لندن – «القدس العربي»: من النادر أن ينجح فيلم في تحويل التاريخ إلى مأساة وجودية، وأن يجعل من موسيقى القرن الثامن عشر مرآة لصراعات أزلية بين الإنسان وظله.
«أماديوس» لميلوش فورمان، وهو من إنتاج عام 1984، ويعاد عرضه حالياً في العديد من دور العرض البريطانية، ليس مجرد سيرة ذاتية عن فولفغانغ أماديوس موزارت، بل هو عمل متشعب الطبقات. إنه فيلم عن الفن بقدر ما هو عن الرغبة، عن الطموح بقدر ما هو عن الخطيئة، عن الفرق الشاسع بين الموهبة الفذة، ومن يتقن عملاً نتيجة لسنوات من التدرب والدراسة، وعن سؤال قديم لا يشيخ: لماذا تمنح الأقدار أحيانا العبقرية لمن لم يبذل جهداً في التحصيل أو العمل الدؤوب؟ منذ المشهد الافتتاحي، حيث يحاول أنطونيو سالييري المؤلف الموسيقي السابق للبلاط الملكي في النمسا، والمودع حالياً في مصحة للأمراض العقلية، الانتحار، ندرك أننا أمام رواية تُحكى من قلب الجرح. صياغة القصة عبر عيني سالييري ليست مجرد خيار درامي، بل رؤية فلسفية: فالرجل الذي عاش حياته طامعاً في الموهبة الفذة، تلك المنحة الإلهية التي لم يحصل عليها قط، يجد نفسه مجرد ظل لرجل آخر، شاب طائش، وقح، يحمل في أعماقه ما يظن سالييري أنه هو نفسه جدير به: موهبة خالدة.
سالييري ليس شريراً تقليدياً، بل شخصية مأساوية في جوهرها. هو مؤمن حد التطرّف بفكرة العدل الإلهي، متدين يعتقد أن الفضيلة طريق إلى المجد، وأن العمل الدؤوب يجب أن يؤدي في النهاية إلى إنتاج عمل موسيقي يخلد في ذاكرة الأجيال، حين يرى موزارت، ينهار نظامه القيمي كله. الغيرة عنده ليست شعوراً عابراً، بل أزمة وجودية، ثورة مكتومة على السماء ذاتها. يتأرجح بين إعجاب بموزارت يقترب من العبادة، وحقد يقترب من الجنون والكفر. هذا التناقض الداخلي هو ما يمنحه عمقاً نادراً في السينما: رجل يرى في نفسه خادماً للفن، لكنه مضطر لأن يكون شاهداً على عظمة الآخر. في المقابل، يرسم فورمان صورة لموزارت مغايرة للتوقعات الرومانسية. لا نراه بطلاً مهيباً، بل مخلوقاً طفوليا، نزقا، طائشاً يضحك ضحكة صاخبة، تكاد تثير النفور قبل الإعجاب. هذا التناقض بين سلوكه الهزلي وموسيقاه التي تلامس المطلق، هو قلب الفيلم النابض. عبقرية موزارت هنا ليست نتاج وعي متعالٍ، بل هي فيض غامض، أشبه بالوحي، يمرّ عبر جسد هش وروح غير محصنة ضد الابتذال اليومي.
تبلغ المفارقة ذروتها في مشاهد السخرية التي تتقاطع مع لحظات الإبداع. نرى موزارت يلهو كطفل ثم يكتب مقطوعات تُدهش القصور الأوروبية. هذه الازدواجية تحوّل الشخصية إلى معضلة أخلاقية وجمالية: كيف يجتمع التهتك مع الصفاء المطلق؟ وهل هذه البراءة الصاخبة كانت درعاً ضد ثقل عبقريته، أم لعنة أودت به إلى هاوية الوحدة والموت المبكر؟ لا يمكن الحديث عن «أماديوس» من دون التوقف عند استخدام الموسيقى. فورمان لا يوظف أعمال موزارت كزخرفة، بل يجعلها عنصراً بنيوياً في السرد. المونتاج يتنفس مع الإيقاع، والكاميرا تتسارع على وقع سيمفونيات تتصاعد لتوازي التوتر الدرامي. مشهد «قداس الموت» مثال صارخ: موزارت على فراش النهاية، يلقّن سالييري النوتات، فيما الموسيقى تتحرر من ثقل الجسد، لتصير أشبه بخلاص يتحدى الموت ذاته. هنا يلتقي السمعي والبصري في ذروة نادرة: الضوء الشاحب في الغرفة، العرق المتصبب من جبين موزارت، والريشة التي تكتب آخر أنفاس العبقرية. كل تفصيلة بصرية هنا مغموسة في وعي الموت، لكنها لا تلغي الألق الإبداعي الذي يفيض من الأوركسترا المتخيلة في أذهاننا. هذه المزاوجة بين حضور الفناء وسحر الخلود هي جوهر الفيلم: الجسد ينهار، لكن الفن يكتب بمداد أزلي.

ما يميز «أماديوس» أنه لا يحصر الغيرة في بعدها النفسي، بل يرفعها إلى مستوى لاهوتي. سالييري لا يحقد فقط على موزارت، بل على الله نفسه الذي خذله. الغيرة هنا جحيم داخلي، لا يحتاج إلى نار لتلتهم الروح. نسمعها في اعترافاته أمام القس، في صرخته الشهيرة: «لماذا؟». هذا السؤال المفتوح هو الذي يمنح الفيلم بعده الفلسفي. الأدهى أن سالييري، رغم وعيه بمحدوديته، يدرك عظمة موزارت بصفاء تام، حتى أكثر من موزارت نفسه. هذه المعرفة المزدوجة ـ الوعي بالقيمة والعجز عن بلوغها ـ تجعل معاناته مطلقة. في لحظة ما، يبدو كأنه يفضّل لو كان أعمى عن الجمال، بدل أن يكون شاهداً عليه من خلف جدار لا يمكن تجاوزه.
لا يغفل الفيلم جانب البلاط الإمبراطوري كخلفية للصراع، حيث تتحكم السياسة في مسار الفن. الإمبراطور جوزيف الثاني بشخصيته المترددة يجسد السلطة التي ترى في الموسيقى زينة لا أكثر، بينما الصراعات بين المحافظين والتجديديين ترسم خريطة لواقع يتكرر عبر العصور: كيف يُقاس الفن بمعايير الذوق الجمعي والهيمنة السياسية؟ هذه الطبقة الإضافية تمنح «أماديوس» بعداً نقدياً، يذكرنا بأن العبقرية لا تزهر في فراغ، بل في حقل ألغام من المصالح والقيود. اختار فورمان أن يدمج لغة المسرح بالسينما، دون أن يفقد حيوية الصورة. الأزياء الفخمة، الإضاءة الدافئة التي تحاكي لوحات عصر الباروك، وحركة الكاميرا التي تتسلل بين الديكورات، كلها عناصر تُشعرنا بأننا في فضاء مسرحي لكنه نابض بالسينمائية. هذا التوازن يمنح الفيلم فرادته: نحن أمام لوحة زيتية تتحرك على الشاشة، حيث يتجاور الصخب البشري مع الصفاء الموسيقي في توليفة بصرية مذهلة. حتى استخدام الظلال في المشاهد الليلية يعكس ثنائية النور والظلمة التي تحكم العلاقة بين موزارت وسالييري: الأول نور متقد لا يدوم، والثاني ظل طويل يتمدد كلما اقترب النور من نهايته.
«أماديوس» ليس عن موزارت وحده، بل عن كل فنان عبقري يقف وحيداً في مواجهة الزمن. هو أيضاً عنّا نحن، حين نحلم بالكمال ونتصادم مع محدوديتنا. الفيلم يذكّرنا بأن العبقرية لا تُقاس بالجدارة الأخلاقية، وأن الجمال قد يخرج من قلب الفوضى. في النهاية، لا يبقى من الصراع سوى الأثر: موسيقى تتحدى الموت، وفنان عاش ومات دون أن يعرف أنه سيخلّد. ربما لهذا السبب، ورغم مرور أربعة عقود على صدوره، لا يزال «أماديوس» فيلماً حياُ، يوقظ فينا الدهشة والأسى في آن. لأنه ببساطة، كما قالت الموسيقى التي ملأت فضاءه: كل ما هو إنساني هش، إلا الفن، فهو وعدٌ مؤجل بالخلود.