يمثل فيلم «اللامنسجمون» (The Misfits)، الذي عُرِضَ عام 1961، تناقضا غريبا في تاريخ السينما الأمريكية، فعلى الرغم من براعة عمل كل من اشترك فيه ونجاحه الفني في أوساط النقاد، كان نجاحه التجاري محدودا حيث لم يجده المشاهد العادي مثيرا جدا للاهتمام. واشترك في بطولة الفيلم الأفضل في السينما الأمريكية حينذاك مثل مارلين مونرووكلارك غيبل، وأخرجه جون هيوستن. أما المؤلف آرثر ميلر، فهو أشهر كاتب في الولايات المتحدة،. والغريب في الفيلم أنه تم تأليفه وأنتاجه من أجل الشخصية الرئيسية فيه، أي مارلين مونرو ملكة الأغراء في السينما الأمريكية.
أحداث الفيلم
تتمحور القصة حول أربع شخصيات تلتقي في ولاية نيفادا الأمريكية. وكانت الشخصية الأولى «روزلين» (مارلين مونرو) البالغة من العمر ثلاثين عاما عديمة التعليم. وقد طلقت زوجها متهمة أياه كذبا بالمعاملة السيئة، بينما في الحقيقة أنه كان منهمكا في العمل. ومشكلتها الرئيسية أنها تريد رجلا يكون مهتما بها طوال الوقت، ولكنها لم تكن ملاكا، فللتخلص من زوجها وجهت إليه اتهامات باطلة في المحكمة، للحصول على الطلاق منه، على الرغم من محاولات زوجها المتكررة التصالح معها.
الشخصية الثانية «غَي» (كلارك غيبل) راعي البقر، الذي لم يملك سوى شاحنة صغيرة قديمة ومهارة في التعامل مع النساء. وقد تركه أولاده نظرا لأهماله لهم. ولم تكن له أي فرصة للعمل، فمهاراته أصبحت قديمة وعديمة الفائدة. والشخصية الثالثة «غيدو» (أيلي وولج) ميكانيكي السيارات الذي دخل كلية الطب قبل الحرب العالمية الثانية. ولكن دراسته توقفت بسبب الحرب العالمية الثانية، حيث عمل طيارا حربيا فيها. وكل ما يملكه كان طائرة قديمة ومنزلا غير مكتمل خارج المدينة. أما الشخصية الرابعة، «برس» (مونتغومري كلفت) فشاب رقيق ذو حساسية مفرطة، طرده زوج والدته حارما إياه من ميراثه، فأصبح معدما. ويحاول جاهدا الاشتراك في مسابقات ترويض الثيران والخيول، ما أدى الى إصابته إصابات بالغة، وجعله هذا يفكر جديا بترك هذا المجال، ولكنه لا يملك أي مهارة.
يفتتن الرجال الثلاثة بـ»روزالين»، ولكنها تقيم علاقة مع «غَي». ومع ذلك فإن «غيدو» لا يكف عن المحاولة.
يذهب الجميع إلى الصحراء لاصطياد الخيول و»روزلين» في حيرة من هذه المهمة. وهناك تكتشف أن الخيول التي سيصطادونها سوف تباع لتجار كي تذبح لتكون طعاما للكلاب، فيثير ذلك غضبها وتقول لـ»غَي» إنها لم تعرف إنها كانت مغرمة بقاتل. ولكن «غَي» أبدى استغرابه لغضبها، وأخبرها أنه فعل من أجلها ما لم يفعله من أجل أي فتاة أخرى. بعد صيد ستة خيول تتوسل «روزلين» بـ»غَي» لإطلاق سراح هذه الخيول، ويتردد الرجل، ولكنه يغضب ويصر على المضي في المهمة، عندما تعرض عليه هي مئتي دولار مقابل إطلاق سراح الخيول. ويعرض عليها «غيدو» إطلاق سراح الخيول بشرط أن تترك «غَي» من أجله، ولكنها تنهره متهمة إياه بالقسوة والأنانية المفرطة، إذ لم يكن مهتما سوى بمصالحه هو. وبعد ذلك تصيح بالجميع متهمة إياهم بالاستمتاع بقتل كل شيء. وعند حلول المساء يقترب منها «برس» (مونتغومري كلفت) ويسألها إن كانت تريد منه إطلاق سراح الخيول، فتبلغه أنها لا تريد أن تثير معركة بينهم، ولكنه مع ذلك يطلق سراحها. وأثار هذا دهشة «غَي» الذي يطارد أقوى الخيول ويسيطر عليه بمفرده. وبعد ذلك يفاجئ «غَي» الجميع بإطلاق سراح ذلك الحصان، ثم ينطلق مع «روزلين» في شاحنته ما أثار سخط «غيدو». وتنتهي هنا قصة الفيلم.
فكرة الفيلم
الفيلم في الواقع من أفلام الغرب الأمريكي، أي الكاوبوي كما يسميها البعض، ولكن أحداثه كانت في العصر الحديث، فلا مسدسات أو معارك في الحانات. وتناول الفيلم أربعة أشخاص بائسين، حيث اكتشف كل منهم أن الحياة قد فاتته، من دون أن يحقق شيئا أو يتعلم مهنة، وأنه قد أصبح في نهاية المطاف وحيدا في عالم قاس لا يحتاجه منتظرا موته البائس، فـ»روزلين» التي لم تنهِ الدراسة الثانوية، كانت تحتاج إلى من يبقى إلى جانبها ويهتم بها طوال الوقت. أما «غَي» فإنه راعي بقر من الطراز القديم الذي ما عادت مهاراته مفيدة في هذا العالم الجديد، وقد قضى وقته يطارد الفتيات، مهملا أطفاله ونفسه، حيث لم يتعلم شيئا في حياته. وكان ندمه لإهماله أطفاله وتشوقه لرؤيتهم، ما جعله يتخيل وجودهم أمامه كلما ثمل. وبالنسبة لـ»برس»، فإنه يعاني من اضطرابات نفسية شديدة بسبب وفاة والده وإهمال والدته له، ولا يملك أي مهارة في الحياة. وحتى مسابقات ترويض الثيران والخيول، فقد قرر تركها بسبب الإصابات الجسدية المتكررة، وانعدام المردود المالي.
برهن المخرج جون هيوستن، على أنه من أفضل المخرجين في تاريخ السينما الأمريكية حيث نجح في إيصال مشاعر الممثلين إلى المُشاهد، لا سيما في مشاهِد اصطياد الخيول. وكان قرار المخرج الكبير أن يكون الفيلم بالأبيض والأسود صائبا حيث زاد ذلك من التأثير الدرامي للفيلم.
وأما «غيدو»، فقد أضاع فرصته في أكمال التعليم الجامعي بسبب الحرب، وكل ما يتمتع به هو قيادة طيارته القديمة، التي هي بحاجة ماسة إلى محرك جديد، ولذلك كان ينظر إلى الآخرين نظرة دونية، لكونه الأفضل تعليما وماديا. ولكن هؤلاء الرجال الثلاثة يعثرون على «روزلين» التي تبدو سهلة المنال، بسبب ثقتها السريعة بمن حولها، فيحاول كل منهم الحصول عليها، ولكنها ستكون من نصيب شخص واحد فقط. وبذلك يبدأ الصراع، ومحاولة التقرب منها، حتى لو تطلب ذلك منهم القيام بتنازلات كبيرة، واستعراض كل منهم ميزاته أمامها، فـ»غيدو» الأكثر ثراء «نسبيا» وتعليما، و»غَي»، قام باستعراض مهارته وعضلاته في السيطرة على الخيول، وكان «برس» الخاسر الأكبر، فقد كان أدبه الجم وخجله حاجزا بينه وبين «روزلين»، وأضاف إلى ذلك إفلاسه المادي. وتمثل «روزلين» بالنسبة لهم الأمل في الحياة، إذ أنها تمثل الرفقة الأجتماعية والزوجة والأم لأطفال من ينالها، والأطفال رمز الحياة.
تصوير الفيلم
كان الكاتب الأمريكي آرثر ميلر متيما بمارلين مونرو، فانتقل إلى ولاية نيفادا للطلاق من زوجته الأولى بسرعة ليتزوج مارلين. ومن الواضح أن حبه لها منعه من التمعن في شخصيتها البالغة الأنانية والوقاحة، حيث أنها لم تضع أي حد لتصرفاتها، طالما كان ذلك يرضي أبسط رغباتها. وكان آرثر ميلر قد كتب في السابق قصة قصيرة حول ثلاثة من تجار الخيول يذهبون إلى صحراء ولاية نيفادا، ثم حوّل تلك القصة القصيرة إلى رواية تكون الشخصية الرئيسية فيها امرأة كي تستطيع مارلين مونرو تمثيل دورها، أي أن الرواية كتبت من أجل مارلين. واتصل ميلر بالمنتج فرانك تيلر، الذي كان الأكثر احتمالا أن يقتنع بالرواية، ثم اتصل بالمخرج جون هيوستن، الذي كان أول من قدم مارلين مونرو في الفيلم الشهير «غابة الأسفلت» (1950). وكان من شروط إنتاج الفيلم التأمين على جميع جوانبه. ولكن شركات التأمين رفضت أن تشمل الفيلم بالتأمين بدون فحص طبي كامل للممثلين، لضمان قابلية الممثلين من الناحية الصحية، الأمر الذي كاد أن يمنع مونتغومري كلفت من الأشتراك فيه بسبب إصابته بإصابات شديدة في حادث سيارة. وما أن بدأت إجراءات عمل الفيلم حتى بدأت تصرفات مارلين تشكل عقبة كبيرة في العمل، فعندما زار المنتج فرانك تَيلر وزوجته آرثر ميلر في منزله رفضت مارلين مونرو استقبالهما وبقيت طوال الوقت في الطابق العلوي في المنزل احتقارا لهما. وعندما بدأ التصوير اكتشف آرثر ميلر أن مارلين كانت تخونه مع رجل آخر، فاندلعت معركة كبيرة بين الاثنين، وأخذت تعامله بشكل مهين أمام الجميع طوال فترة تصوير الفيلم. وكانت هناك مشكلة معاناة مارلين من الأرق، ولذلك كانت تتناول الحبوب المنومة، وكمية كبيرة من المشروبات الكحولية كل ليلة كي تنام، فتوقع المخرج أنها لن تبقى على قيد الحياة لفترة طويلة. ومما زاد الأمر سوءا تأخر مارلين المتكرر لعدة ساعات عن الحضور لموقع التصوير، وكانت أحيانا تغيب يوما كاملا، ما جعل التصوير يتوقف لحين حضورها، نظرا لوجودها في أغلبية مشاهد الفيلم.
الغريب في الأمر كان التشابه بين الممثلين والشخصيات التي مثلوها في الفيلم، فمارلين مونرو كانت تقترب من نهاية مجدها، بسبب تقدمها في السن كنجمة الإغراء الأكبر في السينما الأمريكية، حتى توفيت منتحرة عام 1962 بسبب إفراطها في تناول الحبوب المنومة. أما كلارك غيبل، فقد توفي بالسكتة القلبية بعد أيام من انتهاء تصوير الفيلم، على الرغم من اجتيازه الفحص الطبي، الذي فرض على جميع ممثلي الفيلم. وذكر مصدر صحافي أن سبب السكتة القلبية كان التوتر الواضح أثناء تصوير الفيلم والتأخيرات المزعجة، التي تخللت الإنتاج. وبالنسبة لمونتغومري كلفت، فقد كان يعاني من مشاكل صحية متمثلة في آلام شديدة كان سببها حادث سيارة تعرض له عام 1956 ولم يتعاف منه، حتى اضطر الى التوقف عن العمل وتوفي عام 1966 عن عمر ناهز الخامس والأربعين.
قد يكون أداء الممثلين الرائع أهم ما ميز الفيلم، فكانت مارلين مونرو محور الفيلم، وأدت دورا متميزا، ما سنح لها الفرصة لإثبات أنها ممثلة درامية متمكنة. وتمتاز مارلين مونرو بكونها كانت الشخصية الرئيسية لعدة أفلام مثل أفلام «البعض يفضلونها ساخنة» و»نياغرا»، وهذه ميزة نادرة في عالم السينما.
أما كلارك غيبل، فقد كان في الواقع يمثل دورا شبيها نوعا ما بدوره في «ذهب مع الريح»، على الرغم من أننا نجده هنا متقدما في العمر. وبرع في تمثيل الرجل اليائس الذي يحاول جاهدا إقناع «روزلين» بأنه ما يزال شابا.
برهن المخرج جون هيوستن، على أنه من أفضل المخرجين في تاريخ السينما الأمريكية حيث نجح في إيصال مشاعر الممثلين إلى المُشاهد، لا سيما في مشاهِد اصطياد الخيول. وكان قرار المخرج الكبير أن يكون الفيلم بالأبيض والأسود صائبا حيث زاد ذلك من التأثير الدرامي للفيلم.
ينتهي الفيلم بمغادرة كلارك غيبل مع مارلين مونرو المكان الصحراوي في الظلام بشكل يكاد أن يكون خياليا، حيث تسأله مارلين عن كيفية معرفته للطريق في جنح الظلام، فيقول لها «أترين ذلك النجم الساطع؟ أتبعي النجم فقط، فالشارع أسفله». وكان ذلك وكأنه توديع مارلين مونرو وكلارك غيبل لعالمنا، وعالم السينما حيث أنهما لم يعودا أبدا.
٭ باحث ومؤرخ من العراق