أختها الصغرى، التي تحاول تحويلها لصورة مصغرة من نفسها، ذات حواجب كثيفة رسمت رسما بالوشم، وحركات رقص موحية، رغم عمرها الذي لا يتجاوز عشرة أعوام. وتقدم المخرجة هذه المحاولات من ليان لتحويل أختها إلى نسخة مصغرة منها كأمر واقع، ولا تقدم أي تساؤلات عن الأمر. لليان آلاف المتابعين على الإنستغرام، وهي تعزز صورتها وشهرتها يوما عن يوم، لكنها تحلم بفرصة أكبر تمنحها الثراء والانتشار على نطاق واسع. وتأتي الفرصة عن طريق اتصال من برنامج لتلفزيون الواقع، كانت ليان قد أرسلت إليه مقطع فيديو راقص فيه الكثير من الإغواء. يمنحها الاتصال فرصة لتجربة أداء في البرنامج، تسبقها مقابلة شخصية معها، لكنها مقابلة تختلف عن تصورنا للمقابلة الشخصية. نتصور المقابلة الشخصية للحصول على وظيفة بملابس رسمية أمام لجنة اختبار في زي رسمي أيضا، لكن ليان تكتشف أن عليها لاختبارها، أن ترتدي ملابس موحية تكشف الكثير من جسدها، وعليها أن ترسم شخصية مغوية، لأن هذا ما يجلب المشاهدين للبرنامج. تقول لها المسؤولة عن تقييمها، التي لا نراها قط، إن على عاتقها مسؤولية كبيرة إذا فازت بدور في البرنامج، فهي بحصولها على هذا الدور تعطي أملا للكثير من الفتيات مثلها بالشهرة والنجاح والمال. ربما من الأمور المثيرة للانتباه في الفيلم هي استخدام المخرجة لتعليقات المعجبين التي تتلقاها ليان من جمهورها على الإنستغرام كنص مكتوب على الشاشة، كما لو أن هذه التعليقات هي ما تؤمن به ليان حقا، حتى تصبح عقيدتها ودينها الخاص، فهي تردد تلك العبارات لتستمد منها التشجيع، والإعجاب بالذات والقدرة على الاستمرار.
ربما أكثر المشاهد تأثيرا في الفيلم هو ذلك المشهد الذي تستخدم فيه ليان إبرة ساخنة لرسم وشم على بطنها، نراها ترتعد خوفا وتهتز يدها توترا ونرى الألم جليا واضحا على وجهها حتى أنها تكاد أن تفقد وعيها. لكنها رغم الألم ترسم ابتسامة مغوية على وجهها، وتبدأ تسجيلا حيا على الإنستغرام للحصول على دعم متابعيها ومعجبيها. يصبح الألم أمرا هينا أمام الرغبة في الشهرة والانتشار والثراء. تلتقط رييدينجيه برهافة تلك العلاقة المتشابكة بين الرغبة في الظهور والشهرة، والرغبة في الثراء حتي إن كان ذلك سيسبب الكثير من الألم.
ليان هي مركز الفيلم ومحوره، وبفضل أداء خبيزي نجد أنفسنا منجذبين لها، متابعين لحركاتها وسكناتها. يمكننا القول إن ليان هي الشخصية الوحيدة المرسومة بعناية في الفيلم، أما بقية الشخصيات فهي واهية كرتونية إلى حد كبير. نحن لا نعرف قط ما العلة في شخصية الأم، وما سبب عدم اعتنائها بأبنائها، وصديقات ليان لا نعرف عنهن شيئا، بخلاف أنهن يصحبنها إلى المرقص. حتى صديقها الذي يهواها ويتمنى أن تبادله المشاعر ذاتها، ليست له شخصية واضحة المعالم، ولا يخدم وجوده إلا في إيضاح رغبة ليان في التخلي عن كل ما يربطها بماضيها فور فوزها بدور في برنامج تلفزيون الواقع. في نهاية الفيلم نراها في الطائرة متجهة إلى موقع تصوير البرنامج تطل من النافذة على واقعها الجديد مبتعدة عن كل ما يربطها بالماضي.
ثمة مشهد في الفيلم تركض فيه ليان للفرار من حراس متجر في أحد مراكز التسوق، بعد إمساكهم بها، بعد محاولة سرقة بعض الملابس. تركض ليان وتركض حتى تصل إلى حفل أنيق فتدخله للاختباء وسط الضيوف، وهناك تقابل مجموعة من الرجال مرتدي الحلل الأنيقة في منتصف العمر، فتعرض عليهم أن ترقص لهم مقابل الحصول على ألف يورو. وفي غرفة فندق ترقص ليان رقصا موحيا مغويا، بينما يشتعل الرجال رغبة، لكنها فور حصولها على النقود تفر من الغرفة. يضعنا هذا المشهد في حيرة من أمرنا، فهل يبرر الفيلم هذا التصرف ويجده طريقة مبررة ومستساغة لكسب النقود. يضعنا الفيلم أمام الكثير من التساؤلات حول كيفية الحصول على المال والشهرة، لكنه يتركنا في حيرة من أمرنا، عما إذا كان يقر استخدام المرأة للإغواء ولجسدها للحصول على الثراء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية