باريس ـ «القدس العربي»: يمكن لأحدنا أن يتوقع غرابةً ما إن عرف قبل مشاهدة الفيلم أن حكايته مأخوذة عن قصة قصيرة للروائي الياباني – المرشح الدائم لجائزة نوبل للأدب- هاروكي موراكامي، فالأجواء السوداوية والغرائبية، بدون الخروج عن الواقع اليومي، وما يمكن تسميته بالكافكاوية، نستطيع تلمسها بوضوح في فيلم الكوري الجنوبي لي تشانغ دونغ «إحراق». وهو من الأفلام التي شاركت في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الأخير.
لا يبتعد لي تشانغ دونغ (هو كذلك سيناريست وروائي ووزير ثقافة سابق) في فيلمه هذا عن عموم أفلامه السابقة من ناحية الأجواء، حيث تسيطر سوداوية ما، أو حزن أو كآبة، مع ما يمكن أن ينتج عن ذلك من جريمة لا تكون متوقعة. نذكر من هذه الأفلام «Peppermint Candy» عام 1999 و«Oasis» عام 2002 و« Poetry» عام 2010، وهي أفلام كان لها حظها في المشاركة في المهرجانات السينمائية ونيل بعض جوائزها.
في فيلمه الأخير، المعروض في الصالات الفرنسية، نجد بطولة متقشفة، إذ أن الحكاية تحوم حول ثلاث شخصيات بقدر متساوٍ، وإن كان من بينها شخصية أولى هي المحرك الأساسي للأحداث. وطبيعة القصة القصيرة تتطلب تقشفاً في الشخصيات، في عددها كما في مدى تطورها، وبالتالي محدوديةً في طبيعة الأحداث المتعلقة بهذه الشخصيات، بخلاف الرواية – بشكل عام- التي يمكن لفيلم يأخذ حكايته عنها أن يسرح في أحداثها التفصيلية وشخصياتها العديدة، وإن فضل العديد من المخرجين الاختصار من تلك الأحداث وكذلك الشخصيات.
الشخصية الرئيسية إذن، جونغ سو، فتى قروي فقير يعيش لوحده بعد هروب والدته منذ سنوات بسبب عنف أبيه، ولأن أباه عنيف مع كل المحيط، يُحاكم لاعتدائه على آخرين ويُسجن.
يخطف الغنيُ من الفقـــير حبيبته ليتسلى بها، بغرور واضح، والضغط النفسي لدى الفتى الفقير يزداد، يتصاعد، إلى أن يخرج أخيراً منه في لحظة مشهدية كارثية.
يعيش الفتى الفقير مع بقرته التي سيضطر لبيعها أخيراً، يتعرف على فتاة، هاييمي، كانا ابني حارة واحدة حين كانا صغاراً، تذكره بنفسها، تسأله إن كانت لديه صديقة ثم تسأله إن كان يحب أن يخرجا ويشربا شيئاً، تتطور علاقة بينهما تبدو من البداية غير واضحة من جهة الفتاة. هو رومانسي، حالم، يحاول إيجاد عمل ليعيل نفسه، يعرف عن نفسه كروائي، ثم حين يُسأل يقول بأنه يفكر فقط في كتابة رواية، وحين يُسأل أكثر لا يعرف أي نوع رواية يريد أن يكتبها. الفتاة لعوبة لا تعرف تحديداً ما تريده، ولا يبدو كل ما تقوله صادقاً، قد يشير إلى ذلك قول والدتها بأنها تؤلف القصص، حين يقصدها الشاب الفقير ليسأل عن أخبار الفتاة التي اختفت، والتي هربت من أهلها منذ زمن.
يمضيان وقتاً معاً، يمارسان الحب في بيتها، بمشاهد تُظهر بأنه غر في ذلك، وأنها صاحبة الخبرة بينهما، أخيراً تخبره بأنها ستغادر إلى إفريقيا بدون سبب محدد، وأنها تطلب منه أن يمر إلى بيتها يومياً لإطعام قطتها. يقوم بذلك بدون أن يرى القطة، لا يكترث، إنما لاحقاً سيجد القطة التي سيناديها باسمها عند الشخصية الثالثة التي دخلت بينهما:
شاب يكبرهما قليلاً، وهو الصورة النقيضة للشخصية الرئيسية (الفتى الفقير). هو غني بشكل فاحش، يتمتع بحياة عائلية، يذهب للكنيسة، واثق من نفسه، وأخيراً عدائي بشكل غامض، كما أن الآخر مسالم بشكل يصل حد البلاهة. لكن هذا الإفراط في السلمية لديه هو ما سيحوله لوحش أخيراً كرد أخير على هذا التناقض الذي وجد نفسه فيه، بدون أن يعرف لمَ، باحثاً عن حبيبته وباحثاً عن نفسه أمام هذا الآخر، بدون أن يجد شيئاً، وهذا ما يعيدنا للكافكاوية في الفيلم وقبله في قصة موراكامي.
التناقضات بين الشابين تزداد حــــدة مع مــــرور الوقت، تبدأ من اللحظــة الأولى التي يراه فيها: في المطار حـــيث يذهب ليستقبل الفتاة العـــائدة من كينـــيا في إفريقــــيا، ثم من خــــلال نواح عـــدة من حياة كل منها، نفسية داخلية وظاهرية تتعـــلق بالغنى والفقر، ســيارة كل منهما وبيته من أبرز الأمثلة على ذلك. يخطف الغنيُ من الفقـــير حبيبته ليتسلى بها، بغرور واضح، والضغط النفسي لدى الفتى الفقير يزداد، يتصاعد، إلى أن يخرج أخيراً منه في لحظة مشهدية كارثية، بدا الفيلم كأنه، بكل تفاصيله، كان يحضر لها بشكل غير مباشر، غير متوقع.
للفيلم (Burning) أبعاد نفسية وكذلك طبقية تتمظهر في العلاقة بين الشابين: غني/فقير، مدني/قروي، مغرور/ساذج، وتحديداً من خلال علاقة كل منهما بالفتاة، أو بكيف يرى وما يريد كل منهما من الفتاة التي أتت شخصيتها بريئة في الوقت الذي بدت، في مشاهد دون أخرى، لعوبة تريد فقط الاستمتاع بلحظتها، بدون أي اعتبار للشاب القروي الفقير الساذج الذي أحبها، وصرح لها بذلك كما صرح للشاب الآخر، الذي بسببها سيتحول أخيراً لوحش.