فيلم «أنورا»: بين غواية الفوضى وإخفاق العمق

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
1

حين يظفر فيلم بخمس جوائز أوسكار من أصل ستة ترشيحات، بعد أن كان قد غنم «السعفة الذهبية» في كان، فإننا نميل تلقائيًا إلى الاعتقاد بأننا أمام عمل مكتمل، أو على الأقل أمام تحفة تبرر كل هذا الصخب. «أنورا» إنتاج 2024 لشون بيكر يورّطنا في هذا الاعتقاد منذ اللحظة الأولى، قبل أن يجرّدنا منه ببطء، مشهدًا بعد آخر، كمن يترك قطعة ثلج تذوب بين أصابعه. بيكر، الذي صنع لنفسه مكانة بين الأصوات المهووسة بحياة الهامش يعود إلى ثيمته الأثيرة: شخصيات تسير على الحافة، لكنها هنا تنزلق في فوضى لا تخلو من الإغراء. قصة عاملة الجنس من بروكلين، التي تقع في حب ابن ملياردير روسي، تبدو للوهلة الأولى كما لو كانت صرخة في وجه الطبقية، غير أن هذه الصرخة سرعان ما تتحوّل إلى نكتة طويلة ـ وربما أطول مما ينبغي. الموضوع: نوايا تتسرب قبل أن تُمسك بها الكاميرا. بيكر يحب المهمشين، هذا صحيح. لكنه هنا يحبهم كما يحب البعض صور الشوارع على «إنستغرام»: كخلفية فنية أكثر من كونها واقعًا معقدًا. يلوّح لنا بنقد للطبقية، وبأسئلة عن الحب والمصلحة، لكن يده المرتعشة تسقط الشعلة قبل أن تضيء شيئًا. الكوميديا، التي يستخدمها لتخفيف التوتر، تتحول إلى ملاذ آمن للهروب من العمق، لا جسر إليه. العلاقة بين أنورا وإيفان كان يمكن أن تكون مرآة لجدلية السلطة والهوية، لكن الفيلم يختار الطريق السهل: الضحك على الفوضى. يظل السؤال قائمًا: هل أراد بيكر أن يمنحنا هجاءً للواقع، أم أراد فقط أن يمرح قليلاً في أزقة بروكلين؟

الفوضى كحيلة
سردية أم كمأزق؟

الإطار السردي يبدأ بمقدمات تَعِد بما هو أكثر من مجرد حكاية حب طائش: بيكر يضع أنورا في قلب لعبة لا أحد يربح فيها. لكن ما إن نغادر الدقائق الأولى حتى يخيّل إلينا أننا في منطقة رمادية بين الكوميديا السوداء والمأساة المبتذلة. النصف الثاني يشتعل فوضى، نعم، لكنه اشتعال محسوب بعناية، كرقصة على حافة الطاولة: ممتع في لحظاته، خانق في تكراره. أما النصف الأول، فيكاد ينهك صبر المشاهد. خمس وأربعون دقيقة من التمهيد المفرط، لا يضيف خلالها شيئا إلى ملامح الشخصيات. إنها تلك الدقائق التي تحاكي صمت الندم بعد ثرثرة غير ضرورية.
شون بيكر يعرف كيف يلعب بالإيقاع، لكن معرفته تتحول هنا إلى لعبة خطرة. النصف الأول من الفيلم يترنح في بطء يحسبه المخرج عمقًا، لكنه يبدو، في كثير من الأحيان، مثل ضيف أطال البقاء بعد انتهاء الحفلة. خمس وأربعون دقيقة من النوادي الليلية والرحلات الفاخرة، مصممة لتقول لنا: أنظروا كم هما عاشقان، لكنها لا تقول أكثر من ذلك. المشاهد تُمنح «مساحة للتنفس» كما يظن بيكر، غير أن هذا التنفس يقترب من الاختناق. ثم، فجأة، كأن أحدهم بدّل الشريط، ينفجر الإيقاع في النصف الثاني. تتسارع الخطوات، الكاميرا تهتز، القطع السريع يحكم قبضته، والفوضى تصير أداة جمالية. هنا يستعيد بيكر بريقه حيث كل حركة محسوبة بدقة، وكل اصطدام يبدو عفويًا، كما لو أن الإخراج يرقص على حبل مشدود. ومع ذلك، هذا التحول الصارخ يجعله فيلماً بشخصيتين لا تلتقيان: واحدة متأملة حتى الملل، وأخرى هستيرية حتى الضحك. فيلمان في جسد واحد، يشدّ كل منهما نحو جهة مختلفة.
بيكر، مخلص لواقعيته الموشّاة بتفاصيل الحياة الصغيرة. بروكلين هنا ليست مدينة؛ إنها جرح يتلألأ تحت أضواء النيون. الكاميرا تتسكع بين النوادي الليلية والشقق الضيقة كمتطفل يعرف متى يخفض صوته. ومع ذلك، ثمة شيء مستهلك في هذه اللغة البصرية. جمالها لا يُنكر، لكنه جمال سبق أن رأيناه في أفلامه الأخرى، حتى بات أشبه بتوقيع لا يغامر بتغيير الحبر.

النقد الاجتماعي: خطاب معلّق بين النية والإنجاز

هل الفيلم يتصدى لموضوعة السلطة والطبقية؟ أم عن الحب كخرافة معاصرة؟ الأسئلة تظل معلّقة في الهواء، بلا إجابة سوى الضحك على المواقف العبثية. بيكر يلوّح بنقد اجتماعي، لكنه لا يلتقطه. الروس هنا يتحدثون بلهجات مثقلة بالصور النمطية، والعاملات في الجنس يلمعن تحت إضاءة «الرومنسة» المريبة. لا نكاد نعرف إن كان المخرج يتعاطف مع شخصياته، أم يضعها في سيرك للإضحاك. هو فيلم طموح، أُنجز بإتقان بصري، وتقمّصته ممثلة تعرف كيف تحرق الشاشة. ومع ذلك، حين يغادر الضوء القاعة، لا يبقى في الذاكرة سوى طيف باهت لصرخة لم تكتمل، وحكاية بدأت بوعود كبرى، وانتهت بسؤال صغير: هل كانت الفوضى خياراً فنياً أم ستاراً لسطحية لا يعترف بها الفيلم؟

حين يصبح التكرار
مرادفًا للمهارة

الفيلم ليس عملًا عظيمًا. لكن شون بيكر يظل بارعًا في الإمساك بتفاصيل الحياة اليومية، وفي إدارة الفوضى كما لو كانت لوحة انطباعية، مدعومًا بأداء مايكي ماديسون، التي تشعّ في كل مشهد كشرارة في عتمة. ومع ذلك، يبقى السؤال: ماذا بعد؟ الإيقاع غير المتساوي، التكوين البصري الذي يكرر نفسه كما لو أنه إعادة تدوير لأفكار بيكر السابقة، والتردد الواضح في مواجهة موضوعاته بجرأة فكرية، كلها تجعل الفيلم يلتصق بمنطقة الأمان، حتى وهو يتظاهر بالمخاطرة. الفوز بالسعفة الذهبية، ثم اكتساح الأوسكار، يضع العمل في خانة «المبالغة في التقدير»، لأن ما نراه هنا ليس الإبداع الثوري، بل الحرفية العالية التي تحب التباهي بنفسها. الفيلم شهادة جديدة على موهبة بيكر، لكنه في الوقت نفسه وثيقة اعتراف بأن الموهبة، حين تكرر نفسها بلا اختراق، قد تتحول إلى عدو الابتكار.

الصورة: جمال مألوف
حتى الاستهلاك

مع بيكر، الصورة ليست زينة؛ إنها لغة. غير أن هذه اللغة، في «أنورا»، تبدو كمن يكرر قصيدة أحبها كثيرًا حتى فقدت بريقها. الضوء الطبيعي، الألوان النابضة ـ الأحمر والأزرق في النوادي، الذهب الخافت في اللحظات الحميمة ـ كل ذلك جميل، لكن ليس جديدًا. بروكلين هنا ليست مدينة بقدر ما هي مسرح لتأدية واقعية متقنة حد الرتابة. المشهد الختامي ـ أنورا تحت الثلج، صمت يقطعه وهج الضوء البارد ـ يحمل نفحة شعرية، لكنه أشبه ببيت شعري جميل في نهاية خطاب ممل: لا يكفي لإنقاذ ما سبق.

التباين الطبقي
تحت مجهر الضوء

الإضاءة في «أنورا» تحاول أن تقول شيئًا عن الطبقية: الشقق الفقيرة بضوءها الخافت، مقابل الفيلات المذهبة التي تلمع كابتسامة مزيفة. الفكرة في البداية قوية: الضوء كرمز اجتماعي. لكن التكرار، مرة أخرى، يضعف كل أثر. مشهد العشاء في القصر المترف، على سبيل المثال، يبدو كما لو أنه صورة إعلانية لرفاهية نمطية، بدل أن يكون تعليقًا حادًا على المسافة بين عالمين. كان يمكن للظل أن يصبح سلاحًا دراميًا هنا، لكن بيكر يكتفي بإضاءة «جميلة» لا تقول أكثر من اللازم.

الحكم الأخير:
بين الوهج والحقيقة

«أنورا» فيلم يعرف كيف يلمع، لكنه ينسى أحيانًا أن اللمعان لا يكفي. الإضاءة، الألوان، الأداء الفائق لماديسون، كلها عناصر تشدّ العين، لكنها لا تمنحنا المعنى الذي نبحث عنه في عمل يزعم نقد العالم الذي نعيش فيه. في النهاية، نخرج بانطباع أن بيكر، بدلاً من أن يخترق سقفه الفني، اكتفى بمسح الغبار عنه ليبدو لامعًا أكثر. ورغم كل التكرار، ينجح بيكر أحيانًا في اصطياد لحظة من الشعر الخالص، لحظة لا تحتاج إلى حوار لتقول ما تريد. المشهد الختامي ـ أنورا في سيارة ساكنة تحت ثلج يتساقط ببطء ـ يبدو كقصيدة مكتوبة بالظل والانعكاس. الضوء الخافت المنبعث من مصباح شارع بعيد ينساب فوق وجهها، في حين يلمع الثلج كأحرف بيضاء تتناثر على السطر الأخير من يومها. هنا، الإضاءة لا تزيّن الصورة؛ بل تُترجم ما يعجز عنه الكلام: وحدة تلبس قناع القبول، ودفء داخلي يحاول أن يقاوم برد العالم.
لكن مثل هذه اللحظات نادرة، كما لو كانت هفوة جميلة في فيلم يفضل اللعب بالأمان. خذ مثلاً مشهد الزفاف في لاس فيغاس: نيون وردي وأحمر كما لو كان مشهدًا مستعارًا من فيلم رومانسي رخيص. لا أثر لتلك الجرأة التي تجعل الضوء يقول أكثر مما تقول الشخصيات. الإضاءة، هنا، تُحوّل المشهد إلى بطاقة بريدية من الكليشيه، لا إلى تعليق ساخر على الحلم الأمريكي الزائف. المشكلة ليست في التقنية، بل في الخيال، نعم، الضوء الطبيعي يظل حاضرًا كرمز للواقعية، والألوان النابضة تملأ النوادي كما لو كانت تسعى إلى إقناعنا بالحياة في قلب الفوضى، لكن أين الجديد؟ أين المفاجأة التي تجعلنا نرى بروكلين من زاوية لم نعرفها؟ حتى البعد الطبقي، الذي يفترض أن يكون محورًا بصريًا، يظل مجرد تباين متوقع: شقق مظلمة مقابل قصور ذهبية الإضاءة. كان يمكن للظل أن يصبح أداة لتجسيد الهيمنة، وكان يمكن لتباين الضوء أن يحفر مسافة بين الحلم والوهم، لكن بيكر يكتفي بالتلميح بدل أن يغامر بالغوص. النتيجة؟ صور جميلة، لكنها صور آمنة، كأنها تقول: «هذه واقعية، صدقوني»، فيما تفشل في تحويل الواقعية إلى لغة تتحدى النظر.

جمال الأداء التمثيلي

يبقى الحديث عن التمثيل فمايكي ماديسون تحضر هنا كما لو أنها تكتب بنفسها سيناريو الفيلم من جسدها، من عينيها، من هشاشتها الممشوقة بالقوة. أداؤها صاعق في لحظات، هش في أخرى، لكنه يظل العنصر الأكثر صدقًا في هذا العمل. مع ذلك، الشخصية التي مُنحت لها تكاد تكون أسيرة القوالب: المرأة القوية التي تقاوم، من دون أن تنجو من تحويلها إلى أيقونة مبتذلة لـ«المهمّشة المتمردة»، أما إيفان، الشاب الروسي المدلل، لا يمنحنا سوى نسخة باهتة من الكاريكاتور: صبي طائش، بلا كاريزما، يفتقر حتى إلى السذاجة الفاتنة التي قد تبرر حضوره. أما الشخصيات الثانوية، فليست سوى توابل لطبق لم يُتقن طهوه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية