فيلم «المرشحة المثالية».. هيفاء المنصور تكشف المستور في المجتمع السعودي

نسرين سيد احمد
حجم الخط
1

فينيسيا ـ «القدس العربي»: في فيلمها الروائي الرابع «المرشحة المثالية»، تتولى المخرجة السعودية هيفاء المنصور مهمة ليست باليسيرة، فهي تأخذ على عاتقها كشف المستور من عورات المجتمع السعودي، الذي تتغير قوانينه على الورق بوتيرة متسارعة في الآونة الأخيرة، ولكن يبقى الكثير من تحيزاته وتحاملاته وتهميشه للمرأة وتحريماته ومحظوراته ونواهيه، باقية راسخة في الأذهان ومكرسة في التعاملات.

ولكن في السينما لا يكفي ما يقال لتقديم فيلم جيد، ولا تكفي الرسالة المراد توصيلها وآنيتها لتقديم فيلم جيد، وهذا تحديدا هو الدرس الذي لم تعه هيفاء المنصور، فهي تقدم فيلما متقد الحماس، يعري ويفضح وينتقد، ولكنه لا يلقي الكثير من البال بالصنعة، ويعاني الكثير من التسطيح في التناول، والكثير من الترهل في السرد.
تطالعنا صورة العاهل السعودي سلمان بن عبد العزبز وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في عدد من مشاهد الفيلم، وربما في ذلك إشارة للإشكالية التي يواجهها المجتمع السعودي، ويواجهها الفيلم ذاته. تبدو لنا الصورتان كما لو كانتا ترقبان ما يدور في الفيلم، فثمة محاذير ومحظورات يجب على المخرجة مراعاتها، حتى لا تثير حفيظة أولي الأمر. وفي الوقت ذاته، شهدت المملكة مؤخرا بعض التطورات، مثل السماح للمرأة بقيادة السيارة، وهو ما نراه في الفيلم، في صورة شخصيته الرئيسية وراء عجلة القيادة، في طريقها للعمل. الأمر شائك وملتبس إذن فتلك السلطات التي فرضت قيودا مشددة على المرأة خاصة، بدأت ترخي هذه القيود، وحتى مع إرخاء بعض القيود، ما زال هناك الكثير من الموازنات والحسابات والخطوط الحمر، التي يجب على المخرجة عدم تجاوزها حتى يمكن لفيلمها أن يرى النور.


تدور أحداث الفيلم عن طبيبة شابة اسمها مريم (ميلا الزهراني) تسعى لتعبيد الطريق أمام العيادة القروية، حيث تعمل، ويقودها ذلك للترشح للانتخابات البلدية. هي ليست المرأة المناضلة أو المسيسة، ولكنها فقط تريد أن يصل المرضى للعيادة في سهولة ويسر. يأتي ترشحها مصادفة، وهي تعلم أن فرصها في الفوز ضئيلة للغاية. هي تعلم أن الناخبين الذكور لن يمنحوها أصواتهم، ويستهجنون ترشحها، وتعلم أيضا أن الكثير من النساء لا يمكنهن التصويت لها خشية من أولياء أمورهن الرجال. ليست مريم بالثائرة المتمردة التي ترفض المجتمع بأسره، ولكنها تسعى لتحقيق ذاتها ولإثبات كفاءتها، بدون الخروج عن الإطار العام لما يسمح به المجتمع.

يفرد الفيلم قدرا من الاهتمام لتصوير العلاقات داخل أسرة مريم الصغيرة. أكثر ما يلفت النظر هو والدها صاحب الشخصية غير النمطية. هو الفنان، التائق إلى أن يعلو صوته بالغناء والعزف، وربما لتوقه الشخصي للتعبير عن فنه، يفهم رغبة بناته الثلاث، خاصة مريم، في الحرية.

تنحدر مريم من أسرة أكثر انفتاحا من مثيلاتها في السعودية، فوالدتها الراحلة، كانت مطربة في الأفراح، تحدت قيود المجتمع على اعتبار صوت المرأة عورة. أما والدها، فهو عازف للعود ومطرب في فرقة موسيقية، وهي فرقة تسعى إلى أن يكون لها كيان رسمي حكومي، فبعد أعوام من تحريم الموسيقى، سمحت الحكومة مؤخرا بتشكيل فرقة موسيقية حكومية.
يصبح ترشح مريم طرفة، تنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي، فكيف لامرأة وسط مجتمع ذكوري أن تظن أن لها الحق أو القدرة على منافسة الرجال، أو أن تدير شؤون المجتمع. وحالها في المستشفى ليس أفضل من نظرة المجتمع لها كامرأة تخوض المعترك السياسي أو الحكومي. في المستشفى يستهين بها المرضى الرجال، لمجرد أنها امرأة، ولكنها تسعى لإثبات ذاتها وكفاءتها وكسب الثقة والاحترام. أمور يعتبرها الكثير من النساء من المسلمات ومن الحقوق التي لا تنازل عنها هي ما تطالب به مريم وسط مجتمعها: الحق في السفر بدون طلب لإذن ولي الأمر، الحق في أن تعامل في عملها وفقا لمقدرتها وليس وفقا لكونها امرأة، أن تشارك في إدارة مجتمعها، وأن يكون لها صوت حر مسموع محترم.
في فيلمها «وجدة»، تقدم المنصور قصة وجدة، الفتاة الصغيرة التي تسعى وتجتهد حتى تشتري دراجة، بما تمثله هذه الدراجة من التوق للحرية والانطلاق، وإمساك المقود والإمساك بزمام الحياة، وهذه الأمور ذاتها التي تتوق مريم في «المرشحة المفضلة» لتحقيقها. إنها هواجس ملحة عند المنصور، التي تحاول عبر أعمالها إيجاد مساحة أكبر للمرأة السعودية وإيجاد هامش أوسع لحريتها.
يفرد الفيلم قدرا من الاهتمام لتصوير العلاقات داخل أسرة مريم الصغيرة. أكثر ما يلفت النظر هو والدها صاحب الشخصية غير النمطية. هو الفنان، التائق إلى أن يعلو صوته بالغناء والعزف، وربما لتوقه الشخصي للتعبير عن فنه، يفهم رغبة بناته الثلاث، خاصة مريم، في الحرية. الفتيات الثلاث أيضا لديهن من الحس الفني الكثير، ويجمعهن حب وثقة كبيرين. تذكرنا العلاقة بين الشقيقات الثلاث في الفيلم بالشقيقات في فيلم «موستانغ» (2015) للتركية دينيز غامزي إرغوفين. ولكن رغم القضايا الآنية المطروحة وجديتها وأهميتها، إلا أن صنعة الفيلم لا تأتي بثقل القضايا التي يناقشها. التمثيل يبدو لنا في كثير من المواضع خشبيا بلا إحساس كاف، حتى أنه يبدو لنا أن بعض الشخصيات تلوك الكلمات بدون قناعة. وفي فيلم يفترض أنه يحتفي بالموسيقى والغناء والعزف، جاءت الموسيقى في الفيلم مفتقرة للزخم والروح. كما أن اللهجة الخطابية تسيطر على بعض المشاهد، مثل ذلك المشهد الذي تحصل فيه مريم على الثناء من مريض أجرت له جراحة ناجحة، بعد أن كان رافضا لها كطبيبة لأنها امرأة. ولكن بعض المشاهد لديها القدرة التامة على إقناعنا بمدى سيريالية ولامعقولية حياة المرأة في السعودية في وجود كل هذه القيود على وجودها، ففي لقاء انتخابي كانت مريم تود اللقاء وجها لوجه بالناخبين الرجال للحديث عن برنامجها، ولكنها تضطر إلى أن تحدثهم عبر الفيديو، رغم وجودهم في الغرفة المجاورة، لأنه من المحظــور أن تكون مع الرجال في الحيز ذاته.
ينظر العالم عادة إلى الأفلام السعودية القليلة مثل «وجدة» و«بركة يقابل بركة» لمحمود صباغ على أنها نافذة على مجتمع شديد المحافظة لا يعرفون عنه الكثير. ولكن تقديم لمحة عن مجتمع خفي لا تكفي لصناعة فيلم جيد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية