فيلم «أمينة»: بروباغندا وإن طارت… «بي بي سي» تفتن بين تركيا والجزائر.. والمترجم الفلسطيني “خائن” من فرط نضاليّته!

حجم الخط
2

لو كان في الإمكان إدخال تعديلات على الفيلم السينمائي السوري «أمينة»(2017)، باكورة أيمن زيدان في مجال الإخراج السينمائي (أتيح أخيراً للمشاهدة ضمن مبادرة «السينما في بيتك» التي أطلقتها «المؤسسة العامة للسينما» في سوريا)، لاقترحنا عليه، من بين مقترحات كثيرة أخرى، أن يعدّل اسم الفيلم إلى «سهيل»، فهذا هو البطل الحقيقيّ للفيلم، وما شخصية أمينة (أدّتها الممثلة نادين خوري) سوى تكرار مملّ لعشرات شخصيات الأمهات اللواتي عرفناهن في مسلسلات سورية، حيث الأم «المناضلة» التي تقوم بأعباء العائلة، إثر وفاة رب الأسرة وغياب المعيل، وطمع الطامعين بأرض البيدر.. وما يزيد من وجاهة اقتراح نقل البطولة إلى سهيل، العسكري السوري الذي شلّته الحرب تماماً (يؤديه جود سعيد)، أن الممثلة خوري لم تكن مقنعة في أداء الشخصية، ولا نعني هنا لناحية عدم إتقان اللهجة وحسب (لهجة الساحل السوري)، بل وكذلك التمثيل الرديء الذي لم يؤهل الممثلة عبر سنوات عملها الطويل إلا لأدوار هامشية.

فيلم “أمينة” هو نوع من البروباغندا، وليس ذلك غريباً ما دام من إنتاج «المؤسسة العامة للسينما» في زمن الحرب. هو دعاية سياسية تحت عناوين اجتماعية تزعم تمجيد كفاح المرأة السورية. بروباغندا، وإن تقنّعت بصور سينمائية وإضاءة، أو تخفّت وراء أفلام عالمية استعار المخرج وكاتب السيناريو فكرة أحدها ليسند فيلمه.

لكن ذلك لا يعني أن جود سعيد لعب شخصية سهيل بشكل أفضل، فالأخير هو مجرد شاب مشلول ممدّد على السرير لا يقوى حتى على الكلام إلا بتحريك عينيه بالنفي أو الإيجاب. لقد أراد المخرج أن يجعل منه بطلاً بالإكراه. لا نحسب الأمر مجرد مجاملة أو ردّ جميل من مخرج لمخرج زميل (كان المخرج جود سعيد قد أسندَ لأيمن زيدان ممثلاً دور البطولة في فيلمه «درب السماء» (2016)..)، فالأمر يتعدى ذلك إلى محاولة تأليه جندي النظام السوري، حيث الحضور الجسدي الاستثنائي لشخصية سهيل، فالكاميرا لا تكف عن التجول فوق جسده، خصوصاً في لقطات الاستحمام، وصولاً إلى تلك اللقطة التي تقبّل فيها الأم، أمينة، قدم ابنها أثناء الغسل، وربما كان أكثر شاعرية لو أنها قبّلت جبينه أو عينيه، لكن يصعب ألا نفسّر المشهد إلا كاستمرار لموجة تقبيل أحذية العسكر، وصنع التماثيل لها، ووضعها فوق الرؤوس من قبل مؤيدي النظام السوري.
الفيلم هو نوع من البروباغندا، وليس ذلك غريباً ما دام من إنتاج «المؤسسة العامة للسينما» في زمن الحرب. هو دعاية سياسية تحت عناوين اجتماعية تزعم تمجيد كفاح المرأة السورية. بروباغندا، وإن تقنّعت بصور سينمائية وإضاءة، أو تخفّت وراء أفلام عالمية استعار المخرج، وكاتب السيناريو، فكرة أحدها ليسند فيلمه. بروباغندا وإن طارت.

نحن الإيطاليين!

بالتضاد مع كل الفيديوهات الإيطالية العذبة التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي، وسحرت جهات الأرض، سيطغى لبعض الوقت فيديو تداوله البعض على نحو فجائعي، فهو يستعرض أجمل مناظر المدن والتحف والأبنية التاريخية وسواها من أمجاد إيطاليا على وقع تعليق عاتب، إن لم نقل لاذع في عتابه، فهو مبني على لوم دول أوروبية «تنكّرت» لفضل إيطاليا على العالم، كفرنسا وألمانيا اللتين لم تنجدا جارتهما بالكمامات الطبية، على حد زعم الفيديو (فرنسا تعاني هي نفسها نقصاً حاداً بالكمامات، ومصيبتها مع فيروس كورونا تكاد تقترب من المصيبة الإيطالية. أما ألمانيا فقد أرسلت بالفعل طائراتها لحمل مصابين إيطاليين إلى مشافيها).
يروح الفيديو، الموقّع بصوت سيدة إيطالية، يستعرض فضل إيطاليا في تعليم أوروبا الأبجدية، ومنح فرنسا كروم العنب وتعليمها صناعة النبيذ. تكرر السيدة صاحبة الفيديو، الرسالة، أمام كل فقرة عبارة «نحن الإيطاليين». تتحدث عن علماء إيطاليا وفنانيها وبحارتها العظام، دافنتشي وماركو بولو وكولومبوس وميكيل انجلو وغاليليو ودانتي.. وكذلك عن اختراعها العمارة والجامعات والبنوك وجبنة البارمازان والموزيريللا والمرتديلا والسلامي والبيتزا.. ثم تلتفت إلى تذكير ترامب: «دعنا نذكّرك سيد ترامب؛ لولا بحارتنا الإيطاليين لكنتم في أرض جرداء».

يبدي بعض السوريين شماتة بموت الإيطاليين، بحجة أنهم لم ينجدوا مراكبهم الغارقة في عرض البحر أيام موجات اللجوء القاسية، وهم يشيرون بالتحديد إلى غرق قارب فيه عشرات الأطباء السوريين، يقولون لو أن الإيطاليين هبّوا لنجدتهم لاستفادوا منهم اليوم في مشافيهم!

من دون نقاش التفاصيل، من دون الحاجة إلى تدقيق مزاعم «السيدة الإيطالية»، إذ إن في إمكان الجميع أن يتحدثوا، في دائرة لا تنتهي، عن أفضال قدّموها بدورهم، يمكن لمس خطاب عنصري في العمق، وليس من المستبعد أن يكون وراء الفيديو أقطاب يمينة تجهد في استثمار الوباء لمطامع سياسية. لعله مؤشر على الآثار الكارثية المتوقعة بعد انقضاء الجائحة. بل إن بعض آثار الكارثة قد بدأت في الظهور بالفعل، لا أدري لماذا أجد خطاب بعض السوريين الشامت في الإيطاليين غير بعيد عن الفيديو الإيطاليّ، ولعله وجه آخر له، بحجة أن الإيطاليين لم ينجدوا مراكبهم الغارقة في عرض البحر أيام موجات اللجوء القاسية، وهم يشيرون بالتحديد إلى غرق قارب فيه عشرات الأطباء السوريين، فلو أن الإيطاليين هبّوا لنجدتهم لاستفادوا منهم اليوم في مشافيهم!
إن من يموت اليوم في البلد الجميل والعريق ليسوا هم أنفسهم من لم يهب لنجدة المراكب الغارقة، وربما في الوسع الحديث عن أمثلة أخرى أوسع ساهمت في نجدة واحتضان السوريين وغيرهم.
كذلك فإن الحكومات الأوروبية ليست شعوبها، إذ إن هؤلاء إخوتكم في مصيبة تستلزم، في لحظة الغرق العاتية هذه، النظر إلى فتحة ممكنة في النفق، لا إلى الماضي المجيد!

مشروع فتنة

«شرطة اسطنبول أهانت الشعب الجزائري». هذا عنوان فيديو لـ «بي بي سي» يعرض كيف علق حوالي ألف من المسافرين الجزائريين في مطار اسطنبول، ومناوشاتهم مع شرطة المطار قبل نقلهم إلى الحجر الصحي. لكن لا يكفي أن تقول امرأة من بين العالقين إن الجزائريين قد أهينوا حتى نصدق ونتبنى الرواية، ونحوّلها إلى عنوان (ولو أن المحرر جعل العنوان الخارجي غيره في الداخل، إذ أصبح «فيروس كورونا: ماذا حدث للجزائريين العالقين في مطار اسطنبول؟»).
العنوان العريض هو استنتاج لا يليق بقناة تدّعي الموضوعية والحياد. عنوان ليس سوى مشروع فتنة وتحريض.

المترجم الخائن

أغرب، وربما أطرف ترجمة يمكن للمرء أن يستمع إليها ستكون في برنامج يحمل اسم «جولة في الصحافة العبرية» في وكالة «معاً»، حيث شاهدنا واستمعنا أخيراً، وربما لمناسبة رحيل تيريز هلسا، إحدى خاطفي الطائرة الإسرائيلية «سابينا»، العملية التي جرت العام 1972 من قبل منظمة «أيلول الأسود»، إلى مقدم ومعدّ البرنامج ناصر اللحام يعرض في الحلقة الأخيرة من برنامجه فيلماً إسرائيلياً عن العملية، حيث راح يرافقه بالتعليق تماماً كما يجري في مباريات كرة القدم، لكن اللحام هنا لم يكن يترجم الحوار وحسب، بل يصف المشاهد التي نراها أمامنا بالتفصيل، والأهم من ذلك أنه راح يلقّن المشاهدين، ينبههم مثلاً إلى النظرات الحنونة التي يلقيها المناضل الفلسطيني علي طه نحو طفلة صغيرة على متن الطائرة، يفسر انفعالات الممثلين، بل ولا يتردد هو نفسه في إبداء انفعالاته وانطباعاته الشخصية.

يتصرف الإعلامي ناصر اللحام في برنامجه كمناضل لا كإعلامي، وربما كوصيّ وأخ أكبر للمشاهدين، مما يجعل المشاهدة فكاهية بعض الشيء.

يتصرف الإعلامي ناصر اللحام في برنامجه كمناضل لا كإعلامي، وربما كوصيّ وأخ أكبر للمشاهدين، مما يجعل المشاهدة فكاهية بعض الشيء، إلى جانب خرقه القواعد المهنية.
لطالما جرى النظر إلى المترجم عموماً كخائن للنص الأصلي، فمهما بلغ من الأمانة لا بدّ له أن يحيد عن الأصل، هناك دائماً استحالة في التطابق مع الأصل. الإعلامي ناصر اللحام، وبالضبط من فرط نضاليته، كان أيضاً المترجم والإعلاميّ “الخائن”!

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية