فيلم «الحفرة»: نحن لا نموت لأننا جزء من شيء مستمر

حجم الخط
0

المخرج سيمون ستون في فيلمه «الحفرة» إنتاج 2021 أمريكي بريطاني مشترك، يسرد لنا حكاية سينمائية، كتبها مويرا بوفيني معتمدا على كتاب للمؤلف جون بريستون، حمل عنوان الفيلم. وجاء خيار ستون في سرده السينمائي قائما على تأكيد سلطة انزياح العلاقة مع الحدث التاريخي إلى ناحية سلطة التخييل في إنتاج الرؤية السينمائية، بدلا من الوقوع في دائرة استنساخ الواقعة التاريخية، بذلك توفرت في الشريط ما يمكن البحث عنه من عناصر فنية يقتضيها الفن السينمائي عند تكوين جماليات الصورة وتثوير مستويات طاقتها الايحائية، عبر دلالات واقعية، تكاملت فيها مفردات البوح والترميز، وفي هذه التفصيلة من تقنيات التعبير، يبدو الفن السينمائي في مكانةٍ لا تزاحمه عليها بقية فنون السرد، وعلى وجه خاص في ما يتعلق بتعامله مع دينامية الصورة، وبهذه الناحية يتضح الاختلاف في بنية مفردات الصورة السينمائية، لكونها تحمل مستويات متعددة من المعنى في حركية شكلها وعدم ثباتها.
تدور أحداث الشريط في صيف 1937 عشية الحرب العالمية الثانية في ساتون هوو بالقرب من وودبريدج، وهي بلدة صغيرة في سوفولك بإنكلترا، فبينما كانت بريطانيا تشعر بالقلق وهي تستعد لمواجهة احتمالات ان تكون طرفا في القتال إلى جانب الحلفاء ضد ألمانيا، كانت الأرملة الثرية الشابة اديث بريتي (مثلت شخصيتها كاري موليكان) مشغولة بمعركتها الخاصة لإثبات صدق حدسها بأهمية ما يمكن ان تختزنه مجموعة من التلال ذات الشكل الغريب في أرض شاسعة كانت قد ورثتها عن زوجها الذي توفي قبل عامين، وهذا ما دفعها إلى قراءة الكثير من المصادر التي تتحدث عن نجاحات حققها منقبون في مطلع القرن العشرين، بحثا عن الآثار الفرعونية في مصر، فتعمق لديها الإحساس بامكانية العثور على شيء ما في باطن تلك التلال، وكان ذلك دافعا كبيرا لها حتى تتخذ قرارها في البدء بالتنقيب، ولكن متحف المدينة رفض تنسيب منقبين، بحجة ان شبح الحرب يقترب من حدود البلاد ومن غير الممكن المباشرة بالعمل، حتى ان الطائرات البريطانية في تمريناتها كانت تخترق السماء فوق تلك التلال بين لحظة وأخرى. إلاّ ان ذلك لم يقنع اديث بريتي، ونزولا عند رغبتها تم ترشيح بازيل براون (مثل شخصيته رالف فاينس) ليتولى عملية التنقيب، مع توصية من إدارة المتحف تحذرها منه، لكونه صعب المراس، وغير متعلم، لكنه غير تقليدي في عمله.
لم تكن بريتي تحتاج إلى وقت طويل لتكتشف بنفسها وجها آخر لهذا الرجل، يعبر عن مدى صدقه وتفانيه في العمل، حتى انه ما إن بدأ في التنقيب، أخذ يؤجل الإجابة على الرسائل التي كانت تصله يوميا من زوجته إلى نهاية الاسبوع، فالوقت الذي كان يقضيه في الغرفة التي خصصت لمبيته، كان ينغمس فيه بقراءة المصادر والكتب التي تعينه في عملية التنقيب.
براون لم يكمل تعليمه الثانوي لانه ولِدَ في عائلة عمالية فقيرة، وخضوعا لمشيئة والده لأجل ان ينشغل بالعمل معه في مهنة التنقيب التي كان قد ورثها عن والده.
التقت بريتي مع بازيل في احساسها بالحرمان من فرصة إكمال تعليمها الدراسي، استجابة منها لواجبها الأخلاقي تجاه والدها، فقد سبق لها ان ضحَّت بثلاثة عشر عاما من حياتها أيام كانت في زهرة شبابها، من أجل ان ترعى والدها المريض، وهذا ما دفعها إلى ان تتعاطف مع بازيل وتمنحه ثقتها وتتمسك به رغم محاولات الآثاريين الذين أرسلهم متحف المدينة، للتفاوض معها بهدف ان تتخلى عنه حتى يساعدهم في أعمال تنقيب بموقع يسمى الفيلا الرومانية كان يعمل فيه قبل ان ينقب في أرضها. ولم يكن الحدس ينقص الأرملة الشابة حتى تضع ثقتها برجل لم يكمل تعليمه، مراهنة بذلك على خبرته المهنية التي اكتسبها منذ وقت مبكر من حياته، إضافة إلى ما ازدانت به ثقافته من معرفة علمية نتيجة عمله مع الآثاريين التابعين للمتحف البريطاني، حتى انه نال تقديرهم العالي، نظرا لما كان يمتلكه من حماس في العمل وقدرات ذاتية في التنقيب جعلته يتفوق على الذين تخرجوا من الجامعات.
رهان الأرملة على المنقب لم يذهب سدى، بعد ان نجح في اكتشاف واحد من أهم الكنوز التي غيرت القناعات حول الفترة الانكلوسكسونية التي سادت في العصور الوسطى، فتكلل جهده بالعثور على هيكل كبير لسفينة طولها 27 مترا، إضافة إلى أوعية ومنسوجات فاخرة، واكسسوارات ذهبية مرصعة بالعقيق السريلانكي، وأسلحة ومعدات عسكرية عالية الجودة، كانت مدفونة في غرفة داخل السفينة.

تراجع الحدث التاريخي

سيناريو الفيلم لم يكن معنيا بالكشف عن حكاية الكنز الأثري الذي يقف وراءه منقب ينتمي إلى الطبقة العاملة، بل ذهب إلى منطقة أعمق من استعادة السردية التاريخية لهذه الحكاية، وذلك بالعمل على خلق مادة درامية قائمة على نسج شبكة متعددة من العلاقات الإنسانية، في إطار حبكة تحركها حوافز ورغبات، كانت تستبطن دواخل الشخصيات، لترسم علاقات التقارب والتقاطع في ما بينها، وليتراجع الحدث التاريخي إلى الخلف أمام هذه البنية الدرامية المتخيلة، وهذا ما يمثل جوهر اشتغالات الفنان في تعامله مع التاريخ، إذ يتحول إلى إطار عام لحياة مشحونة بحوافز متضادة، وبهذه البنية الدرامية تنزاح السردية التاريخية إلى سردية درامية، حافلة بتفاصيل إنسانية، غالبا ما يعجز التاريخ عن ملامستها، بينما تفلح الدراما في الكشف عنها، اعتمادا على عنصر التخييل، منها ما يتعلق بطبيعة المشاق التي يواجهها المنقب في عمله، وبتداعيات الانقسام الحاد الذي يفرضه الصراع الطبقي على العلاقات الإنسانية في مجتمع محافظ ، مرورا بعلاقات زوجية قائمة على الانبهار الشكلي لتنتهي بالفشل والانكسار، كما هو الحال في علاقة الآثاري ستيورات بيجورت (مثَّل شخصيته بن شابلن) وزوجته الشابة بيغي بريستون (مثلت شخصيتها ليلي جيمس) وأبرز ما لامسه الفيلم تلك المشاعر الدفينة التي كانت تتوهج داخل الشخصيتين الرئيسيتين، اديث بريتي وبازيل براون، لكنهما لم يمتلكا الجرأة في الافصاح عنها، لان حاجزا طبقيا كان يحكم مستقبل علاقتهما، وهذا ما يجعل من غير الوارد ان يفكرا باجتيازه، فكانت أدوات المخرج في إيصال نبضات هذه العلاقة على قدر كبير من الايحاء والتكثيف والاختزال، معبرا عنها بلحظات من الصمت، مشحونة بمشاعر وأمنيات مكتومة .

عواطف

حبكة الفيلم تدفع بالقوس العاطفي إلى الانعطاف الحاد في اللحظة التي تشعر فيها الأرملة الشابة ان صحتها ليست على ما يرام، بعد ان أكد الكشف الطبي إصابة عدد من شرايينها بالتلف بسبب الحمى الروماتيزمية التي كانت قد تعرضت لها في فترة طفولتها، فتقتنع بانها ستودع الحياة خلال فترة ليست بعيدة، وهذا ما يضاعف قلقها على مصير طفلها الوحيد في حالة وفاتها، وبدوره يشعر الطفل ان أمه ليست على ما يرام، رغم انه قد أوفى بوعده لوالده قبل ان يموت بان يرعاها ويحرص عليها وعلى صحتها، لكنه يجد نفسه عاجزا عن ايقاف تدهور صحتها، رغم ثقته بقدراته على تحمل المسؤولية، ولم يكن أمامه سوى ان يلجأ إلى بازيل ليشكو ما كانت تعانيه أمه، ويتعلق الطفل بالمنقب، بعد ان وجد فيه صورة الأب الذي افتقده، وهذا ما عبر عنه في المشهد الذي يركب فيه على دراجته ليقطع مسافة طويلة تمتد من بيتهم إلى القرية التي يقيم فيها بازيل لأجل ان يقنعه بالعودة إلى التنقيب، بعد ان ترك العمل احتجاجا على قرار إدارة المتحف البريطاني استبعاده من مسؤولية ترؤس فريق التنقيب وتسليمها إلى الآثاري تشالز فيلبس (مثل شخصيته كين ستوت) واستجابة لرغبة الطفل لم يجد بازيل سبيلا إلى البقاء عند موقفه الرافض، فيقرر العودة والعمل تحت امرة فيلبس.
ووفق هذا السياق في بناء العلاقات، تنمو الحبكة الدرامية بتشابك مشبوب بعواطف مدفونة ومن السهولة على المتلقي ان يلتقط حرارتها بمجساته الحسية، ما بين الأرملة والمنقب، عبر تفاصيل متنوعة، نجح المخرج في خلقها، أبرزها بنية مونتاجية تنهض بانتقالاتها بشكل متوازي، ما بين فعلين متشابهين في زمن واحد للشخصيتين وبمكانين مختلفين.
بازيل بروان على الرغم مما كان يمتلكه من خبرة وسلوك منضبط وشغف بعمله، إلاَّ انه كان يعاني من إحساس بالتمييز والتفرقة الطبقية، سواء من الآثاريين الحاصلين على شهادات جامعية أو حتى من رئيس الخدم في بيت اديث بريتي، إلا انه لم يجعل من الفوقية في التعامل معه عاملا سلبيا يؤثر على استمراره في العمل، لانه كان يعشق مهنة التنقيب منذ طفولته، حتى انه لمَّا وجد الأبن الوحيد للأرملة بريتي يحمل في داخله من الحب تجاه الآثار ما يوازي شغفه، كان ذلك دافعا له حتى يستمر في العمل، رغم الفظاظة التي قوبل بها من قبل فيلبس ما ان تسلم مشروع التنقيب.

الحوار مع الطبيعة

يتقدم الحضور الآسر للطبيعة من اللقطات الأولى للفيلم وليستمر طيلة زمن العرض، عبر حرص المخرج على ان تكون مهيمنة في سياق التركيب البصري لمفردات الجملة السينمائية، وذلك ليس في إطار ترسيخ الوصف الموضوعي للمكان، أو تقديم بنية جمالية من الناحية الشكلية فقط، بقدر ما كانت صورة خارجية عن الحياة الشعورية التي تعيشها الشخصيتان الرئيسيتان، خاصة وان حضور الطبيعة كان مرتبطا بحضورهما فقط ، وكأن المخرج أراد ان يقول لنا إن الطبيعة ما هي إلاَّ امتداد للإنسان بكل ما يفيض في داخله من مشاعر جميلة، وان العلاقة بينهما ليست منفصلة، انما هي على تواصل وتبادل مستمر، وليست الكنوز التي تخبئها الأرض في باطنها إلاّ مقاربة موضوعية لما يحمله الإنسان في داخله من أحاسيس، ولو اجتهد قليلا في التنقيب عنها، لتمكن من ملامستها. بذلك أفاد وصف الطبيعة، عبر لقطات واسعة بانورامية، في تقديم معطيات جمالية، تجاوزت في دلالالتها، محدودية الوصف الخارجي إلى التعبير عن فعالية الحضور الداخلي للشخصيات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية