فيلم الاهالي يعيد الذاكرة الي فرنسا وينصف قدامي محاربيها المنحدرين من مستعمراتها القديمة
الرئيس شيراك تأثر به فقرر تسوية معاشات المحاربين القدامي من غير الفرنسيينفيلم الاهالي يعيد الذاكرة الي فرنسا وينصف قدامي محاربيها المنحدرين من مستعمراتها القديمةباريس ـ القدس العربي من شوقي أمين:ليس فيلم الأهالي الذي أخرجه الفرنسي من أصل جزائري رشيد بوشارب، وبدأ عرضه منذ يومين، مجرد انتاج فني، بل هو أكبر من ذلك بكثير كونه يحمل في طياته كل الزخم الاستعماري الفرنسي، ويختزل بشكل مكثف فصولا طويلة منه، اذ يعبر عن حجم المعاناة التي تكبدها أهالي (أنديجان) البلدان التي دكها ذلك الاستعمار وجعل منها واحة لمصالحه وفردوسا لمواطنيه الأوروبيين البيض .وهو فوق هذا وذاك، محاولة لاماطة اللثام عن المسكوت عنه في تاريخ فرنسا الاستعماري المشحون بالتناقضات والظلم، اذ يهدف بشكل جوهري الي اخراج هؤلاء المغلوبين علي أمرهم ممن يطلق عليهم Indigenes وهم مئات الآلاف من افريقيا السوداء ودول المغرب العربي ممن شاركوا في تخليص فرنسا من النازية الألمانية وطغيانها في الحرب العالمية الثانية.هو فيلم يجرم فرنسا التي انتظرت 47 سنة كي تعترف بتضحيات مئات الآلاف من الجنود السابقين الذين جاؤوا مرغمين للدفاع عن بلد ليس بلدهم. وهي قصة، كما قال المخرج رشيد بوشارب، تروي معاناة الجنود المشاة الذين استُقدموا من المستعمرات القديمة وناضلوا من أجل البلد الأم، لكن في يوم الانتصار لم يمنحوا حق تقاسم لحظات فرح ذلك الانتصار في جادة الشانزلزيه قبالة قوس النصر .لكن اللافت أن قوة الفيلم ونجاحه لا تكمن في فضح فصل من تاريخ الاستعمار الفرنسي المقيت، وحسب، بل في قدرته علي استنطاق التفاصيل الجزئية وتفكيكها، وتمكنه من اعادة قضية المحاربين السابقين ومستحقاتهم المالية الي الواجهة بعدما طحنهم النسيان والتجاهل. وهو دين جاثم علي فرنسا بات لزاما عليها اليوم أن ترده، حتي وان كان المال، علي رمزيته، لا يعوض هؤلاء المساكين محن حربين عالميتين اثنين لم يختاروا خوضها.لقد لان قلب شيراك وحرمه برناديت وهما يشاهدان العرض الخاص لفيلم الأهالي في الخامس من ايلول/سبتمبر، بحضور الممثل المشهور ذي الأصل المغربي جمال دبوز والمخرج رشيد بوشارب، فقرر فعل شيء ما باتجاه هؤلاء المساكين بعدما أقنعته حرمه بالتحرك لاعادة الاعتبار لهم، واعادة النظر في رواتب تقاعدهم الزهيدة التي لا تسمن ولا تغني من جوع علي عكس نظرائهم الفرنسيين والأوروبيين الذين يتقاضون أضعافا مضاعفة مما يتقاضونه.يذكر أن مجلس الدولة كان قد أدان في الآونة الأخيرة قرار تجميد الرواتب التي كانت تدفعها خزينة المحاربين القدامي لسكان المستعمرات القديمة، الذين أدوا خدمتهم العسكرية في الجيش الفرنسي أو شاركوا بشكل ما في مهامه. كما قامت الحكومة بتنفيذ الحد الأدني من حكم مجلس الدولة القاضي بتعويض الرواتب المجمدة، علما أن مجلس الدولة نفسه كان قد رفض في 18 تموز/يوليو الماضي دعوي جمعيات حماية المهاجرين ومنظمات حقوقية، طالبت الحكومة بتوحيد اجور المحاربين القدامي في فرنسا وفي مستعمراتها القديمة.يأتي الأمر الرئاسي القاضي باعادة النظر في رواتب المحاربين القدامي في افريقيا، الذي أكده رئيس الوزراء دومنيك دوفيلبان، ليضع نهاية لـخمسين سنة من التمييز والتفرقة والظلم. وقال دوفيلبان ان الأمر بالنسبة لفرنسا كلها ليس الا اعترافا متأخرا بالجميل لهؤلاء الذين حرروا فرنسا وشاركوا في انعتاقها .ولم يطرأ أي تحسن علي رواتب المحاربين القدامي المنحدرين من المستعمرات القديمة، بينما شهدت رواتب المحاربين الفرنسيين ارتفاعا منتظما مما يتماشي مع مستوي المعيشة، علما أن محاولات سابقة لتدارك الأمر فشلت ايضا، خاصة مع حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق ليونيل جوسبان الذي تراجع في آخر لحظة عن مشروع تسوية تقدم به بعض أعوانه، بسبب مبلغ التعويض الذي كان سيفوق المليار ونصف المليار يورو.في 2002 قررت الحكومة اليمينية باقتراح من وزير المحاربين القدامي حملاوي مكاشرة (مولود في الجزائر وعمل في الجيش الفرنسي برتبة عقيد) رفع تجميد الرواتب بشكل جزئي في مرحلة أولي، واستبدال مطلب المساواة بين الرواتب التي طالبت بها الجمعيات المدافعة عن المهاجرين بمفهوم الانصاف . وهكذا بدأ يحسب رواتب غير المنصفين انطلاقا من مستوي المعيشة في كل بلد، علي أساس الأرقام والاحصاءات التي تقدمها هيئة الأمم المتحدة.وأشارت وزارة المحاربين القدامي الي أن تسوية هذه الرواتب كلفت خزينة الدولة نحو 220 مليون يورو.وعلي ضوء هذه المستجدات في ملف المحاربين القدامي الذي نفض غباره فيلم الأهالي ، من المنتظر أن يعلن في الأيام القليلة القادمة عن تسوية أكثر سخاء وتفهما وواقعية.ويعمل وزير قدامي المحاربين هذه الأيام علي قدم وساق بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والمالية، لايجاد صيغة لتلبية طلب الرئيس شيراك، خاصة وأنه لا يوجد هناك اي بند مخصص لهذا الملف في مشروع موازنة العام المقبل.وأوضحت الأرقام الصادرة عن ذات الوزارة ان هناك قرابة 80 ألف جندي متقاعد تجاوزت أعمارهم سن 65 موزعين علي قرابة 23 دولة، نصفهم يوجد بين المغرب والجزائر، وقرابة 15 ألفا منهم في افريقيا السوداء خاصة في السنغال وتشاد.وقال المخرج رشيد بوشارب في أول رد له علي قرار الرئيس شيراك اني أحيي (الرئيس) شيراك علي موقفه الذي سيلغي من خلاله علي كل أنواع التمييز التي ستكون لها عواقب لا تحمد عقباها علي كل المجتمع الفرنسي .