فيلم «المفتاح» من النكبة إلى غزة 2023… كاميرا الفلسطيني لا تتوقف عن المقاومة

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: في عالم يزداد فيه التزييف الإعلامي، وتتضخم فيه روايات الظالمين على حساب المظلومين، تصبح السينما أداة مقاومة فاعلة، وسلاحًا نوعيًا يحفظ الذاكرة، ويحمي الرواية الأصلية من الضياع.
في هذا السياق يأتي فيلم «المفتاح» كجزء من المسيرة الطويلة للسينما الفلسطينية، ليعيد سرد مأساة النكبة بطريقة مباشرة وبسيطة. الفيلم سيناريو وإخراج التونسي محمد الميساوي، وبطولة المصري أحمد سمير وكوكبة من الفنانين على رأسهم الممثلة التونسية فاطمة بن سعيدان، وجلول الجلاصي، وعايدة نياتي، وسامي التومي، وعبد الله العويتي، ومحمد بن إبرهيم، وسيرين بن رمضان، وأنيس العياري، ومحمد الخامس الطرودي، والأطفال ياسين لملوم، وياسين خطرشي.
يفتقر الفيلم ربما إلى الإبهار البصري أو الكثافة الإنتاجية التي اعتادت عليها السينما التجارية، لكنه يعوض ذلك بصدق نبرته، وإخلاصه لقضيته المركزية، في مواجهة ماكينة دعائية ضخمة تتقن قلب الحقائق، وصناعة الروايات الكاذبة.
تدور أحداث «المفتاح» بدءًا من العام 1948، حيث نشاهد أسرة فلسطينية تعيش حياة بسيطة في قرية وادعة، يتجاور فيها الفلسطينيون واليهود الطبيعيون في سلام حقيقي، بعيدا عن الحقد والكراهية، إلا أن هذا التعايش ينكسر مع تدفق موجات الهجرة اليهودية المنظمة، بدعم من القوى الاستعمارية الغربية.
تستقبل الأسرة الفلسطينية جيرانًا يهودًا مهاجرين بكل حفاوة، وتفتح لهم أبواب بيتها، لكن سرعان ما يتحول هؤلاء الضيوف إلى مغتصبين للأرض والبيت.
بعد اندلاع الحرب، يجد الفلسطينيون أنفسهم خارج بيوتهم بقوة السلاح، وتُغتال الأسرة بكاملها على يد العصابات الصهيونية، ويبقى فقط الطفل الصغير الذي يتمسك بمفتاح بيته، كرمز خالد للعودة والحق الضائع.

من النكبة إلى غزة

ينتقل الفيلم إلى عام 2024، حيث نرى طبيبًا يقدم العلاج في مستشفى بغزة تحت القصف الإسرائيلي المستمر، يداوي الطبيب أسيرًا إسرائيليًا جريحًا، في رمزية واضحة تُفنّد أكاذيب الاحتلال التي تبرر استهداف المشافي، بذريعة وجود مقاومين مسلحين بداخلها.
يكشف الفيلم ببساطته الفطرية أن الفلسطيني ظل إنسانًا يقدس الحياة، رغم كل محاولات الاحتلال شيطنته وتجريده من إنسانيته.
من الناحية الفنية، يبدو واضحًا أن فيلم «المفتاح» لا يملك أدوات فنية قوية أو حبكة معقدة، بل يعاني من ضعف الإنتاج، ومحدودية بناء الشخصيات، غير أن أهمية هذا العمل لا تقاس بميزانيته أو تقنياته، بل برسالته الجوهرية، فقد حاول رغم امكانياته المتواضعة، أن يكون مرآة صادقة لوجع شعب كامل، وعبر عن أمل لا ينكسر، بأن العودة حق مشروع وقريب.

سينما المقاومة الفلسطينية:
حين أمسكت الذاكرة بالكاميرا

ولعل الحديث عن «المفتاح»، يفتح الباب للغوص في تاريخ السينما الفلسطينية، التي تشكلت في ظروف بالغة القسوة، منذ اللحظة التي اجتثّ فيها الفلسطيني من أرضه عام 1948، لم يكن الخطر مقصورًا على فقدان الجغرافيا، بل تعدّاه إلى خسارة الرواية، حيث حاولت آلة الاستعمار الصهيونية، بدعم من السينما الغربية، أن تفرض سرديتها للعالم: الفلسطيني كلاجئ، كرقم، أو كظلّ بلا ملامح. ولكن الفلسطيني، الذي حُرم من الأرض، لم يُفرّط في الحكاية. ومن هنا، بدأت السينما الفلسطينية كفعل مقاومة مبكر، يحمل في جوهره سلاح الذاكرة والهوية.

من النكبة إلى بدايات الصورة

في أعقاب النكبة، لم تكن هناك بنية إنتاج سينمائي فلسطيني. كانت الكاميرا ترفًا بعيد المنال في مخيمات اللجوء. لكن المحاولات الأولى ظهرت من خلال هواة ومصورين متطوعين من الفلسطينيين أو من داعمي قضيتهم العرب، الذين سعوا إلى توثيق المأساة، لا من باب التسجيل فقط، بل من أجل الحفاظ على ذاكرة شعب طُرد من وطنه.
في هذه المرحلة، كانت الصور تُلتقط لتوثيق حياة اللاجئين، توزيع المؤن، المظاهرات، أو زيارات القادة السياسيين. صحيح أن تلك المواد لم تُصنع لتكون أفلامًا سينمائية، لكنها أرست القاعدة الأولى: أن الكاميرا يمكن أن تحمي ما لم تستطع البندقية الحفاظ عليه.

ولادة سينما الثورة

مع نكسة 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة، أدركت منظمة التحرير الفلسطينية أن المعركة ليست فقط بالسلاح، بل أيضًا بالصورة والخطاب. في العام التالي، 1968، أسّست «وحدة أفلام فلسطين» ضمن دائرة الإعلام الموحد، لتبدأ أول تجربة إنتاجية ممنهجة لسينما المقاومة.
قاد هذه التجربة أسماء لامعة مثل مصطفى أبو علي، وسلافة جاد الله، وحسين عرفات، وتركّز الإنتاج آنذاك على الأفلام التسجيلية، التي تحكي عن الفدائي، عن المعاناة اليومية، وعن المخيم، في مواجهة مع آلة إعلامية صهيونية مدججة بالتقنيات والتأثير العالمي.
من أبرز الأفلام في هذه المرحلة: «لا للحل السلمي» و«بالروح بالدم» و«الحق الفلسطيني» و«العرقوب» و«العودة إلى حيفا» (مقتبس عن رواية غسان كنفاني).
وقد شاركت هذه الأفلام في مهرجانات عربية ودولية، وحصل بعضها على جوائز رغم بساطة إنتاجها، لأنها كانت تحمل الحقيقة والصدق كأقوى أدوات التأثير.

بيروت عاصمة السينما الثورية

انتقال قيادة منظمة التحرير إلى بيروت جعل من العاصمة اللبنانية مركزًا ثقافيًا وإعلاميًا للمقاومة الفلسطينية. ازدهرت في هذه الفترة الإنتاجات السينمائية كمًّا ونوعًا. أُنتج أكثر من 100 فيلم، بعضها بالتعاون مع سينمائيين عرب وأوروبيين مناهضين للاستعمار، وبدأت تتبلور لغة سينمائية أكثر نضجًا.
وإلى جانب الأفلام التسجيلية، بدأت تظهر الأفلام التي تمزج بين الوثائقي والروائي، وتُعطي مساحة لتأمل الهوية والحلم والشتات، مثل فيلم «الذاكرة الخصبة» (1974) لميشيل خليفي، الذي يُعد من الأعمال التأسيسية للسينما الروائية الفلسطينية، وقدّم رؤية داخلية للنفس الفلسطينية، بعيدًا عن الشعارات المباشرة.

نكسة بيروت 1982:
الذاكرة تُحرق من جديد

مع الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في صيف 1982، لم يُستهدف الفلسطيني سياسيًا وعسكريًا فقط، بل ثقافيًا أيضًا. فقد دُمّرت مقرات منظمة التحرير، بما فيها «وحدة أفلام فلسطين»، وتمت مصادرة أو حرق جزء كبير من الأرشيف السينمائي الثمين، ما مثّل نكسة خطيرة لذاكرة الحركة الوطنية المصورة، كما غادرت الكوادر السينمائية فلسطين، وتفرّقت في المنافي، مما أدّى إلى توقف شبه تام في الإنتاج لسنوات، وتحوّلت الكاميرا الفلسطينية إلى أدوات مهجّرة.

سينما الشتات:
من البندقية إلى الإنسان

في الثمانينيات والتسعينيات، بدأت تتشكل ملامح جديدة لسينما فلسطينية في الشتات، بعيدًا عن مؤسسات الثورة، وبالاعتماد على مبادرات فردية. ظهر مخرجون ومخرجات من أجيال الشتات، امتلكوا أدوات فنية متقدمة، وتناولوا القضية من زوايا إنسانية، نفسية، وسوسيولوجية.
من أبرز الأسماء، رشيد مشهراوي، ومي مصري، وإيليا سليمان. هؤلاء السينمائيون قدّموا سردًا جديدًا، حيث لم يعد الفلسطيني فقط مقاومًا بالبندقية، بل أيضًا بالحلم، بالحزن، بالحب، وبالحنين إلى مكان قد لا يُرى إلا في الذاكرة.

انتفاضة الصورة:
انتقال السرد إلى الداخل

مع الانتفاضة الثانية 2000، ومع دخول وسائل رقمية جديدة، شهدت السينما الفلسطينية ولادة جديدة داخل الضفة الغربية وغزة، وفي أراضي 48. بدأ يظهر جيل شاب من السينمائيين الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني المحتل، يقدمون أعمالًا مستقلة، حادة، وجريئة.
من أبرز المحطات:
فيلم «الجنة الآن» لهاني أبو أسعد 2005: أول فيلم فلسطيني يترشّح للأوسكار، ويفتح نقاشًا عالميًا عن دوافع العمليات الاستشهادية.
فيلم «عمر» 2013 لنفس المخرج، الذي يُحاكم فيه الفلسطيني أمام ذاته والاحتلال، بلغة سينمائية عالية المستوى.
أعمال أمجد النجار، آن ماري جاسر، باسل خليل، مهدي فليفل، نورا شاور وغيرهم، الذين استثمروا في الأفلام القصيرة والطويلة ذات البعد الإنساني والتجريبي.
واستمر المخرجون الفلسطينيون مثل رائد دزدار وطارق يخلف وغيرهم في تقديم الأفلام التسجيلية التي توثق الحقائق في مواجهة التضليل.

بين المقاومة والذاكرة: الكاميرا الفلسطينية في زمن المجازر

منذ عدوان 2008 على غزة، وحتى حرب الإبادة الحالية التي بدأت في اكتوبر 2023، وما زلت مستمرة حتى الآن، استُخدمت الكاميرا مرة أخرى كدرع للذاكرة. بات الهاتف المحمول سلاحًا توثيقيًا، وظهر عدد من الأفلام التسجيلية بعنوان «من المسافة صفر»، تحت إشراف رشيد مشهراوي، التي عُرضت في مهرجانات عالمية، تثبت بالصوت والصورة جرائم الحرب، وتُدين الصمت الدولي.

مفتاح العودة لا يصدأ

فيلم «المفتاح» هو امتداد لهذه المسيرة الطويلة، بما يحمله من رمزية قوية رغم بساطته، ويمثل إصرار الفلسطيني على التمسك بحقه في العودة، وعلى رواية قصته بنفسه للأجيال القادمة، للقول إن ما جرى لم يكن تخليًا طوعيًا عن الأرض، بل اغتصابًا وحشيًا بالقوة، مؤكدا إن مفتاح البيت المهجور سيظل معلقًا في رقاب الأجيال، حتى لحظة العودة الحتمية، لتبقى الكاميرا الفلسطينية شاهدًا لا يموت، طالما هناك طفل يتمسك بمفتاح منزله، وطبيب يرفض التخلي عن إنسانيته، وإنسان في أقصى الأرض ما زال يؤمن بأن العودة حق لا يموت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية