البندقية ـ «القدس العربي»: في فيلمه «الوحشي» The Brutalist، المشارك في المسابقة الرسمية في مهرجان البندقية السينمائي (من 28 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول) يقدم المخرج والممثل الأمريكي بريدي كوربيت إنجازا سينمائيا ضخما، وملحمة سينمائية ضخمة لم يعد إنجازها بالأمر الهين. تفوق مدة الفيلم ثلاث ساعات، بالضبط ثلاث ساعات و35 دقيقة، تتخللها استراحة 15 دقيقة، ويتناول أكثر من 30 عاما من حياة بطله وشخصيته الرئيسية، وهو مهندس معماري مجري يهودي شهير، تبقى أعماله المشيدة في بودابست شاهدا على إبداعه، لكن نشوب الحرب العالمية واجتياح النازي للمجر، يضطره للفرار إلى الولايات المتحدة، مهاجرا معدما يبيت في الطرقات ويقتات على الفتات.
يجتاز كوربيت بنجاح كبير التحدي تلو الآخر في الفيلم، فأحد أهم عناصر الفيلم هو المعمار بمصطلحاته، وكوربيت ليس معماريا، كما أن جزءا لا يستهان به من حوار الفيلم باللغة المجرية، التي لا يتحدثها كوربيت. ولا يمكن تجاهل الإنجاز التقني الكبير الذي قدمه كوربيت بتصوير الفيلم على شريط سينمائي 70 مليمترا. قد يبدو للبعض أن كوربيت يستعرض قدراته، أو يتباهى بإنجازه أو يود أن يبدو أنه يضطلع بمهمة سينمائية لا يقدر غيره على إنجازها، لكن صدق الفيلم والألم الذي نستشعره من شخصيته الرئيسية جدير بمحو تلك التصورات من أذهاننا.
«الوحشي» الذي يستقي اسمه من المدرسة الوحشية في الهندسة المعمارية، عمل ضخم في كل المقاييس، لكن جوهره قصة إنسانية مفعمة بالألم، هي قصة المعماري لازلو توث، الذي شاءت له الأقدار أن يصل إلى الولايات المتحدة بعد رحلة فرار مريرة من النازي. يؤدي إدريان برودي بحساسية مرهفة دور لازلو توث، الذي حصل على جائزة الأوسكار عن دوره في فيلم «عازف البيانو» (2002) لرومان بولانسكي، الذي نتوقع لدوره في هذا الفيلم الترشيح والحصول على العديد من الجوائز. بعد أعوام من الضياع والألم، التي لا يروي لنا الفيلم الكثير عنها لكن أثرها واضح على كل اختلاجة من اختلاجات وجه توث، وفي كل رجفة من يده، أو في صوته، يصل توث إلى بنسلفانيا، يصل وحيدا، بعد أن تقطعت السبل بينه وبين زوجته وابنة شقيقته، اللتين لا يعلم إن بقيتا على قيد الحياة أو لقيتا حتفهما في معسكر من معسكرات النازي. وفي فيلادلفيا يلتقي توث بابن عمه أتيلا، صاحب متجر الأثاث، الذي يخبره أن زوجته إرجيبيت (فليسيتي جونز) وابنة شقيقته جوفيا (رافي كاسيدي) ما زالتا على قيد الحياة، عالقتان على حدود النمسا.
حين نرى لازلو في بداية الفيلم بملابسه الرثة ومظهره الكث نعتقد أنه رقيق الحال متواضع التعليم، لكننا رويدا رويدا نعلم مكانته المرموقة في بلاده المجر، بعد أن يقول رأيه بصراحة بالغة وبرؤية ثاقبة في قطع الأثاث التي يعرضها أتيلا في متجره. في بنسلفانيا تكيل الحياة الصفعات للازلو، الذي يضطر إلى العيش في العراء، يقتات على الفتات بعد أن ينشب خلاف بينه وبين ابن عمه. يحاول لازلو نسيان ألمه ولو لوهلة وجيزة، بإدمان المخدرات، التي ينفق ما يتكسبه من مال قليل للحصول عليها. لكن يبدو لوهلة أن الحال سيتبدل للأفضل، عندما يحصل أتيلا على عقد كبير لتجديد أثاث وتصميم مكتبة الثري هاريسون فان بورين (غاي بيرس) كهديه له من أبنائه، وهي مهمة ضخمة يطلب فيها أتيلا العون من لازلو، ستصبح أولى مهماته المعمارية، وربما مشروعه المعماري الوحيد، في الولايات المتحدة.
«الوحشي» في مقامه الأول فيلم عن الفقد والألم النفسي، عن الضياع والخسارة، الخسائر المادية والنفسية، وعن الزلزال النفسي الذي يتسبب فيه اقتلاع المرء من جذوره وحياته رغما عنه. لا يتحدث لازلو، ولا تتحدث زوجته إرجيبيت ولا ابنة شقيقته جوفيا، عما واجهوه من ألم وظلم حين أُخرجوا عنوة من المجر، لكننا نعلم أن هذا الألم أصبح جوهر حياتهم. يحاول كل منهم تضميد جراحه بطريقته الخاصة، فيتجرد أتيلا من هويته السابقة تماما، ويعتنق المسيحية ويغير اسمه ليمحو هويته اليهودية، وينغمس لازلو في المخدرات والمهدئات، بينما تمتنع جوفيا تماما عن الحديث، كما لو كانت خرساء، لأن الصدمة أفقدتها القدرة على الحديث.
لازلو يبدو لنا طوال الفيلم رجلا على شفا الانهيار والسقوط في هوة سحيقة من اليأس. ما ينتشله من الدمار النفسي التام هو العودة إلى المعمار، حين يوكل له هاريسون فان بورين مشروعا ضخما لمجمع تكريما لذكرى والدته، يضم مكتبة وصالة ألعاب رياضية وكنيسة، لكن حتى هذا المشروع الذي كان من المفترض أن يكون سبيله لتحقيق الذات في أمريكا، يتحول إلى لعنة تنهكه وتنتهكه جسديا ومعنويا. هاريسون فان بورين يمثل طبقة رجال المال والأعمال في الولايات المتحدة، الذين يخالون أن ثروتهم تمنحهم الحق في امتهان الجميع واستغلالهم، بل واغتصابهم جسديا. ويبرز فان بورين أيضا كيف يمكن للفن والمعمار والثقافة أن يكونا تحت رحمة صاحب المال. تخضع رؤية لازلو الفنية وتصميمه المعماري للميزانية التي يخصصها فان بورين للمشروع، ولرغبته في الخفض في التكاليف، الذي يأتي على حساب القيمة المعمارية للعمل.
يعتبر فان بورين أن ثراءه يمنحه الحق في التحكم في الرؤية الإبداعية للفنان، بل يعتبر الفنان ذاته وحياته ملكا له، طالما يقدم له المال. ويتوقع فان بورين، الذي يعتبر نفسه من أنقذ لازلو من الفقر والتشرد، من الأخير أن يكون طوع بنانه وأن يأتمر بأوامره.
الشعور بالغربة أحد القضايا الرئيسية التي يناقشها الفيلم. يقسم كوربيت فيلمه إلى مقدمة وخاتمة وفصول تُكتب عناوينها على الشاشة، وعنوان الفصل الأول هو «لغز الوصول» والمقصود هنا هو وصول لازلو إلى الولايات المتحدة، وأول ما يراه هو تمثال الحرية مقلوبا رأسا على عقب، بفعل حركة السفينة التي يستقلها، فكما لو كانت الحرية التي يمثلها التمثال الشهير قد انقلبت إلى النقيض في حالة هؤلاء المهاجرين. يواجه لازلو شظف العيش والوحشة والقسوة والعنف الجسدي. يأتي الفيلم نقيضا للحلم الأمريكي المتمثل في أنه يحق للجميع الثراء والرفاه والوفرة، طالما عملوا لذلك، لكن لازلو يعمل ويكدح ويقدم إبداعه الفني دون الحصول على التقدير الذي يستحقه. يذكرنا «الوحشي» الذي كتب له السيناريو كوربيت ومونا فاستفولد، بأعمال المخرج الأمريكي الأهم في جيله، بول توماس أندرسون، خاصة أفلامه الملحمية مثل «ستسيل الدماء». ويحقق كوربيت معادلة صعبة للغاية، حيث أخرج فيلما صعبا ضخما بتمكن كبير. كما أنه نجح نجاحا كبيرا في تقديم فيلم طويل بلا تطويل ولا مط، حيث نشعر بأن كل حركة وكلمة واختلاجة وجه جاءت في موضعها بدقة متناهية.