فيلم ‘الدرس الأول’ من غرب استراليا مذاق آخر

حجم الخط
0

عمار جمهور عرض فيلم ‘الدرس الأول’ في مهرجان الفيلم الفلسطيني الدولي في مدينة بيرث الاسترالية له مذاق اخر، وذلك كونه يتحدث عن الفلسطيني الذي يحاول ان يعبر فضاء العالم كغيره من باقي البشر، في مكان يحتضن لاول مرة مهرجاً سينمائياً فلسطينية، ولأنه يظهر انكار العالم لآدمية الوجود الفلسطيني في ارضه وفي مكانه. وذلك الصراع الذاتي الممزوج ما بين الألم والفخر في داخل كل فلسطيني يعيش خارج مكانه ‘فلسطين’. وأجمل ما في القصة يكون عند امتزاج العام بالخاص، عندما تصبح التجربة الذاتية معياراً لتقييم العمل الفني.الفيلم الذي لا تزيد مدته عن 15 دقيقة جسد بدقة متناهية الواقع المأزوم الذي يعانيه الفلسطيني ليس فقط في فرنسا وانما في معظم الدول الغربية. ولاسيما تلك الدولة التي تبنى فكرتها الوجودية على الاحلال الادامي، والذي يتمثل باستبدال عرق بعرق آخر ليس بالضرروة أن يكون لديه القدرة المعرفية لانجاز فكرته غير الاخلاقية وإنما لكونه يمتلك القدرة المادية على انهاء وجود الآخر فكرياً ومكانياً. تدور احداث الفيلم حول قصة فتاة مقدسية ‘عرين عمري’، تسافر للدراسة في فرنسا وفي محاضرة اللغة الفرنسية تعرف على نفسها بأنها فلسطينية، وبأن القدس عاصمة دولة فلسطين. الأمر الذي يثير حفيظة طالبين احدهما اسرائيلي وآخر امريكي في اللوقت التي يلزم باقي الطلاب مختلفي الجنسيات الصمت يخرج احد الطلاب العرب ليساند موقفها قبل أن تضطر لمغادرة المحاضرة. الموقف ذاته حدث وسيحدث مراراً وتكراراً مع اي فلسطيني في أي موقف وفي أي مكان، وقد يكون أقل أو أكثر تعقيداً. واذكر بأنه وفي أول محاضرة لي في استراليا قمت بالتعريف عن ذاتي بنفس بالاسلوب وبنفس الطريقة، ولكن لم تكن الازمة فقط في تحديد المكان على الخارطة بل ان ترسمه، هنا تبدأ الورطة الوجودية والمبدأية. فهل ارسم خارطة فلسطين ام ارسم خارطة الضفة الغربية وقطاع غزة، والمعضلة الحقيقية تزداد عندما تخونك مقدرتك على رسم الضفة الغربية وقطاع غزة، لأنك تتقن رسم الوطن ‘فلسطين’، ولن تملك خياراً غير ذلك. فعندما ينكر العالم وجودك ستكفر بمجمله.عندما تمتزج التجربة الشخصية بالعمل الفني تتولد في داخل المتلقى قدرة نقدية ناضجة على تقييم مضمون العمل الفني، ولأن موضوع الفيلم لا يقتصر على شخص محدد وإنما يشمل الكل الفلسطيني، ففي زوايا القصة ورطة فلسفية وجودية لا ترتبط بمكان وجودك كفلسطيني وانما تتجذر بالمكان الذي بعثت منه وهو ‘فلسطين’. الفلسطيني اليوم يصارع في كل ازقة العالم ليثبت انسانيته المسلوبة منه، وهو بالتحديد ما نجح الفيلم في معالجته بامتياز لانه دغدغ فلسطينية الفلسطيني في كل مكان، لان وجودنا لا يرتبط بخارطة وانما يتجذر بروح وهوية تحمل في مضامينها ما هو أعمق من الرسم الجغرافي. بالإضافة إلى إمتزاج التجربة الجماعية والفردية بفكرة ومضمون العمل الفني تزامن عرض هذا العمل مع اعتراف العالم اخلاقياً وسياسياً بالوجود الفلسطيني على جزء من أرضه، لذلك شكّل هذا العمل كالكثير من الاعمال السينمائية الفلسطينية باعثاً ثقافياً مهماً لأنه يمهد ثقافياً ومعرفياً للإنجاز السياسي، والذي يأتي نتيجة للفعل الدبلوماسي أو للفعل المقاوم. يشبه العمل السينمائي ‘الدرس الأول’ ما قدمه مسلسل هي هيك في احدى حلقاته المعنونة بـ ‘يلعن هاظا’، والذي عرض فيها الفنان عماد فراجين معاناة الفلسطيني في المطارات وعلى المعابر الدولية, لكون فلسطين ليست دولة معترف بها دولياً. فالتشابه كان كبيرا في الحالتين لواقع الفلسطيني في خارج فلسطين. واذا كان الفلسطيني مقاوم ومناضل في داخل فلسطين فهو صاحب قضية ورسالة خارجها.المعضلة الفلسطينية لا تنتهي بمجرد خروج الفلسطيني من وطنه، بل على العكس تماماً فالقصص الانسانية الفلسطينية تأخذ بعداً اخر خارج فلسطين وتتجذر المعاناة لتصبح أعمق وأعمق، فالفسطينين ما زالو ‘مُواطنوانَ.. دُونَما وَطَنْ…….. مُطَاردُونَ كالعصافير على خرائطِ الزَمَن’. لذلك وجب على الفن الفلسطيني أن يلملم قصص أبناءه ويوثقها، لانها تمهد لبزوغ فجراً معرفياً جديداً سيكون فضاؤه الفلسطيني في وطنه الافتراضي وهو ‘العالم بأسره’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية