فيلم ‘الطريق الثوري’: أو قصة الطريق المؤدي للسعادة المجهضة..!

حجم الخط
0

بدر السلام الطرابلسيلطالما كان طرح اشكاليات من قبيل مسألة البحث عن الذات وملء الكينونة أو مباحث من قبيل الاغتراب وتكسير قيود التقليد.. إلخ. من أهم المحاور الوجودية التي أقضت مضاجع الكثير من الفنانين والمفكرين والأدباء والمبدعين بأسئلة متكاثرة ومتناقضة، بل وعبثية في أحيان كثيرة، وقد أدت هذه المعاناة الذهنية ذات الخلفيات اللاواعية بلا منازع إلى مخاض ولادة أثمرت عن درر فنية وفكرية وعلمية وأدبية، كتعبيرات ولادية عن ذروة المعاناة التي وصل إليها هؤلاء ‘المتمايزون’ أو ‘المختلفون’ عمن يحيط بهم.

ولكن أن يشعر الزوجان ‘آل ويلار’ بقلق وجودي وبعبثية حياتهم التي يعيشونها، رغم أنه ليس منهم من يحترف الشعر أو الكتابة أو الرسم أو حتى الصيد، فذلك أمر من المفترض أن يعتبر ‘غريبا’ أو مستهجنا بما يعنيه من تطفل على حقل لا يخصهما رغم مشاعيته الثقافية، فـ ‘أبريل’، مثلا، زوجة ‘فرانك ويلار’ اعتقدت في نفسها موهبة التمثيل، إلا انها فشلت في أول عرض مسرحي تقدمه، فما الذي يدفعها إلى خوض صراع وجودي مع ذاتها في المستوى الأول؟ ثم مع زوجها ومع المجتمع في مستوى ثان وعلى درجات مختلفة؟ ربما الشيفرة التي من الممكن أن تؤدي إلى تقديم اجابات على هذه الاستفهامات تكمن في ‘الطريق الثوري’ Les Noces Rebelles، والذي نحن بصدد قراءته وتحليله، فتفكيك هذه الشيفرة سيقودنا إلى فهم أكثر للإشكاليات التي طرحها هذا الشريط.’الطريق الثوري’، بادىء ذي بدء، هو فيلم سينمائي للمخرج الإنكليزي ‘سام ماندز’ Sam Mendes المعروف عنه الشحّ في الانتاج والتفرد في آثاره الفنية التي يخرجها، خصوصا بابتعاده قدر المستطاع عن الأنماط السينمائية التجارية.

ويقوم فيلم مانديز ‘الطريق الثوري’ على رواية تحمل نفس الاسم، حيث اعتبرت ‘عملا رفيعا في الأدب الأميركي’ وصنفتها مجلة ‘تايم’ من بين ‘أفضل 100 رواية على الإطلاق’. وقد اقتبس منها منداس حدوتة فيلمه التي تحكي قصة عائلة أمريكية عاشت في خمسينيات القرن الماضي في مجتمع محافظ في إحدى الضواحي الأمريكية الهادئة التي تحمل اسم ‘الطريق الثوري’Revolutionary Road / Les Noces Rebelles ، وتتكون هذه العائلة من أبوين وطفلين، فالزوجة كانت تحلم بالشهرة في ميدان المسرح، لكنها فشلت في تحقيق حلمها لنقص في الموهبة، أما الزوج فيعمل موظفا في شركة، تحصلا على منزل جميل في إحدى الضواحي، غير انهما كانا غير مقتنعين كثيرا بفكرة الاستقرار في ذلك المكان، فالزوجة رفضت فكرة الفشل والحياة الرتيبة واقترحت على زوجها السفر إلى باريس من أجل حياة أفضل ممكنة، عساهم يقلبون صفحة الروتين المنظم والهدوء العبثي والجو المحافظ الذي كان يخنقهم أينما وجدوا في الزمكان الموازي لنسق حياتهم، دون أن يلتقي معه في أي محور وجودي ذي معنى. إن هذا الحل الثوري الذي خلصت له ‘أبريل’ بالسفر إلى باريس وبدء حياة جديدة، خاصة وأن امريكا ساعتها، – بعد الحرب العالمية الأولى – كانت تعتبر ‘أرض الأحلام’، لاقى استغرابا من جيرانهم، ومن زملاء زوجها ‘فرانك’ في العمل، والذين رأوا في مشروع ‘آل ويلر’ بالرحيل انعكاساً لشخصيتيهما غريبتي الأطوار، لكننا عندما نتابع أحد الحوارات الذي ورد في مشهد من مشاهد الفيلم حيث تحاول من خلاله ‘أبريل’ اقناع زوجها بالسفر بالقول ‘إن الحقيقة مؤلمة.. يا فرانك.. لا نستطيع تجاهلها.. إنها موجودة ولن يمحوها خداعنا لأنفسنا’. وتضيف: ‘لا؛ هذا ليس واقعيا؛ ليس من الواقع في شيء لرجل ذي عقلية جيدة أن يستمر في نفس العمل الذي لا يطيقه عاما بعد عام؛ يعود إلى منزل لا يطيقه أيضا؛ إلى زوجة لا تطيق نفس الوضع بنفس الدرجة’، فبمتابعتنا إذا لهذه الاعترافات من ‘الزوجة’ نجد أنها تحمل في طياتها منطقا عقليا لا غبار عليه، وإن لم يكن محل تقاطع مع السواد الأعظم من مجتمعهم، الا أنها تعتبر محاولة منها لإنقاذ ما يمكن انقاذه في حياة هيمن عليها الملل والضجر، حيث لم تعد العائلة والعمل والمسكن الهانىء عوامل توفر راحة البال والسعادة في الاستقرار بالمفهوم اللاتقليدي للكلمة.

لقد عبر المشهد، الذي يظهر فيه ‘فرانك’ زوج ‘أبريل’ متوجها إلى الشركة التي يعمل فيها مع العشرات من زملائه الذين يرتدون جميعهم قبعات وبدلات متشابهة ويتجهون صوب وجهة واحدة، عن جانب آخر رتيب في حياة ‘فرانك’، فكل شيء في حياته يتكرر يوميا كأنه يعيش نفس اليوم مئات وآلاف المرات، وهو ما غذى في داخله جدلا قديما قدم الانسان يقوم على اشكاليات من قبيل: هل التمسك بالاستقرار هو من قبيل الاختيار الواعي أم هو خوف من الدخول في تجربة التغيير والارتقاء عن طريق درب المغامرة غير معلومة النتائج؟

إن هذا المشهد الذي يتكرر فيه ‘فرانك’ ويتكاثر في صورة نظرائه العاملين في نفس الشركة، والذي أخذ وقتا كثيرا إلى حد ما من زمن الفيلم، يوحي للمشاهد بوجود نسق بطيء للفيلم وظف، بالاضافة إلى مشاهد اخرى من الحياة اليومية للعائلة، بشكل مقصود من المخرج سام ماندز حتى يغذي الرابط الايحائي بين المشاهد والفيلم، ومن ثمة يجعله يستبطن ذلك الشعور بالملل الذي يسم حياة الزوجين آل ويلر، وهو ما من شأنه أن يؤثر اقناعيا على المشاهد من أجل أن يتقبل موافقة الزوج على مشروع زوجته مثلا بتركه لوظيفته وبيته وبلده والسفر لفرنسا لخوض تجربة جديدة مليئة بالحياة والاختلاف، كما من شأنه أيضا ان يعطينا مبررا لقبول ‘الجنون’ الخلاق الذي يسم تفكير زوجته في مقاربتها لشكل الحياة التي تطمح إلى عيشها، تلك الحياة التي لا تعرف الاستقرار المتواصل، وتثور على التقليد المحافظ الذي يكبل المجتمع الأمريكي في الخمسينيات، حيث أن سطوة الثروة وهيمنة رأس المال في تلك الفترة قلصا من مساحة الحلم والحياة عند المواطن الأمريكي.

وفي هذا السياق، اعتبر ‘جون’ John Givings مثلا وهو أحد شخصيات الفيلم الثانوية وابن صاحبة المنزل الذي استأجرته عائلة آل ويلر في ‘الطريق الثوري’، اعتبر مريضا نفسيا وأدخل إلى مصحة لتلقي العلاج السريري لمرض ‘الاغتراب’ Ali’nation!. فعلى الرغم من حيازته درجة الدكتوراه في الرياضيات، إلا أن أفكاره جوبهت بالرفض من مجتمعه واعتبر متمردا هامشيا. هذا وقد عرفته أمه بعائلة آل ويلر وأخذته لزيارتهم مرات عديدة، وقد لاقى حديثهم معه عن رغبتهم في التغيير والانطلاق لأرض أخرى لم تطأها قدم ‘أبريل’ من قبل تفاعلا كبيرا منه، خصوصا عندما عرف الأسباب، بل وشجعهم على التشبث بهذا الطريق. وقد تأثر كثيرا بما صرح به له ‘فرانك’، في سياق تعداده للأسباب التي جعتلهم يقدمون على هذه الخطوة حيث قال له فيها بأنهما يريدان الخروج على ‘اللامعنى اليائس’ L’insignifiance d’sesp’rante الذي يحول دون عيش طموحاتهم بحياة أفضل وذات معنى.

لكن تراجع الزوج عن مشروع السفر إلى باريس بسبب حصوله على ترقية في عمله فتح عليه أبواب غضب زوجته التي حاولت اقناعه بالعدول عن تراجعه دون جدوى، وهو الأمر الذي جعل ‘جون’ ينتفض عليه في احدى زيارته لهم في منزله بالطريق الثوري، ويذكره بكلامه السابق عن رغبته في التجديد والتغيير والمغامرة المدروسة من أجل عيش حلمهما. لقد ناقشه ‘جون’ في هذا المشهد بشدة وقسوة وغضب كذلك، فبعد أن اعتقد بأنه ليس الوحيد الذي يفكر باختلاف عن الآخرين، فإن تراجع ‘فرانك’ عن ملاحقة حلمه أصابه برجة عصبية وخيبة أمل كبيرة، بل ذهب بعض النقاد إلى أكثر من ذلك واعتبروا أن شخصية ‘جون’ (المريض النفسي)، والتي أبدع في توظيفها كاتب سيناريو الفيلم ‘جستن هيث’ هي انعكاس للواقع الاجتماعي كما يريدون عيشه، وانعكاس متجسد لطموحاتهم وأحلامهم التي تتكسر على صخرة فلسفة ‘الواقعية والاستقرار’Realisme/Stabilite’ وتربية الأطفال والمكسب المادي المؤقت.. إلخ، بل وتجلّ يحتضر لما يمكن أن تكون عليه حياتهما إذا اتبعا احساسهما ولاحقا أحلامهما، هي انتفاضة أخيرة لرغبة شديدة في الحياة، في الانطلاق، في كسر أغلال الواقع الرتيب، لكنها اغتيلت من قبل الزوج الذي اعتبر أن مستقبله المهني أهم من رغبة زوجته وحلمهما المشترك.

لقد أدت سلسلة الاخفاقات التي شابت مشروع الزوجين بتغيير حياتهما إلى نتيجة تراجيدية تجسدت في قرار ‘أبريل’ الاقدام على عملية اجهاض ذاتية التنفيذ لحملها الذي كان من الأسباب التي اتكأ عليها ‘جاك’ Jack لاقناع زوجته بالعدول عن فكرة السفر، وقد أسفرت عملية الاجهاض الذاتي التي قامت بها ‘أبريل’ عن فقدانها حياتها، ولعلها كانت تعلم مسبقا بان اقدامها على الاجهاض بمفردها سيؤدي إلى حتفها، لكنها لم تتراجع عن خطوتها تلك. وقد برزت علامات هذه النتيجة المأساوية بشكل مسبق على وجه ‘أبريل’ لحظات قبل قيامها بمحاولة الاجهاض، في مشهد درامي مؤثر بكت خلاله بطلة الفيلم حظها العاثر في هذه الحياة، بكت وهي ترى تحطم أحلامها على صخرة الواقع الذي سجنت فيه اختيارياً أحيانا ومرغمة أحيانا أخرى، ثم تمالكت نفسها وتوجهت نحو النافذة التي تطل على شارع ‘الطريق الثوري’ لتودع أحلامها وطموحاتها وحبها للحياة والتحرر.. في كلمة.. يمكننا القول في نهاية قراءتنا التحليلية لفيلم ‘الطريق الثوري’ أن سيناريست الفيلم الكاتب ‘جستن هيث’ Justin Haythe قدم نصا سينمائيا ليس فقط وفيا إلى حد كبير لقصة الروائي الأمريكي ‘ريتشلرد ييتس’ Richard Yates ، بل وأيضا متناغما مع الأسلوب الفني لمخرج الفيلم سام ماندز Mendes، والذي يتسم بانسجام بين البعدين المسرحي والسينمائي، خاصة اذا ما علمنا أن ماندز أخرج العديد من المسرحيات مما أثر على أسلوبه في الاخراج السينمائي لكن في الاتجاه الابداعي طبعا، الأمر الذي نلاحظه خصوصا في الحوارات المطولة بين أبطال الفيلم وكثرة ما تبوح به شخصيات الفيلم من أحاسيس وأفكار، والتي كان من الممكن تركها للتعبيرات الجسدية والذهنية، ولنسق تحركات الملامح والأسارير وغير ذلك من توظيف للأضواء والموسيقى والديكور، التي بانزياحها عن المشهد السينماتوغرافي في بعض الأحيان، تركت المجال لازدهار تقنية الصراعات الخارجية ولاستباحة اللغة السينمائية لصالح نظيرتها المسرحية.. الخ.

غير أن هذا التوظيف للبعد المسرحي لم يخل بالنسق الفني الداخلي للفيلم بل على العكس أعطاه بعدا آخرا، وربما اذا صحت العبارة يمكن تسميته بابداع الابداع، كما أن ادماج الشكل المسرحي، والذي نلاحظه أيضا في تدخلات ‘جون’ الهستيرية أحيانا، لم يحجب عن أعيننا جمالية سيناريو الفيلم الذي رافق تطور الشخصيات والأحداث من خلال نسق درامي نقي يصعد بالجمهور، على حسب تراوح نسقه المشاهداتي، إلى نقطة التوتر الكبرى التي لم تشهد هدوءا بعدها أو استقرارا، بل نوعا من اللامعنى التراجيدي / اليائس والمستقر والذي نلحظه في ملامح زوجها بعد وفاتها وفي عيون الآخرين.. وبناء على ما سبق ذكره فإن سيناريو الفيلم يعتبر ‘نصا دقيق يحسب حساباً لكل كلمة وهمسة ونظرة تنبعث من الشخصيات، وقد تجلت براعة كاتب السيناريو ‘جستن هيث’ في تطويعه لكل شيء في الفيلم للضغط على شخصية ‘أبريل’ تمهيداً للنهاية العظيمة التي تنتهي بها أحداث القصة’، فعلى خلاف دور المرأة الذي يعتبرا هامشيا أمام دور الرجل في مجتمع خمسينيات القرن الماضي، جعل هيث المرأة تحتل دور الصدارة في هذا الفيلم، ‘وتثير اعجاب الرجال’ الذين لم يتعودوا على هذا النوع من النساء ذوات الشخصية المركبة والمتوثبة، فهي امرأة مختلفة تحب المغامرة والتجديد وخوض التجارب بعقلانية المغترب / المعتوه.

يبقى في الأخير أن نقول بأن الجموح الثوري، الذي صبغ حلم / وهم ‘فرانك’ و’ أبريل’ بالسفر إلى الأرض الموعودة / أرض الأحلام (بلا مغزى أنطولوجي للمصطلحات)، ما كان ليعترض بمعوقات شتى لو طرح في الستينيات من القرن الماضي حيث الثورة الثقافية الهيبية La r’volution culturelle hiie هي التي كانت سائدة في تلك الفترة، والجنون ـ العاقل / المنظم – هو الذي يميز سلوكات الأفراد وخططهم في الحياة، الأمر الذي يجعل من أبريل وبدرجة أقل فرانك يعتبران من الآباء الروحيين لهذه الحركة الهيبية دون أن يجنيا ثمارها.

صحافي تونسي مقيم في الدوحة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية