فيلم «المغامرة» لمايكل أنجلو أنطونيوني ضمن الأفضل في التاريخ

حجم الخط
0

هو الفيلم الأول من ثلاثية للمخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني، ثانيها «الليلة» وآخرها «كسوف»، ثلاثية أفلامها مستقلة عن بعضها، حكاية وشخصيات. ومن الفيلم برز اسم مونيكا فيتي كواحدة من أيقونات/جميلات السينما الإيطالية. وبهذه الثلاثية كرّس أنطونيوني نفسه أكثر كأحد أبرز المخرجين/ المؤلّفين في السينما الإيطالية وكذلك العالمية آنذاك.
عُرض الفيلم مؤخراً ضمن البرنامج الافتتاحي لموسم 2018/ 2019 في سينماتيك تولوز، وضمن برنامج «الأفلام اللازم مشاهدتها». واخترنا، من بين بضعة أفلام يشملها البرنامج، هذا الفيلم لكونه الأكثر إلزاماً للمشاهدة من غيره في البرنامج، وسنعود لفكرة الإلزام بعد الحديث عن الفيلم.
للفيلم لغة سينمائية أنجزها أنطونيوني من خلال الصور، السينماتوغرافيا الخاصة. العديد من اللقطات الثابتة، القريبة والبعيدة، كانت مكامن جمالية في الفيلم. كل لقطة منه أمكن أن تكون صورة فوتوغرافية، أمكن لهذا الفيلم أن يشكّل، بنفسه، معرضاً للصوّر. دعّم ذلك الحكاية التي كتبها، كذلك أنطونيوني.


رحلة في قارب عند سواحل صقلية، فيه آني وخطيبها ساندرو وصديقتها وآخرون، يصلون إلى جزيرة صخرية، تتكشّف أكثر الخلافات بينها وبين خطيبها. تختفي آني فجأة، في وقت كانت هي مركز الفيلم، لتحلّ محلها كلاوديا، صديقتها المقرّبة التي كانت، إلى حينه، مهمّشة بين الأصدقاء وكذلك في الفيلم، الذي ستصير هي مركزه، وبطلته التي كانت مخبأة. وستأخذ مكان صديقتها، آني التي تم تقديمها من البداية كأنّها البطلة، وستنشأ علاقة بينها وبين خطيب آني أثناء البحث عن الأخيرة.
فور الاختفاء يبدأ الجميع بالبحث عنها، وتدريجياً تظهر مشاعر مكبوتة بين كلاوديا وساندرو. بعد أيام وقد عاد الجميع، تمر العلاقة بين الحبيبين الجديدين بمراحل، إنما تبقى دائماً في ظل آني. غياب آني حاضر في ما نشاهده بين كلوديا وساندرو، وقد حملنا الفيلم بعيداً عمّا بدا لفترة حبكته، وهو البحث عن آني، حملنا بعيداً إلى علاقة تنشأ بين الحبيبين الجديدين، ومع تقدّم الوقت ننسى آني أو ننسى أنّ شخصيات الفيلم الرئيسية، كلّها، كانت تبحث عنها.

العديد من اللقطات الثابتة، القريبة والبعيدة، كانت مكامن جمالية في الفيلم. كل لقطة منه أمكن أن تكون صورة فوتوغرافية.

في الفيلم نقلات كتلك التي تحصل زمانياً فيفصل أحدنا بين ما شاهده وما سيشاهده، إنّما النقل هنا مكاني، فلكل مكان قصّته وشخصياته، وذلك بنقل الشخصية المحورية من آني إلى كلوديا، ويرافق كل ذلك نقل في الأجواء والمشاعر وحتى التوقعات في ما ستصل إليه محاولات ساندرو، الذي لطالما تجنّب الزّواج من آني، للتقرب من كلوديا التي صدّته رغم انجذابها له، قبل أن تقع هي في حبّه، وقبل أن يخونها أخيراً مع بائعة هوى، إذ تراه، ولا يكون ردّ فعلها، كذلك، متوقعاً، ردة الفعل التي عبّرت عنها اللقطة الأخيرة، بدون كلمات، وهي من اللقطات الراسخة في التاريخ الجمالي للسينما العالمية.
ليس البحث أساسياً في الفيلم، وإن شغل شخصياته الأساسية في نصفه الأوّل، إنّما الأساسي هو قصة الحب بين الاثنين، حب في ظل حب آخر اختفى مع صاحبته، فصار بديلاً له وطارئاً عنه، هو حب بدأ كبديل وترسّخ ليصير أساس الحكاية، بدأ بممانعة كلوديا ولا ينهيه الفيلمُ بخيانة ساندور. لطالما كانت كلوديا وحيدة، تتعرّض لموقف المتفرّج، العنصر الثالث غير المرغوب فيه، أمام أصدقاء أزواج يقبّلون بعضهم أو يتهيّأون لممارسة الحب، تشعر بالحرج وتبتعد وحيدة. حتى في الرحلة إلى الجزيرة، كانت الوحيدة هناك التي لم تكن مع صديق أو رجل، الوحيدة العزباء مقابل أزواج من الأصدقاء، تمضي وقتاً معتبراً تتجوّل لوحدها إلى أن تختفي صديقتها، وتبدأ بالبحث عنها ثم بالهرب من ساندرو ثم بالتعلّق به ومرافقته.
ما بدا بدايةً كالحكاية المركزية في الفيلم – اختفاء آني- تطوّر ليصير مقدّمة لحكاية هي الأساسية، وإن كانت في ظل الأولى، ومن بدت بدايةً كالشخصية الرئيسية في الفيلم (آني) تطوّرت الحكاية لتصير مبررِّاً لحضور شخصية أخرى (كلوديا) هي الرئيسية على طول الفيلم، وإن كانت كذلك في ظل الأولى. في الفيلم جماليات عالية، سيناتوغرافيا بديعة، أداء رائع للجميلة مونيكا فيتي. الحكاية والشخصيات فيه، تطوّر العلاقات بينها، هي قيمة جمالية سردية أخرى في الفيلم، ما يجعل مشاهدة الفيلم إلزامياً.

هنالك أفلام يصبح تصنيفها موضوعياً لتراكم الذاتي تجاهها.

الأفلام اللازم مشاهدتها!

إن برمجيات كـ»الأفلام اللازم مشاهدتها» أو لوائح كـ»الأفلام الأفضل في التاريخ» هي تصنيفات ذاتية جداً، فالمبرمج أو الناقد هنا، أو مجموعة منهم، هي الجهة التي تختار ما تراه هي الأفلام الأفضل، ولأننا نحكي عن أعمال فنّية، فتلك التصنيفات لا تُعمَّم بالضرورة على جميع الأذواق، وإن كان أحدنا يفضّل أنطونيوني على مخرج إيطالي آخر ومزامن له كفيدريكو فلّيني أو بيير باولو بازوليني، فإن ذلك لا يعني أن أحدهم أفضل من الآخر، خاصة أن لكل من الثلاثة، مثلاً، أسلوبه المتميّز على الآخرين. إنّما هنالك أفلام يصبح تصنيفها موضوعياً لتراكم الذاتي تجاهها.
وبالحديث عن «المغامرة» ، يصعب إيجاد مُشاهد محبٍّ للسينما لا يلتفت للجماليات البصرية والحكائية في هذا الفيلم، الذي بُرمج كواحد مما يتوجّب مشاهدته هنا، ولم يجد مكاناً في لائحة مجلة «تيليراما» الفرنسية عن «أفضل 100فيلم، وإن حضر فيلمان آخران لأنطونيوني هما «كسوف» في المرتبة 26، و«المهنة: صحافي» في المرتبة 65. لكن الفيلم ذاته نال المرتبة 21 في لائحة أكثر موثوقية هي الخاصة بمجلة «سايت آند ساوند» البريطانية، وقد حضر «كسوف» في المرتبة 73.
تبقى هنالك لوائح خاضعة للمنطق التجاري والجماهيري، وتعتمد على تقييمات لزوّار الموقع، منها موقع IMDB الشهير، وهو بنك معلومات عن الأفلام، إنّما ما نجده في لائحته هو أولاً أفلام أمريكية، وهو ثانياً يخضـع لجماهيرية هذا الفيلم أو ذاك. هنالك لائحة أكثر مصداقية، تعتمد كذلك على طبيعة الزوّار، هي لائحة موقع «موبي» لأفضل ألف فيلم، فهي تتقاطع في العديد من المراتب والأفلام مع اللائحتين السابقتين المعتمدتين على نقّاد وليس زوّارا، لمجلّتَي «تيليراما» و«سايت آند ساوند»، وإن اعتمدت على الزّوار إنّما لطبيعة محتوى «موبي» يمكن أخذ آراء الزوّار بجدية أكبر من زوّار IMDB.
أخيراً، تبقى هذه كلّها آراء شخصية، فلا أحد يمكن له أن يقرّر عن آخر ما «يلزم» مشاهدته، إنّما مع الزّمن ترسّخت آراء حول أعمال فنية، للسينما حصّة منها، وذلك بتراكم الآراء الذاتية لتصنع رأياً موضوعياً حيال هذا الفيلم أو ذاك، وفيلمنا هذا، «المغامرة» أحد تلك الأفلام اللازم فعلاً مشاهدتها.

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية