إنديانا جونز (هاريسون فورد) وهيلينا (فيبي وولر برج)
عندما نرى القبعة والسترة والسوط نعلم أن إنديانا جونز قد عاد إلى دور العرض السينمائي، إذ أثار الفيلم الجديد «إنديانا جونز والاتصال بالقدر» Indiana Jones and the Dial of Destin الذي بدأ عرضه مؤخرا، ضجة في وسائل الإعلام حيث صاحبته حملة إعلامية غير عادية، حتى إن مجلة «الإيكونومست» The Economist نشرت مقالين عن هذا الفيلم في عدد واحد لها. ويعد هذا الفيلم الخامس من سلسلة أفلام إنديانا جونز، ومن المفروض آخرها. وكالعادة مثّل الدور هاريسون فورد Harrison Ford، وأصبح محط أنظار الإعلام العالمي مرة أخرى، وهو في الثمانين من عمره. وقد بلغت شهرة الفيلم إلى درجة أن البعض أخذوا يطلقون على علماء الآثار اسم إنديانا جونز، وقامت بعض المحلات الشهيرة ببيع قبعات شبيهة بقبعة هذه الشخصية السينمائية ووصل سعر بعضها إلى ستمئة وثلاثين دولارا. لكن هل حقق هذا الفيلم بالذات، الذي كلف مئتين وخمسة وتسعين مليون دولار ما كان صانعوه يرمون إليه؟
أحداث الفيلم
تبدا أحداث الفيلم عام 1944، حيث أخذت ألمانيا النازية تشعر بأنها ستخسر الحرب العالمية الثانية. ويقوم عالم الآثار الأمريكي إنديانا جونز مع صديقه العالم البريطاني بازل شو بمراقبة قاعدة ألمانية في فرنسا، تعد العدة للانسحاب حاملة معها ما جمعته من محتويات المتاحف المحلية. ويكتشف عالم الفيزياء الألماني يرغن فولر ضمن هذه الغنائم نصف جهاز انتيكيثرا، وهو جهاز صنعه العالم اليوناني أرخميديس، الذي توفي عام 212 قبل الميلاد عندما احتل الرومان مدينة سيراقوسة. وسرعان ما يكتشف العالم الألماني أن الجهاز في الحقيقة إعجاز علمي، حيث إنه يحدد مسار الانتقال عبر الزمن. وفي هذه الأثناء يقبض الألمان على إنديانا وبازل ويقررون إعدام الأول إلا أنه يهرب. ويكتشف إنديانا أن زميله في قطار للجيش الألماني محمل بالغنائم، فيقتحم القطار ويكتشف نصف جهاز انتيكيثرا، ويهرب من القطار مع الجهاز وزميله قبل أن يقصف الحلفاء القطار. وتنتقل الأحداث إلى عام 1969 حيث نجد إنديانا وقد أصبح كهلا ووحيدا حيث تركته زوجته وقتل ابنه في فيتنام، إلا أنه ما يزال يعمل في الجامعة في نيويورك. ويلتقي إنديانا بهيلينا، ابنة زميله السابق بازل، التي تبلغه أنها تريد دراسة جهاز أرخميديس، حيث كان يحتفظ به. وفي هذه الأثناء كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحتفل بنزول أول إنسان على سطح القمر، وكان ذلك من قبل رواد الفضاء الأمريكيين. والمفاجاة هي أن برنامج الفضاء الأمريكي اسسه عالم الفيزياء يرغن الذي غير اسمه. ويحاول فريق من المخابرات الأمريكية (CIA) بقيادة العالم الألماني يرغن سرقة نصف جهاز أرخميدس، وتحدث معركة بينهم وبين إنديانا وهيلينا، تنتهي بمقتل اثنين من موظفي الجامعة ومطاردة مثيرة في شوارع نيويورك.

اضطر إنديانا خلالها أن يهرب على متن حصان في الشارع ثم محطات قطار الأنفاق، لكنه يكتشف اختفاء هيلينا مع نصف الجهاز، وتصله معلومات أنها تريد بيع الجهاز في غرفة فندق فخم في مدينة طنجة المغربية في مزاد سري. ويذهب إنديانا إلى ذلك الفندق حيث يقاطع المزاد، لكنه يفأجا بقدوم العالم النازي مع عصابة، إذ انفصل عن المخابرات الأمريكية، وتحدث مطاردة مثيرة في شوارع طنجة تؤدي إلى حصول النازي على نصف الجهاز. ويكوّن إنديانا وهيلينا وصبي يساعدها فريقا للعثور على نصفي الجهاز، وبعد مغامرات مخيفة يكتشف إنديانا أن النصف الثاني في كهف يحتوي على قبر أرخميدس في جزيرة صقلية الإيطالية، فينتقل مع هيلينا إلى هناك ويعثر على قبر أرخميدس ويفاجا بأن ارخميدس كان يرتدي ساعة يد مطابقة للساعات الحديثة. وينقض العالم النازي وعصابته على إنديانا ورفاقه ويحصلون على نصفي الجهاز. ويبلغ العالم النازي إنديانا أنه سيستعمل الجهاز للعودة إلى عام 1939 وقتل هتلر وقيادة ألمانيا النازية للانتصار في الحرب، لأنه سيتجنب الأخطاء التي ارتكبها هتلر في الحرب. ويركب العالم الألماني نصفي الجهاز ويضع فيه ساعة ارخميدس ويستقل طائرة مع أنديانا لاستعمال الجهاز للانتقال إلى زمن آخر، دون أن يعلم أن هيلينا في الطائرة، وأن مساعدها الصبي يتبعه في طائرة أخرى سرقها. لكن الطائرة تنتقل خطأ إلى عام 212 قبل الميلاد وبالتحديد أثناء الهجوم الروماني على مدينة سيراقوسة. ويفاجا الأسطول الروماني بوجود الطائرة ويسقطها. ويلتقي إنديانا بالعالم اليوناني أرخميدس ويعبر عن رغبته للبقاء في ذلك العصر لعدم وجود شيء في عام 1969 يجعله يرغب في العودة، إلا أن هيلينا تضربه ، فيغيب عن الوعي ويستيقظ في عام 1969. وينتهي الفيلم بعودة زوجته إليه.
تعليق على الفيلم
كان فيلم إنديانا جونز والاتصال بالقدر بشكل عام، إعادة لفيلم «مغيري تابوت العهد المسروق» Raiders of the Lost Ark الذي عرض عام 1981، وكان أول أفلام السلسلة حيث تشابه الفيلمان في سياق القصة والكثير من المشاهد، مثل مشهد المطاردة المجنونة في المدينة العربية، حيث نجد المطاردة في الفيلم الأول في القاهرة، بينما تقع المطاردة بالنسبة للفيلم الخامس في طنجة. لم يختلف الفيلم كذلك عن سابقيه في هذه السلسلة في كونه قصة سخيفة جدا، ومليئة بمغامرات خيالية كثيرة لم يكن يربطها أي منطق، واقتباسه من بعض الشخصيات التي ظهرت في أفلام أخرى من السلسلة وحتى المشاهد لاسيما مشهد الحشرات على قميص إنديانا وخوفه من الثعابين، بل إن بعض المشاهد كانت ماخوذة من أفلام خارجة عن تلك السلسلة. ويجعل هذا المتابع لهذه السلسلة يشعر بخيبة أمل في الفيلم لقلة الجديد فيه. ومع ذلك، فإن المشاهد العادي، أي غير المتابع، لن يشعر بالملل لحظة واحدة بسبب عوامل الإثارة الكثيرة، لاسيما الاستعمال البارع للخدع السينمائية والموسيقى، حتى أصبح الفيلم أقرب إلى أفلام الرسوم المتحركة. وكانت خدعة إظهار وجه شاب للممثل هاريسون فورد مقنعا جدا، لكنه بالتأكيد لم يقم بالكثير من الحركات السريعة في الفيلم لخطورتها وتقدمه في السن. وبالتالي، فمن الواضح أن المخرج استعمل ممثلا بديلا لذلك. لكن نقطة ضعف الفيلم كانت الممثلة البريطانية فيبي وولر برج التي كانت تؤدي دورا بدا غير طبيعي ومتناسق مع القصة وبقية شخصيات الفيلم. ومن الممكن القول كذلك إن إقحام المخابرات الأمريكية في القصة كان إضافة عديمة المعنى. ليست شخصية إنديانا جونز ابتكارا حقيقيا من صانعي هذه السلسلة من الأفلام، فقد تم اقتباسها من شخصية زورو Zorro الخيالية والمعروفة، التي عرض أول فيلم لها عام 1926 حيث مثل الدور دوغلاس فيربانكس. وكانت أبرز صفات التشابه تصرفات الشخصية السينمائية والقبعة والسوط وطريقة استعماله، وحتى طريقة ربطه بالحزام. لكن التشابه لا يتوقف هنا لأن الكثير من المشاهد مشابهة كذلك وإلى حد بعيد مشاهد معروفة في سلسلة أفلام زورو.
بعض الحقائق التاريخية
من ميزات الأفلام الغربية تمجيد الحضارتين اليونانية القديمة، لتقدمها الحضاري، والرومانية، لقوة وانضباط جيشها، أما في هذا الفيلم فقد تم تمجيد الحضارتين معا في الوقت نفسه، حيث نجد الجنود الرومان وقائدهم غير آبهين بظهور الطائرة المفاجئ، التي تطلق عليهم الرصاص، حتى إنهم يسقطونها بأسلحتهم البدائية. وفي الواقع أن ظهور الطائرة في هذا الشكل، لو حدث فعلا، كان كافيا لبث الرعب في قلوب الجنود الرومان واليونانيين وانهيار الجانبين فورا، بل إن الجانبين كانا سيعتبران الطائرة مخلوقا خرافيا من السماء، أو إلها غاضبا، لكن اليونانيين في الفكر الشعبي لم يكونا بشرا عاديين، بل قمة الحضارة، فما بالك بأشهر علمائهم في الرياضيات أرخميدس، الذي يصنع ساعة يد حديثة وآلة للانتقال عبر الزمن.
ليست آلة انتيكيثرا Anhtikythera mechanism من وحي الخيال، بل آلة حقيقية صنعت قبل 2200 عام، لكنها لا تستطيع مساعدة الإنسان في الانتقال من زمن إلى آخر. وبدأت حكاية هذه الآلة عندما عثر غواصون على آلة غير كاملة في حطام سفينة رومانية غارقة بالقرب من جزيرة إنتيكيثرا اليونانية عام 1901. وقد اعتبر العلماء هذه الآلة يونانية بسبب العثور عليها بالقرب من الساحل اليوناني ووجود كتابات يونانية عليها. استنتج العلماء أن ما عثر عليه كان ثلث الآلة الكاملة وفشلت جميع الجهود للعثور على الثلثين الباقيين. وأثارت هذه الآلة حماس العلماء والمعجبين بالحضارة اليونانية القديمة، فأخذوا يحاولون استنتاج الهدف منها وهوية صانعها وتاريخ صناعتها وسبب وجودها على متن تلك السفينة الرومانية. وكان الاستنتاج الأكثر شيوعا أن الآلة قد صنعت لاستنتاج حركة الشمس والقمر، وخمسة من كواكب المجموعة الشمسية وحساب تاريخ بعض المناسبات المهمة. وإذا كانت الآلة الكاملة كما تخيلها العلماء، فإن تصميمها شيء غير عادي بالنسبة لمستوى اليونانيين القدماء، أما صناعتها فقد تكون أكثر من قابلية اليونانيين ومن جاء بعدهم حتى العصور الوسطى بمراحل، لاسيما أن حجمها لم يكن أكبر من صندوق الأحذية. ولهذه الأسباب اعتبرها الكثيرون دليلا على عبقرية اليونانيين وتفوقهم على بقية الحضارات، لكن هنالك عدة مشاكل، فما لدى العلماء ثلث الآلة فقط، والمشكلة الثانية أن العلماء فشلوا في تحديد كيفية عملها وتفاصيل أجزائها، والمشكلة الثالثة أن العلماء أقروا بأن الأسس العلمية للحسابات المستعملة في تصميم الآلة بابلية، وأنها صممت حسب السجلات البابلية لحركة النجوم والكواكب. والسؤال هو، كيف دخل العامل البابلي في هذا الأمر؟ هل كان صانعها بابليا عاش في اليونان، أم يونانيا عاش في بابل، أو اشترك أكثر من شخص في صناعتها؟ وكم أثر حماس وخيال العلماء على حكمهم على هذه الآلة؟

أما أرخميدس Archimedes، فقد كان شخصية حقيقية ويعد أشهر علماء العالم القديم أو التاريخ برمته إذا صدقنا أن جميع الأعمال المنسوبة إليه من إنجازه فعلا. وحسب المؤرخين القدماء، إنه قتل على يد الجنود الرومان عند احتلالهم مدينة سيراقوسة. وقد اقترح البعض أنه كان من صنع آلة انتيكيثرا، دون أي وجود أي دليل لدعم هذا الظن، لكن هذا إضافة مثيرة للاهتمام لفيلم خيالي حول أرخميدس الذي لم يصنع الآلة فقط، حسب الفيلم، بل ساعة يدوية حديثة.
إنديانا جونز وعلم الآثار
ادعى البعض أن أفلام إنديانا جونز شجعت البعض على الاهتمام بعلم الآثار كهواية أو كمهنة. ومن غير الممكن أن التحقق من صحة هذا الادعاء، إذ قد يكون ادعاء كاذبا من اختلاق الدعاية التجارية للفيلم. لكن ما يقوم به إنديانا جونز في أفلامه عديم العلاقة بذلك العلم، فإذا دققنا في أعمال هذه الشخصية السينمائية لوجدناها تقتصر على تحطيم مواقع أثرية من أجل الحصول على قطعة أثرية مهمة وثمينة ليأخذها معه إلى خارج بلد المنشأ ضاربا القوانين المحلية بعرض الحائط. ويقول إنديانا جونز إن القطعة الأثرية يجب أن توضع في متحف، لكن أي متحف؟ من الواضح أنه يقصد متحفا غربيا، لكنه لم يقم بذلك لأنه احتفظ بها. وهناك احتقار واضح في أفلام هذه السلسلة للسكان المحليين، فهم دائما سذج وأشرار وجبناء ولا يستحقون تلك الآثار، بل يستحقون المعاملة السيئة التي يتلقونها من إنديانا جونز بسوطه ومسدسه وتصرفاته الهوجاء، ولذلك يجب أخذ الآثار منهم والاحتفاظ بها من قبل من يعرف قيمتها، أي إنديانا جونز وصحبه. وليس هذا ما يقوم به علماء الآثار، بل لصوص الآثار. ولذلك، إذا دخل أحدهم مجال الآثار بسبب إلهام من هذه الأفلام، فلن تكون النتيجة جيدة لعلم الآثار، أو الحضارات التي أنتجتها، أو مصالح الدول التي أتت الآثار منها، لكن الفيلم كان صادقا في أن بعض علماء الآثار يسرقون أحيانا. ومن غير المعروف كم من العلماء سرق، وكم من الآثار سرقت. وليس هذا كل شيء حيث يفتخر بعضهم بما سرقه. ويشترك في هذا العمل الإجرامي السياح والدبلوماسيون أحيانا. من المثير للاهتمام أن الكثير من أحداث الفيلم تقع في عام 1969، ففي عام 1970 تم توقيع أول اتفاقية دولية لمنظمة اليونيسكو للحد من سرقة الآثار التي كانت خطوة أولى في مسيرة طويلة لم تنتهِ بعد في سبيل حماية الآثار. ولذلك قد يلمح الفيلم أن هذه آخر سرقة يقوم بها إنديانا جونز في حياته.
باحث ومؤرخ من العراق