ما فتئت السينما الفلسطينية تبحث عن مُقاربات تتمثل الحق الفلسطيني، وأن تستجلي أبعاد الصراع: تارة عبر المقاومة والتوثيق، وتارة عبر تشييد الذاكرة، وتارة أخرى عبر تبني خطاب مؤنسن، من منطلق أن السينما الفلسطينية عبر تاريخها كانت على الدوام معنية بالمسألة الفلسطينية، وإرجاء ما عداها في الوعي الفلسطيني المُستلب، قسراً، لصالح متعالية الوجود التي ينبغي أن تلغي كل شيء، كون هذا الوجود معلقاً تقريباً، حتى يكتمل هذا الوجود.
تجلية الوجود
تُعنى السينما الفلسطينية بالنماذج التي تتبنى تمثيل الذات وقيمة الصراع على محاولات الابتكار للخروج من النمطية في التعبير عن الحق الفلسطيني، وبذلك فالسينما الفلسطينية المعاصرة تنهض على تبني منظورات جديدة تضطلع بها أسماء إخراجية، تسعى لأن تضع بصمتها في التعبير عن المعضلة الفلسطينية، فنرى تنوعاً في الخطاب السينمائي – على الرغم من بعض التحفظات تجاه الرؤية- غير أن أسماء مثل: إيليا سليمان وهاني أبو أسعد، وفرح النابلسي، وآن ماري جاسر، ومي المصري، ورشيد مشهراوي، ودارين سلام، وغيرهم، تتقصد توجيه خطابها إلى نماذج مُتغايرة من التلقي (الآخر) بداعي تعديل تصورات وأفكار مُسبقة تجاه الفلسطيني وقضيته التي تبدو لدى البعض موضوعاً ضبابياً، فتسعى السينما إلى تجلية هذا الوجود الفلسطيني، والاقتراب من تعميق بعده الإنساني، وعدالة قضيته، والأهم معنى الوجود القلق والإشكالي.
في فيلم للأخوين مؤيد ورامي عليان، بعنوان «بيت في القدس» إنتاج 2023 نقع على سينما مختلفة بالطرح والأسلوب، إذ نواجه صيغة سينمائية تعتمد مبدئياً مناخ الإثارة أو الرعب، الذي تتبعه السينما الجماهيرية، ومن ذلك أن تؤطر الحكاية ثيمة الرعب، عبر المكون الطيفي أو الأشباح، وهذا يعني أننا أمام منطلقين في الانحياز لهذا التكوين: الأول استجلاب المشهدية القائمة على الجذب والإثارة، وهي تبدو أقرب إلى حيلة سينمائية مرغوبة النمط، في حين أن التكوين الثاني ينهض على الهدف من تكريس تقنية الطيف، بما يمثله من إحالة إلى مرجعية للماضي لتوليد المروية التي تؤطر مقصدية الفيلم، أو لنقل الرسالة التي يحتملها عبر التوجيه الخطابي.
يبرز العنوان إشكالياً، فهو يعتمد مباشرة إلى حد أنها تبدو مربكة، أو تفتعل ضبابية مقصودة تجاه ما الذي نقصده في بيت القدس؟ فهل المعنى يكمن في البيت جوهر الصراع؟ أم في القدس؟ أم يكمن في بيت يقع في القدس؟ ومن جهة أخرى، فإن كلمة البيت لديها تاريخ أو ذخيرة في وعي المتلقي، كونها تحيل إلى الأطياف أو البيوت المسكونة، غير أن الفيلم يشهد افتتاحية تتخذ من مدينة لندن مكاناً لها، حيث نرى فتاة صغيرة (ريبيكا) تقف على رصيف الشارع تطلب النجدة بعد التعرض لحادث مروري، بينما أمها تحتضر في السيارة. هذه الأجواء التي افتتح بها الفيلم تنهض على افتتاحية مستجلبة من أجواء هوليوود، كون المشهد يقع في شارع أوروبي محاط بالشجر، وفتاة بيضاء، ووجه خائف يستغيث.. لا نعلم ما الذي يكمن خلف ذلك نتيجة تقنية القطع، لنعلم ـ في ما بعد – أنها فتاة إسرائيلية بريطانية توفيت أمها في الحادث، ما نتج عن ذلك «اضطراب ما بعد الصدمة» فيضطر الأب للانتقال إلى منزل في إسرائيل من أجل تجاوز الأزمة النفسية، وهكذا يتحول الإطار المكاني للأحداث إلى مدينة القدس.
سردية الماضي
في بيت مجهز تنتقل الأسرة الفتاة والأب، مع سعي للتكيف الذي يبدو لنا جزءاً من معضلة التكوين، أو غير طبيعي كونه أتى إلى مكان شاغر، أو مسكون بأرواح آخرين – أو أرواح سكانه الأصليين، لكن هذا يُستشعر ضمن إحساس الفتاة النقي حين تلاحظُ وجوداً لا مرئياً في البداية، يبدأ من بئر مهجورة في حديقة المنزل، وفيها تجد لعبة على هيئة (فتاة ترتدي الثوب الفلسطيني المطرز) فتبدأ الفتاة الإسرائيلية المسكونة بهاجس موت والدتها، مع ما يسكنها من غضب، وحزن برؤية هذه الفتاة – اسمها «رشا»- تحضر بوصفها طيفاً أو شبحاً تحرر بعد أن فتحت ريبيكا البئر، فيضطر الأب غير المُصدق للاستعانة بطبيبة نفسية تصف الدواء لابنته التي تتخلص منه، ولا تتناوله. تتكون الحكاية ضمن سلسلة أحداث حين تنخرط الفتاة الطيف (رشا) بحوار مع الفتاة الإسرائيلية حول الماضي المُشتت الذي كمن في المنزل، وملخصه أن هذه الفتاة الفلسطينية اختبأت في البئر حين اقترب الرجال المسلحون سنة 1948، ومن ذلك التاريخ، فهي لا تعلم أين أهلها الذين انتظرتهم ولم يعودوا! وهكذا نقع في منطقة الغرائبي، فنحن أمام حدث فوق طبيعي ينهض على مرجعية حقيقية، فسينما الطيف أو الشبح غالباً ما تلجأ إلى توظيف هذه التقنية، أو الثيمة من أجل كشف للحاضر خارج الزمن من منظور الباحث «شيفير» وفي فيلم «بيت في القدس» نرى المنحى أو البعد الميتا سيكولوجي، الذي يعني اعتمالا في اللاوعي لسر مقبل من ذات أخرى، وفي هذه الحالة فإن «رشا» تؤدي هذه الوظيفة في وعي أو لا وعي ريبيكا تجاه القلق الوجودي للبيت، وساكنيه.

تشعر الفتاة الطيف بالخوف، فهي ترى في البئر المكان الذي يقيها من الخارج، غير أنها تريد اللعبة التي تخلص منها والد ريبيكا، التي تقوم بدورها برحلة بحث عن امرأة تصنع تلك الألعاب المطرزة، فتسير في شوارع القدس كي تعاين هذا الوجود (المكان) ضمن وعي جديد، أو لنقل وعي الطفل (الغربي) فترى الشوارع والوجوه العربية، والجدار العازل، والرسومات والأجواء الدينية، فتظهر حقيقة المدينة، وهويتها القلقة، والمضطربة بسبب الاحتلال. يقود البحث ريبيكا إلى القيام برحلة نحو بيت امرأة عجوز تسكن في «مخيم عايدة» في بيت لحم، فتطرق منزلها، ليلاً، وسرعان ما ترى الفتاة صورة بيتها – الذي تسكن فيه – فتسأل عنه، فتجيب العجوز: إنه بيتها الذي أخرجت منه عند قدوم المسلحين، وهكذا ضمن أفق التوقع يسود الاعتقاد بأن العجوز هي والدة الفتاة الطيف (رشا) غير أن سلسلة الحوار سرعان ما تنتهي بدخول قوات الشرطة التي تسعى لإنقاذ الفتاة اعتقاداً منهم أنها مخطوفة، فتبقى الحقيقة في حالة إرجاء.
لا شك في أن الحوار يُبنى على فاعلية المواجهة بين سرديتين: واحدة تنتمي للماضي، وأخرى للحاضر، غير أن الحكاية الثانية مشوهة، لا تعكس الحقيقة، فالفتاة الإسرائيلية تعود إلى منزل مسكون، وما زال إحساسها بفقد والدتها قائماً فتخضع لعلاج نفسي، ومراقبة، غير أنها لا تفتأ تبحث عن الفتاة الطيف التي تبحث هي الأخرى عن أمها وأهلها، ضمن بنية متماثلة لذاتين معطوبتين تتشاركان الألم عينه، فتسعى ريبيكا بكل السبل لجمع رشا بأمها مرة ثانية.
تتوقف رشا عن الظهور بعد أن يغلق والد «ريبيكا» البئر بقفل، فتقوم ريبيكا بكسر القفل، والنزول إلى البئر للبحث عن رشا، وهناك تتعرض للسقوط، ومن ثم الغرق، وفي البئر يظهر طيف والدة ريبيكا المتوفاة في مشهد توظف فيه الإضاءة والحركة والموسيقى بصورة موفقة، غير أن كل ما سبق يحصل بالتوازي مع حضور المرأة الفلسطينية العجوز التي يحضرها الأب تصديقاً لكلام ابنته، وكي تقدم لريبيكا (اللعبة) وحين تصل العجوز إلى البيت أو بيتها، غير أنها سرعان تنصت لأصوات استغاثة من البئر، فتسعى لنجدتها والصراخ، فيحضر الأب سريعاً كي يستخرج الفتاة التي تحتضنها العجوز، لكن بهيئة «رشا» غير أن المفاجأة تتحقق حين نعلم أن الفتاة الفلسطينية أو الطيف (رشا) لم تكن ابنة المرأة الفلسطينية أو العجوز، إنما هي العجوز عينها، واسمها (رشا) وهي التي اختبأت في البئر مع قدوم المسلحين، وبذلك تتشكل قيمة مفارقة تتصل بمعطى دلالي واضح من حيث القفز عن القيم المعقولة لتبني الإدراك المشترك للتعلق بالمنزل، والماضي، وقيمة الصدمة التي تتشاركها كل من رشا وريبيكا.
الإيحاء والإحالة
كان لا بد من الاستغراق في تفاصيل الفيلم، كون قيمة التحليل لا يمكن أن تتسق إلا بمعرفة مرجعيات الحدث نظراً لأهمية القيم الدلالية التي تثير فينا الجدل، وتعيد موضعة الأسئلة، فبالإضافة إلى الإخراج الذي بدا لي، إلى حد ما، موفقا على صعيد بنية الإيقاع والأحداث، وبناء المشاهد، كما اختيار مواقع التصوير التي تعكس واقع مدينة القدس، كما اختيار البيت الذي تبدو روحه العربية قائمة بالتوازي مع أداء الممثلين، ولاسيما الفتاتين الصغيرتين، بالتوازي مع تمكين مركزية البيئة (المدينة) بوصفها جزءاً من بناء البعد الدلالي الرمزي، لكونه يحتمل وقائع مخفية مهجورة، وما فعل فتح البئر سوى محاولة إطلاق أو تحرير المروية الحقيقية، التي تنهض على أن المنزل لم يكن سوى وجود يتصل بسكانيه الحقيقيين، وأن الاستلاب كان بالقوة، وأن أرواح ساكنيه ما زالت عالقة فيه، ولم تغادره في بعد رمزي واضح.
في مشهدية عابرة، غير أنها تنوء حقيقة بثقل خلق رؤيتين للذات عبر مشهد المواجهة البصرية بين الفتاتين (رشا وريبيكا) عبر ثقب الباب الذي يأخذ هيئة المفتاح، وكما نرى أيضاً في مشهد المرأة العجوز حين تصل منزلها، فتعاينه بأسى، مع الإصرار على أخذ بعض أوراق الشجر قبل أن تُخرجها الشرطة منه للمرة الثانية. غير أن الالتفاتة العميقة في الفيلم تتأتى من زحزحة المنظور الذي تبنته الفتاة الإسرائيلية التي تدرك حقيقة المنزل، وأنه ينتمي لعالم آخر، فالروح النقية تبدو تبنياً لوقائع تقترب من أنسنة فهم الآخر لوقائع التاريخ، فثمة مركزيات في هذا الخطاب السينمائي، ونعني مركزية البيت، كما ثمة هذا الصراع بين عالمين متناقضين، لكن الحقيقة مسكونة بفطرة الطفولة التي توجد لدى الفتاتين، وهكذا يبدو خطاب الفيلم إشكاليا كونه يتبنى هذه الوقائع بين ذاتين نقيتين، لكنه يجعل دائما السلطة القائمة على الاحتلال مشوهة في صورة الشرطة التي تتعامل بعنف مع أي شخص فلسطيني، كما في عدة مشاهد.
نخلص إلى أن الفيلم يتشكل عبر مساحات إنسانية واسعة، وإن كانت لا تروق للبعض نتيجة أنسنة التمثيلات الخاصة بالشخصية الإسرائيلية المُجسدة بالفتاة والأم كما الأب، لكنها تؤدي غرضاً وظيفياً، من أجل تعرية النمط الآخر، ونعني فعل الاحتلال الذي استلب الأرض والبيت، لكنه لم يتمكن من استلاب الحقيقة والتاريخ والروح، التي تطوف في المكان، فثمة إدراك فطري أن هذا الوجود (الصهيوني) لم يكن سوى طارئ، وهذا تجسيد للحقيقة المطلقة أو الفطرية، التي لا يمكن أن يختلف عليها اثنان؛ ضمن خطاب يقترب من شعرية سينمائية شديدة التأثير، ولاسيما عبر ابتكار حكائية تفيد من توظيف الجاذبية والتشويق، لكنها سرعان ما تغادر هذا من أجل تحويل الخطاب إلى فكرة تمكث طويلاً في وعي المشاهد.
كاتب أردني فلسطيني