فيلم «الكهف»… طريق لحفرة أو لمنفى!

حجم الخط
0

■ في فيلم «الكهف» للمخرج السوري فراس فياض والطبيبة أماني بلور، تماطل الحياة كل محاولات الموت لخنقها، تقف في وجه الهلاك، تعرقل خطواته بعض الشيء مدعية هزيمته تارة وهزيمتها تارة أخرى. هناك، في الطابق السفلي من الأرض، تفوح رائحة الدماء والبقاء في ممر واحد. على اليمين، يتلوى جسد طفل يرتعش صوته وهو يسأل الطبيب «هل سأموت»، وعلى اليسار، يصغي جسد شاب يلتقط أنفاسه الأخيرة لصرخة أمه «لمن تركتني»، وما هي إلا دقائق قليلة حتى يصل الموت. يقف بشكل عشوائي في الممر، جاراً عربته المحملة بجثث وأشلاء جثث. وبوجه لا عيون له، يمد يداً على الطفل الذي مات قبل أن يسمع إجابة الطبيب، ويداً على الشاب الذي خاف أن ينقذه طبيب، وفي اللحظة نفسها يرمي الجسدين فوق ما يجره من جثث، ويمشي في الممر حتى يصل آخر النفق ويختفي.
في «الكهف» الذي كان مرشحا لنيل جائزة الأوسكار مؤخرا، يحاول موزارت ان يثأر لأطفال الغوطة، فيبذل جهده مع الطبيب كي يهزم تنهدات اختناقهم. الموت وموزارت كانا على موعد يومي، الموت يحاول القبض على الروح، وموزارت يحاول ان يجعل من الرحيل رحيماً.
رائحة الكلور في الممر تحمل رسالة مستعجلة لكل من بقي حياً ينازع بين موت وموت: من سينجو من الصواريخ سيموت من الاختناق، ومن سيموت من دون أطراف، سيجد أطرافا أخرى مرمية قبله في حفرة الموت، فلو جاءت على مقاسه، ليأخذها، ولو خذلت رجاءه، ليتقبل منطق الموت ويغمض عينيه.
في الوثائقي، يبكي العجز لضعفه، والضعيف لعجزه، وحين تلتقي الصرختان، تبكي جدران الكهف، لأنها تحت الأرض بين موت وموت. لم يتعلم الأطفال في المدارس كيف يموتون وهم على قيد الحياة، لم يتعلموا كيف يغمضون أعينهم حين يقتل أخوتهم في أسرتهم، أو تبتر أطرافهم، أو يرمى والدهم في حفرة، ما تعلموه فوق الأرض لم يجدوه في الكهف. الكهف موت الحياة في سطح الأرض، وإحياء الموتى تحتها، وبين فوق وتحت، يتحول الكهف إلى مأوى للناجين من وطن، وإلى محطة انتظار مؤقتة ستأخذهم من دون شك إلى واحد من مكانين: حفرة أو منفى. في الكهف اختصرت الطبيبة أماني بلور أحلام صبية من الغوطة، مكتفية بالكهف ملاذاً لحلم ما كان بإمكانها ألا تحمله قربان انتماء. دم أبناء غوطتها كان يوثق فصلاً جديداً من فصول المأساة السورية، ودمعها كان يرسم لوحة سيريالية عن العجز في أشد حالاته ضعفاً.
لم تفكر أماني بالهروب. رحل والداها وبقيت هي. كل ما أخذاه من رائحتها نبتة تحمل اسمها. سقايتها كانت الأمل بأن تبقى ابنتهما «العنيدة» على قيد الحياة. لم يعرف الأبوان، ان دماء أطفال الغوطة كان يسقي شجاعة أماني كيلا تفتح باب الكهف وتمضي، ولم تعرف هي نفسها، أنه لو نطق الكهف وطالبها بالرحيل، ما كانت لترحل. الكهف الذي جمعها مع صرخات استغاثة، كان بلا مخرج أو سلالم أو أبواب. إنه شيء اسمه الوطن، شيء إن اخترقنا لا يخرج، وإن أقام فينا، لا يغادر. وأماني كانت ببساطة مصابة بمرض الانتماء إلى ذلك الوطن المدعو سوريا.
في مشاهد «الكهف» الأخيرة، تبكي أماني وهي تستغرب تهافت أبناء الغوطة على الباصات الخضراء، التي جاءت تنقلهم من جحيم محتم: كيف يمكن لشعب ان يتسابق لركوب باصات تقوم بترحيله بعيداً عن وطنه! سؤال تنهي فيه أماني رحلتها في الكهف، من دون ان تطفئ القنديل على ما كان يجري في تلك الأقبية. قافلة الموتى، الذين لاقوا حتفهم في رواق الكهف، تركب مع أماني الباص الأخضر، هي لا تعرف نهاية المطاف، ولو أنها كانت على يقين بأن بدايته لن تكون أٌقسى من نهايته.

٭ كاتبة من سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية