من النادر أن نجد فيلما يدمج المأساة والفكاهة في آن، وبشكل بارع مثل فيلم «الشقة» الذي أنتج عام 1960. وقد أعتبر هذا الفيلم من أهم الأفلام في تاريخ السينما الأمريكية، وحصل على خمسة جوائز أوسكار، بالأضافة إلى جوائز أخرى خاصة لنجمي الفيلم جاك ليمون (1925 ـ 2001) وشيرلي مكلين. وقامت مكتبة مجلس الشيوخ بالاحتفاظ بنسخة من الفيلم لأهميته الثقافية.
تدور أحداث الفيلم عن شاب أعزب وخجول يدعى «باكستر» (جاك ليمون) يعمل موظفا بسيطا في إحدى كبرى شركات التأمين. وكان مديرو الأقسام في الشركة يرفعون تقارير ممتازة عنه إلى الإدارة العليا، ولكن سبب هذا لم يكن فقط عمله الجاد، بل لأن هؤلاء المديرين كانوا يستخدمون شقته لقضاء أوقات ممتعة مع عشيقاتهم. وعلى الرغم من شعور «باكستر» بالضيق الشديد والإهانة من هذا الأمر، فإنه اعتقد أن إرضاء المديرين بهذا الشكل سوف يساعده على الترقي في وظيفته. وكان حلمه التقرب من «فران» (شيرلي مكلين) وهي حسناء تعمل عاملة للمصعد في الشركة. وبعد فترة حصل «باكستر» على الترقية المنتظرة، ولكن مطالب المديرين زادت وأصابته الصدمة عندما اكتشف أن مديره المباشر على علاقة بـ«فران» وكان يجلبها إلى شقته أيضا. وسأل «باكستر» «فران» عن سبب استعمالها مرآة مكسورة لتبرجها، فقالت إن المرآة مكسورة مثل صاحبتها. وفي أحد الأيام دخل «باكستر» شقته ووجد الفتاة في غيبوبة فيها لأنها حاولت الانتحار، ونجح «باكستر» في إنقاذها بمساعدة أحد أصدقائه الأطباء. ومع الوقت ضاق «باكستر» ذرعا بكل شيء، حيث فقد كرامته والمرأة التي أحبها، فقرر التصدي لمديره عندما طالبه بمفتاح شقته وقدم استقالته من عمله فورا، وحتى الانتقال من تلك الشقة. وسمعت «فران» خبر استقالته من عشيقها فتركته مسرعة وتوجهت إلى شقة «باكستر» لتنضم إليه.

يدعي بعض النقاد أن قصة الفيلم مأخوذة من فيلم بريطاني أنتج عام 1945 عن طبيب متزوج يستعمل شقة صديق له للقاء عشيقته المتزوجة، وأن الاختلاف بين الفيلمين أن الفيلم البريطاني كان عن العشيقين، بينما كان فيلم «الشقة» عن صاحب الشقة، ولكن الاحتمال الأكبر أن قصة الفيلم مأخوذة من فضيحة حقيقية وقعت عام 1951 في عاصمة السينما الأمريكية لوس أنجليس، عندما اكتشف زوج الممثلة الشهيرة جَون بينيت أنها تقابل عشيقها في شقة يملكها أحد موظفي العشيق، فقام بإطلاق النار على العشيق مصيبا إياه في أعلى الفخذ. وقد نجا العشيق وتعافى سريعا بينما قضى الزوج أربعة أشهر في سجن مخفف.
امتاز الفيلم بامتلائه بالأحداث ونجاحه في جذب انتباه المشاهد طوال الفيلم. ويتعاطف المشاهد مع شخصيات الفيلم، وهو ما برع به المخرج بيلي وايلدر الذي أخرج وأنتج هذا الفيلم، كما شارك في كتابة قصته.
لماذا استعمل العشاق آنذاك الشقق عوضا عن غرف الفنادق؟ كانت الفنادق الأمريكية آنذاك توظف رجال أمن يطرقون أبواب الغرف للاستفسار ما إذا كان الرجل المقيم فيها مع امرأة ليست زوجته. وفي تلك الحالة كان الرجل والمرأة يُطردان فورا. وكان هذا النظام قد وضع أصلا لمنع الدعارة. أما فكرة الانتحار في الفيلم، فقد أتت أيضا من حادثة حقيقية، حيث تخاصم أحد الكتاب السينمائيين مع عشيقته وترك شقته غاضبا، وعندما عاد وجدها قد انتحرت في حوض الاستحمام (البانيو). كان جميع من في الفيلم أشخاصا عاديين جدا ومن النوع الذي يحيط بنا في حياتنا اليومية، فلم يكن هناك رجال وسيمون أو مغامرون في الفيلم، وقد بدا «جاك ليمون» وكأن الدور قد كتب خصيصا له. وأظهر فيلم «الشقة» شخصين (باكستر وفران) في موقف سيئ، ولكنهما ليسا ضحيتين تماما بل مشتركين، فـ»باكستر» كان ضعيفا وغبيا واعتقد أن بإمكانه استغلال المديرين للحصول على ترقية، وجعل نفسه فريسة للآخرين مهما ارتقى في وظيفته، ولاحقته وصمة العار وتهديد الآخرين في الشركة. أما «فران»، فقد وجدت نفسها تتحول إلى متعة لأحد كبار مديري الشركة الذي لا يمكن أن تثق به، ولا تستطيع التخلص من هذا المأزق. وبذلك فقد كان الاثنان في موقف يائس كبئر عميق وعليهما الخروج منه. وما أن أنقذ «باكستر» نفسه حتى أتت الفتاة التي طالما أحبها لتنضم إليه. لقد اعتبر الفيلم فكاهيا من قبل النقاد، ولكنه في الواقع كان أقرب إلى التراجيديا الرومانسية منه إلى الفكاهة. وامتاز الفيلم بامتلائه بالأحداث ونجاحه في جذب انتباه المشاهد طوال الفيلم. ويتعاطف المشاهد مع شخصيات الفيلم، وهو ما برع به المخرج بيلي وايلدر (1906 ـ 2002) الذي أخرج وأنتج هذا الفيلم، كما شارك في كتابة قصته. ويعد أحد أعظم المخرجين في السينما الأمريكية إن لم يكن الأعظم على الإطلاق، فأفلام مثل «شارع الغروب» و«البعض يفضلونها ساخنة» (من تمثيل جاك ليمون أيضا) و«شاهد الادعاء» و«إرما العاهرة» (تمثيل جاك ليمون وشيرلي ماكلين مرة أخرى) تعتبر من العلامات الفارقة في السينما الأمريكية ونقطة انطلاق نجومها في مسيرتهم الفنية مثل مارلين مونرو وشيرلي ماكلين، وولتر ماثاو وجاك ليمون، الذي أصبح أشهر ممثل كوميدي في هوليوود بعد تشارلي تشابلن، ومن أفلامه الفكاهية الشهيرة «السيد روبرتس» و«الغرباء عن المدينة»، ولكنه لم يحصر نفسه في الأدوار الفكاهية أبدا، حيث برز نجمه كذلك في أفلام درامية شهيرة مثل «أنقذ النمر» و«عرض مرض الصين» كما حصل على جائزة الأوسكار مرتين. وقد تميز جاك ليمون بتعابير وجهه التي كانت تشرح المشهد للمشاهد، وكان هذا سبب نجاح تعاونه مع المخرج بيلي وايلدر الذي يعتبر مخرج ممثلين وليس مخرج خدع سينمائية أو مغامرات مبالغ بها.
لا يمكن تجاهل الممثلة شيرلي ماكلين في هذا الفيلم، فقد مثلت دور الفتاة الحسناء الرقيقة واللطيفة بشكل لافت للنظر. وقد مثلت أدوارا امتازت بتناقضاتها، ورشحت لجائزة الأوسكار ست مرات وحصلت على جائزتين شهيرتين لدورها في «الشقة». عمد المخرج إلى تصوير الفيلم «الشقة» بالأبيض والأسود في وقت كانت فيه أغلب الأفــــلام السينمائية بالألوان، وقد أضاف هذا عمــــقا للشخصيات وعزز تأثيرها على المشاهد، حيث أعطى للفــــيلم إحساسا أقوى بالواقعية. ولا يكتمل أي فيلم كبير بدون موسيقى تصويرية رائعة، وهذا الفيلم خير مثال على ذلك، وعرف المخرج كيف يتلاعب بها مضيفا تأثيرا دراميا كبيرا للفيلم. ولا غرابة في هذا، فمؤلف الموسيقى كان أدولف دويتش الذي ألف موسيقى أفلام شهيرة مثل «والد العروس» و«نساء صغيرات» و«البعض يفضلونها حارة».
٭ باحث ومؤرخ من العراق