فيلم «باردو: السرد الزائف لحفنة من الحقائق»: رؤى الوجود والهوية والتاريخ

للفنون وظائف وغايات متعددة، بيد أن أهمها إطلاق قدر من الجدل في ما يتعلق بالوجود، مع الحرص على تحقيق التوازن الأيديولوجي في مواجهة الفني، إذ لا يمكن لأحدهما أن يلغي الآخر، بينما تبقى القيمة المحاذية لسياقات العمل حاضرة، لكنها لا يمكن أن تحقق الغاية ما لم تصنع، وهذا يقودنا إلى النظر للفن السابع على أنه يندرج ضمن مبدأ الصناعة التي تحتاج إلى فيض من الفن، ولعل الأفلام التي تتوفر على هذا النسق تبدو محدودة.

رؤى الذات والتاريخ

تمكن المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، من فرض بصمته على السينما العالمية، عبر عدد من الأعمال التي حصل بعضها على جائزة الأوسكار، وأشهرها فيلم «العائد» و«الرجل الطائر» ومؤخراً أطلق فيلماً بعنوان «باردو: السرد الزائف لحفنة من الحقائق» وفيه تتقاطع رؤى المخرج مع وعيه الذاتي، ولاسيما أنه أسهم في كتابة الفيلم الذي يتعلق بإشكالية الوجود، وقلق الهوية، وتوابع التاريخ. يحتمل الفيلم قدراً كبيراً من الصراع القائم بين الاحتياج للغرب من جهة، ونقد سياساته من جهة أخرى، ولاسيما من لدن مثقفي بعض الدول التي كانت تخضع لعلاقة متوترة مع الإمبراطورية، ومن هنا نلج الفيلم الذي ينهض على هذه الصيغة؛ بمعنى مرجعية تؤطر هوية لا يمكن الانفكاك منها مقابل مناخات إبداعية في الغرب تسهم في ترويج مقولات نقد الذات والآخر.
يمكن الارتكان لمداخل تحليل الفيلم الذي ينطوي على حكاية مخرج أفلام وثائقية وصحافي مكسيكي اسمه «سيلفريو» يؤدي دوره دانيال جيمينز، يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية التي هاجر إليها مع عائلته، ومن ثم يحصل على جائزة مرموقة عن أعماله التي يختبر من خلالها قضايا تتصل بوطنه المكسيك، كالهجرة والسلطة، وجدلية التاريخ المتوتر مع الولايات المتحدة. يظهر من عنوان الفيلم أنه يتعلق بسرد قلق أو غير متعيّن لوقائع وأحداث كونها تتشكل في وعي ضبابي تؤطره مركزية وجود «سيلفريو» الذي يسقط في غيبوبة، ومن هنا، يمكن تأطير كلمة «باردو» التي تعني في الديانة البوذية الحياة التي تقع بين الموت والبعث، أو بمعنى آخر البرزخية، وهذا ما يجعل الرؤى جزءاً من مناخ سردي تمزج فيه الحقائق والخيال والأحلام كما التاريخ، بما في ذلك الأعمال الوثائقية للصحافي المكسيكي. ينفتح الفيلم على مشهد زوجة الصحافي، وهي في حالة وضع، غير أن الطفل الذي يولد سرعان ما يفضل أن يعود إلى رحم أمه؛ لأن هذا العالم يبدو فاسداً، هكذا نعاين هذا المشهد في وضع سيريالي شديد الغرابة، لاسيما عملية إعادة الطفل من قبل الطبيب إلى رحم الأم، ليبدو هذا الاستهلال محفزاً لفعل التلقي بنزعته العبثية، غير أن هذا الحدث يقترن في لا وعي الصحافي بموت ابنه «ماثيو» بعد يوم من ولادته.

في مجال تحقيق مقولة الفيلم ثمة نوع من المزج بين الطابعين: الكوميدي السوداوي والتراجيدي، وجلّها تحيل إلى سرديات تتصل بشراء الولايات المتحدة لبعض الأراضي المكسيكية التي ستؤهل لأن تخرج من وصف العالم الثالث إلى أرض تنتمي للعالم الأول.

بين وجودين

ميزة الفيلم تشي بقدر عميق من محاولة التصاق المثقف بقضايا عوالمه، وذاته الوجودية، وهذا ما يعزز رؤية إخراجية ذات أبعاد تحتمل الكثير من الابتكار، كما الاستلهام لبعض العناصر السينمائية لمدارس متعددة، ومنها أثر المخرج فيلليني الذي وصفه مواطنه الروائي ألبرتو مورافيا بأنه قادر على تصوير أحلامه، غير أن المخرج المكسيكي أليخاندور يصور ذاتاً ممزقة، لكن عبر المزج بين الحلم والواقع، وشيء من التاريخ، لكن في إطار كوميدي تراجيدي.
تبرز عودة الصحافي إلى وطنه المكسيك كأداة وظيفية لتوليد هذه التداعيات، وهذا يأتي متبوعاً باحتفاء الوطن الأم بالصحافي الذي يعدّ مصدر فخر، غير أن ثمة من ينظر إلى هذا التكريم، أو هذه الجائزة بوصفها مكافأة للصحافي الذي اعتمد خطاباً منافقاً للغرب، عبر انتقاد وطنه الأم بالتوازي مع إقامته في الولايات المتحدة التي يتمتع فيها بامتيازات تجعله عرضة للكثير من الانتقادات والهجوم من قبل الصحافة المكسيكية؛ فيتغيب عن حضور لقاء تلفزيوني مكسيكي، لأنه يعلم بأنه سيتعرض للسخرية، على الرغم من تضمين أعماله نقداً عميقاً للولايات المتحدة الأمريكية، وسلوكها المخاتل تجاه المكسيك.
في مجال تحقيق مقولة الفيلم ثمة نوع من المزج بين الطابعين: الكوميدي السوداوي والتراجيدي، وجلّها تحيل إلى سرديات تتصل بشراء الولايات المتحدة لبعض الأراضي المكسيكية التي ستؤهل لأن تخرج من وصف العالم الثالث إلى أرض تنتمي للعالم الأول، كون الحدود من صنع الإنسان، مع إشارات سردية إلى الحروب بين الدولتين عبر تقنية التداعي لمشاهد تمزج بين الحاضر والماضي (التاريخ) ومن ذلك لقاء الصحافي المكسيكي بالسفير الأمريكي في قلعة تاريخية شهدت مذبحة لتلاميذ عسكريين مكسيكيين على يد الجيش الأمريكي أثناء الحرب التي وقعت بين البلدين في عام 1847 بالتوازي مع حوار يتحدث عن الغزو الأمريكي وسرقة نصف البلد، أو كما يصفها الأمريكيون من وجهة نظرهم بأنها عملية شراء أو صفقة.

أبطال أم غزاة؟

من أشد المشاهد تأثيراً حوار التاريخ عبر مشهد رؤية جموع السكان الأصليين (الهنود الحمر) وهم يقاتلون المستعمرين، وهنا يتقدم «سيلفريو» في اتجاه هرم كبير من الجثث العارية لرجال ونساء، وعلى قمة هذا الهرم يجلس أحد القادة المستعمرين، واسمه هيرنان كورتيز (1485-1547) من الذين أسهموا في تكريس الاستعمار الإسباني، واكتشاف المكسيك، غير أنه في سبيل ذلك دمر الحضارات القديمة، ولاسيما حضارة «الأزتيك» فينشأ حوار معه حول أخلاقيات هذا الفعل، فالقائد يطالب بأن يعامل بوصفه بطلاً، بينما الصحافي يراه مجرماً كونه ينزع الصفات الإنسانية عن السكان الأصليين، لكننا فجأة نخرج من هذا المشهد بكل ما يحمله من رمزية، حين تبدأ الجثث بالنهوض، وأصوات المطالبة بالاستراحة من أداء مشهد سينمائي للفيلم الذي يصوره الصحافي والمخرج، وهكذا تبدو هذه الصيغة من التلاعب جزءاً من تعرية التاريخ، لكن في إطار رمزي شديد الحساسية. يتكئ العمل على فاعلية المشاهد التي تعبر عن رؤى أو لوحات، تؤطرها رمزية معينة عبر توظيف العناصر الغرائبية في الفيلم من أجل تكثيف الدلالات، ومن ذلك حوار الصحافي مع أحد الأصدقاء الذين سعوا لمهاجمته، فنرى المذيع يواصل الكلام عبر شفتين تتحركان دون صوت، بالإضافة إلى مشهد الأسماك البحرية التي ينقلها ابنه عند الهجرة للولايات المتحدة في حقيبة السفر عبر وضعها في كيس، لكنها تموت نتيجة تسرب الماء، فيخفيها لعدة أيام، ومن ثم يتخلص منها في المرحاض، لكن الأب الصحافي يقرر أن يعوض ابنه، فيشتري ثلاثة منها، ويضعها، في كيس، ويصعد المترو إلا أنه يتعرض لأزمة قلبية فيسقط الكيس، وتموت الأسماك على أرضية المترو التي تمتلئ بالماء، ويفيض به، ومن ثم تأتي عاملة النظافة لتضع الأسماك في القمامة.

يمكن التوافق على أن أفلام أينايرتو تبقى مختلفة بكل ما تحمله من رؤى وصيغ غنية، تجعله ربما من أهم مخرجي هذا العصر، نظراً لقدرته على تجسيد الأفكار، والتعمق في وقائع الإنسان، وأزمة جوده ضمن صيغ سينمائية مبتكرة.

هكذا يبدو التأطير الرمزي لقيم اللجوء أو الهجرة ورمادية الهوية، فالأسماك البحرية تأتي بوصفها معادلاً موضوعياً للاجئين الذين يعيشون خارج بيئتهم، ومن هنا نرى دلالة الأسماك كناية عن حال الانكفاء، والضمور. تبدو لوحات الفيلم معنية بمحاولة بيان مدة ما يكمن من جدل لا منجز بخصوص الهوية الجديدة في اللجوء، ومن ذلك الحوار بين المخرج وابنته التي تعيش في بوسطن، والتي تعبر عن رغبتها في العودة إلى المكسيك، لكن الأب يعارض ذلك لانعدام الأمن، فضلاً عن تعقيدات الحياة، وبذلك فالأب لا يتفهم رغبة الابنة بالتخلص من تكوينها غير المستقر، فهي ترى بأن وجودها في الولايات المتحدة يحمل القدر عينه من المخاطر، بل يتجاوز ذلك إلى إحساس بالاغتراب ليشي كل ذلك بشيء من التناقض.
في سياق رؤى الحياة البرزخية للصحافي «سيلفريو» حواره مع والده، حينها نرى الصحافي ـ المخرج بملامحه أو وجهه وملابسه، غير أنه بات قصيراً أو قزماً أمام والده، وهكذا نلاحظ مقولة التغريب في الفيلم، حيث نقترب من أدوات المسرحي الكبير« بريخت» حين يجعل الواقع والأداء مجرداً بهدف إحداث يقظة، فالفيلم يتمحور بشكل جوهري على التناقضات التي تشكل بؤرة الخطاب، وموجهاته، كما الحوار بين الأب الصحافي «سيلفريو» وابنه حول الاضطراب الهوياتي، مع دعوة لاستعمال اللغة الإسبانية في المنزل، كما حوار يطال المهاجرين والتمايز بين مهاجري الدرجة الأولى، وبين المهاجرين الذين يموتون في الصحراء.

هوية لا منجزة

ضمن استكمال المشهد السيريالي لموت السمك في المترو، تنتقل الكاميرا فجأة إلى منزل الصحافي المملوء بالماء، ومن ثم يصبح المنزل ممتلئا بالتراب، وبابه مفتوح على الصحراء المكسيكية التي يموت فيها اللاجئون، وهنا نكون في مواجهة رؤى مكثفة في الوعي كما في المشهد الختامي، نرى الصحافي يعاني من غيبوبة في المستشفى، ومن ثم نراه يسير في الصحراء مخلفاً عائلته، وأصدقاءه، فلا يبقى سوى ظله الذي يسير، ومن ثم يعاود الهرولة ليجد أشخاصاً مهاجرين يسيرون نحو الشمال، ويقولون إنهم لا يعرفون أن هذا هو الجحيم، وهنا لا يخفى على المشاهد قيم التوتر بين شمال غني، وجنوب فقير أو بين نطاقين أو تكوينين يعمقان الأزمة الوجودية لهذه الذات.

هذا المزيج من بيان المفارقة في وعي هذا المخرج وازدواجية الوجود الهش، نراه عند العودة من رحلته إلى المكسيك، حيث يجري حواراً مع موظف الجوازات الذي يبدو من هيئته بأنه يعود إلى أصل مكسيكي، غير أنه يعامل المخرج وعائلته (أبناء جلدته) بوصفهم زواراً لا مواطنين أمريكيين، انطلاقاً من خلاف حول تفسير نوعية (الفيزا) التي يملكونها، فيصرخ «سيلفريو» محتجاً بأن هذا وطننا، كما تطالب العائلة الضابط بأن يتحدث بالإسبانية لا الإنكليزية، لكنه يرفض، وهكذا تبرز إشكالية الهوية، وتعقيدها لدى المهاجرين الذي يرون في بعض الأوطان جزءاً من هوية تعويضية نتيجة نقص في تكوين وطنهم الأصلي، فحب الوطن والانتساب قد يبدو لغوياً أو ثقافياً أكثر منه واقعياً، فلا جرم في أن معظم من يتغنون بالوطن في بعض البلدان يلهثون وراء فيزا للهجرة، في حين أن معظم الساسة والمسؤولين في بعض بلدان العالم الثالث يحملون جوازات أجنبية للتمتع بامتيازات لا ينالها المواطنون الذين يتركون للفقر، والهجرة؛ ولهذا نرى في أحد المشاهد الصحافي يسير في شوارع المكسيك، غير أن المواطنين يتساقطون أو يموتون في الشارع بالقرب من أكوام فاكهة الموز «كناية عن جمهورية الموز» في حين أن الحاكم العسكري في كامل زيه العسكري ينظر من شرفته بكل كبرياء.

يمكن التوافق على أن أفلام أينايرتو تبقى مختلفة بكل ما تحمله من رؤى وصيغ غنية، تجعله ربما من أهم مخرجي هذا العصر، نظراً لقدرته على تجسيد الأفكار، والتعمق في وقائع الإنسان، وأزمة جوده ضمن صيغ سينمائية مبتكرة.

كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية