فيلم ‘الراش المرشوش’ ‘Larroseur arros”: سيكولوجية المراهقة

حجم الخط
0

د. بوشعيب المسعودي المراهقة مرحلة لا بد لكل شخص بالغ وراشد أن يمر منها. إنها نقطة مرور ضرورية وقد خصصت السينما أفلاما كثيرة للمراهق كما أصبح المراهق شخصية نموذجية في السينما كراعي البقر (cowboy) وكالوحش (monstre) وكالمجرم (gangster). وللتعريف فالمراهقة تمتد تقريبا من 12/13 سنة إلى 19 سنة.

ومن الناحية الطبية، فالمراهقة ليست بمرض ولكن هناك بالتأكيد عدة اضطرابات بسيكولوجية كما هو الحال في مراحل أخرى من الحياة (مثل الولادة، البلوغ، الزواج،… سن اليأس) ولكن يجب الفرز بين هذه الاضطرابات ‘العادية’ وبين المشاكل الحقيقية والخطيرة والتي يمكن أن تؤدي إلى أمراض وإلى الانتحار في بعض الأحيان (وهذا نتيجة الإدمان على المخدرات). وهذه المرحلة تكون مصحوبة بإفرازات هرمونية خاصة بهذه المرحلة الحياتية وخاصة من حيث الجنس. وتؤذي هذه الإفرازات إلى تغيرات في الشكل وفي المضمون. فالطفل يحس بشحنات ساخنة ترهبه وتفرحه، ويبدأ يلاحظ تغيرا في جسمه، كشعر الشارب وشعر العانة والانتصاب… وتشعر البنت ببزوغ النهدين، وبزوغ الشعر تحت الإبطين وفي العانة، وبداية العادة الشهرية. وكل هاته التغيرات تصحبها تغيرات بسيكولوجية مهمة، فالمراهق كان ذكرا أو أنثى يحس بشعور غريب وبعاصفة تعصف بعواطفه وتحصل تقلبات جذرية في العواطف، فقد يصبح المراهق (أو المراهقة) عطوفا وحنونا ويلبي رغبة من حوله (الأبوان أو الإخوان أو الأساتذة…) وقد يصبح عنيفا و جبارا ويعصي الأوامر وربما بعضها في صالحه… وإذا كانت هناك كلمة واحدة للتعبير عن هذه المرحلة فسوف تكون: الصراع، المعارضة، وكلمة ‘لا’… وهذه المشاكل تطورت مع تطور الزمان وخلقت مشاكل جديدة وسلوكات خطيرة جنسيا، رياضيا، في سياقة السيارات، في شرب الخمر، في التعاطي للمخدرات، في الإجرام…. لقد كانت هذه السلوكات محددة وأحادية وسريعة الزوال وتعدتها إلى ‘هجمات’ واعتداء على النفس و الجسد الشخصي كثقب الأذنين أو الشفاه و الصباغة وتصفيف الشعر بطرق خاصة والوشم وغيرها…. من السلوكات المحفوفة بالأخطار.

وهناك خصوصيات تهم البلد والأصل والثقافة واللغة والدين. ولو أن العولمة طغت على كل شيء.

وهذا ما استغلته السينما في مواضيعها مع خصوصيات كل بلد أو عرق أو ثقافة أو دين…. وهذا المحور هو الذي ساعد الكثير من المخرجين في إبداعاتهم واستغلوه منذ البداية ولا أدل على ذلك هو القصة التي استغلها لويس لومبير، المخرج الفرنسي، سنة 1895 وهذا الفيلم يحكي قصة رجل بالغ يهتم بحديقة ويسقي أعشابها وأشجارها بخرطوم. وعندما وضع شاب مراهق رجله على الخرطوم انعدم تدفق الماء فأراد البستاني معرفة ما يجري فأطل على الخرطوم وعندها رفع المراهق رجله فتدفق الماء على وجه البستاني….. وهذا ما معنى اسم الفيلم ‘larroseur arros” ‘ألراش المرشوش’ والتي أصبحت عبارة تستغل في مجالات عديدة. (ألي حفر شي حفرة يطيح فيها) ومنذ الوهلة الأولى بدأت السينما بطرح هذا المشكل: إنه فيلم كوميدي (38 ثانية خصص له 17 مترا من الطول). ولكنه يظهر المراهق المشاغب والمعاكس والمضطرب ويظهر البالغ في موقف السلطة والحكم وهناك محاولة للهرب من طرف المراهق ومحاولة الإرجاع من طرف سلطة الكبير.

وهذا النوع من الأفلام يصور فتيات وفتيان بين 12 سنة و19 سنة ويتتبع مشاكلهم ودائما تحت رؤية سلطة وعين ناقدة لشخص بالغ: احد الوالدين، الأستاذ أو الأستاذة، المدير أو المديرة… وغيرهم.

ويتكلم غالبا على مشاكل جنسية، مشاكل الحب الأول، غالبا ما تكون مواجهة مع أحد البالغين الذين ذكروا في الأول: الوالدين، الأساتذة، إدارة المدرسة… وتكون هناك رغبات ربما غير قابلة للتحقيق: مثلا مراهق يحب أستاذته… مثل فيلم ‘mourir daimer’ للمخرج اندريه كايات مع الممثلة المرحومة اني جيراردو سنة 1968 أو فيلم ‘Grerase’ للمخرج راندال كليزير مع الممثل جون ترافولتا سنة 1978 أو فيلم ‘les risques du metier ‘ للمخرج اندريه كايات مع الممثل المرحوم والمغني المعروف جاك بريل… وفي بعض الأحيان تجر المراهقة المراهقين إلى التطرف وإلى العصيان وإلى قول ‘لا’ بكل قواه وبكل أفعاله…. هناك بعض الأعمال التي اهتمت بالمراهقة من الناحية السلوكية والنفسية:

فالمراهق يطمح إلى الحرية والاعتماد على ‘النفس’ وإلى العصيان.

وفي بعض الأوقات تطفو علامات الإدمان، الإدمان على الموسيقى الصاخبة، على الآلات الإليكترونية والتليفونات بلاي ستايشنين وأي باد… وغيرهمكذلك الإدمان على التدخين، والإدمان على تعاطي المخدرات بكل أنواعها، والإدمان على الخمر، و بعض السلوكات تؤدي إلى الإجرام كالسرقة والاعتداء على الغير، بعد تكوين عصابات وربما، وخاصة في البلدان المتقدمة الاعتداء بالسلاح (الأبيض أو الناري) وغيرها من الجنح التي تتطور إلى جرائم كبرى يعاقب عليها القانون بصرامة… بموهبة عالية وذكاء كبير استطاع لويس لوميير أن ينتج أول فيلم قصير سينمائي: فيلم ‘الراش المرشوش’ ‘Larroseur arros”. وهذا الفيلم هو في الحقيقة مؤسس وأساسي للسينما بصفة عامة. إنها لقطة أضحكت الملايين من المتفرجين كبارا وصغارا وهي تصور نكتة يعيشها ملايين الناس يوميا. وصورت هذه النكتة بباسطة ولكن بأصالة وبصدق وظفا لخلق هذا الفيلم القصير جدا (38 ثانية). إن هذا الفيلم أثار أول مشاكسة بين الجيلين وأول صراع بين مراهق وبالغ وأول تمرد للمراهق على الرقيب وعلى السلطة، الممكن اختزالها في الوالدين وفي المعلم وفي الإدارة. وهي ثورة الصغير على الكبير وثورة ‘الضعيف’ على ‘القوي’، ذلك الضعيف الذي يريد أن يثبت ذاته ويحقق وجوده ويسيج مكانه. إن الفيلم وضح ‘شقاوة’ بسيطة، ولكن مع تطور الزمن وتطور التقنيات أصبحت مشاكل المراهقين كثيرة ومعقدة وموضوع بحوث علمية وطبية من طرف أخصائيين في الميدان.

واستغلت من طرف السينمائيين في أفلام كثيرة تطرح المشاكل وتأتي في بعض الأفلام بالحلول والعلاجات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية