في خضم الصراع العالمي حاليا بين القوى العظمى حول أوكرانيا، والأزمات التي تعصف بالعالم بسببه، ينسى أغلب الناس والمراقبون أن العالم كان في حالة أسوأ بكثير عام 1962 عندما كان وقوع مواجهة نووية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي متوقعا في أي لحظة، مثيرا حالة من الرعب بين الناس في جميع أرجاء العالم. وكانت هذه المواجهة موضوع فيلم «ثلاثة عشر يوما» Thirteen Days الذي عرض عام 2000. وكان من بطولة الممثل كيفن كوستنر الذي شارك في إنتاجه.
أحداث الفيلم
تبدأ أحداث الفيلم في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1962 عندما يتوجه «كينيث أودونل» (كيفن كوستنر)، المساعد الخاص لرئيس الجمهورية الأمريكي جون كينيدي (بروس غرينوود)، إلى مكتب الرئيس لحضور اجتماع ظنه عاديا، ولكنه في الحقيقة كان أخطر من ذلك بكثير، حيث يجتمع الرئيس مع ممثلين من المخابرات الأمريكية لمناقشة صور التقطتها طائرات التجسس الأمريكية فوق كوبا، تبين قيام السوفييت بتركيب صواريخ نووية في كوبا، ما يشكل خطرا كبيرا على الولايات المتحدة ويثير قلق الجميع، لاسيما كينيدي نفسه، الذي يسأل وزير الخارجية السوفييتية عن الأمر، وكان الجواب النفي التام.
تتراكم الأدلة وتصبح الحكومة الأمريكية متأكدة من الأمر، وعلى الرغم من إصرار كينيدي على إزالة هذه الصواريخ، إلا أنه يقتنع بضرورة تجنب حرب نووية مع الاتحاد السوفييتي، التي تعني نهاية العالم. وينصحه قادة الجيش بقصف الصواريخ ثم غزو كوبا والسيطرة عليها، ولكن كينيدي يفضل التريث واللجوء إلى حل أفضل وأقل خطرا، حيث كان ذلك الهجوم، في رأيه، سيسبب هجوما سوفييتيا على برلين، ما قد يسبب اندلاع الحرب العالمية الثالثة. وينزعج قادة الجيش، معتبرين رد فعل كينيدي دليلا على ضعفه. ويجتمع كينيدي باللجنة التنفيذية، المتكونة من مجلس الأمن القومي وخمسة أعضاء آخرين، لمناقشة الأمر. وبعد عدة أيام من المداولات تقرر الحكومة الأمريكية فرض «عزل» على كوبا، لمنع أي سفينة من الاقتراب منها. وقد استعملت الحكومة الأمريكية كلمة «عزل» لأن كلمة «حصار» تعني في القانون الأمريكي الحرب.

وفي هذه الأثناء يطلب القادة العسكريون من كينيدي السماح بطيران طائرات تجسس على ارتفاع منخفض فوق كوبا لالتقاط صور أفضل، مذكرين إياه بأنهم سيسحقون الكوبيين إذا أصابوا تلك الطائرات. ويحذره أودونل، الذي يرافق كينيدي في كل هذه النقاشات، من أن قادة الجيش يحاولون إيقاعه في فخ كي يبدأ حربا، ولذلك يتصل أودونل بالطيار الأمريكي طالبا منه ألا يخبر قادته العسكريين في حالة تعرضه لنيران الروس أو الكوبيين، وهذا ما يحدث عندما تتضرر الطائرة قليلا من قبل نيران المدفعية في كوبا.
يلقي كينيدي خطابا في التلفزيون شارحا الموقف، ومعلنا قرار عزل كوبا وتفتيش أي سفينة تحاول الاقتراب منها، وبذلك تحاصر السفن الحربية الأمريكية الجزيرة الكوبية، وتتوقف السفن السوفييتية وتعود أدراجها، وكادت أن تحدث مواجهة بين سفينة حربية أمريكية وغواصة سوفييتية.
رسالة إلى كينيدي
يقوم رئيس أركان القوات المسلحة الأمريكية بإهانة كينيدي بقوله، إنه، أي كينيدي، في موقف صعب جدا، فاستدار نحوه الرئيس الأمريكي مذكرا إياه بأنهما معا في الموقف نفسه. وما أن يغادر رئيس الأركان الغرفة حتى يقترح شقيقه روبرت كينيدي، الذي كان وزير العدل، بفصل رئيس الأركان، ولكن أودونل يرفض الفكرة، لأنها قد تعني للآخرين أن محاولة انقلاب قد حدثت. وبما أن درجات التأهب في القوات المسلحة الأمريكية تتكون من خمس درجات أقصاها الدرجة الأولى، يرفع كينيدي درجة التأهب إلى الدرجة الثالثة.
يبلغ صحافي شهير الحكومة الأمريكية، أن دبلوماسيا سوفييتيا قد طلب منه نقل رسالة إلى كينيدي مفادها سحب السوفييت صواريخهم مقابل عدم غزو الولايات المتحدة كوبا بشكل رسمي وعلني. وتبلغ الأجهزة الأمنية كينيدي، أن هذا الدبلوماسي السوفييتي، أحد قادة المخابرات السوفييتية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتقتنع الحكومة الأمريكية بأن الرسالة من خروتشوف (أمين عام الاتحاد السوفييتي والحاكم الحقيقي) شخصيا. وبعد فترة قصيرة يرسل خروتشوف رسالة رسمية إلى كينيدي مقترحا وعدا أمريكيا بعدم غزو كوبا في حالة سحب السوفييت الصواريخ، وتلت ذلك رسالة ثانية بعد يوم واحد، أضافت إلى سابقتها اقتراح سحب الولايات المتحدة الأمريكية صواريخها النووية المتمركزة في تركيا. وجعلت هذه الرسالة الثانية الحكومة الأمريكية تظن أن انقلابا قد حدث في موسكو، وأن مجموعة أكثر شراسة من خروتشوف قد تولت زمام الأمور. وكينيدي يستشيط غضبا عندما يكتشف أن قائد الأركان قد رفع درجة تأهب القطعات العسكرية النووية إلى الدرجة الثانية، وتمت تجربة قنبلة نووية وتجربة لصاروخ قادر على حمل رأس نووي دون علمه، ويذكر كينيدي رئيس الأركان أن رئيس الجمهورية، هو القائد العام للقوات المسلحة. وفي هذه الأثناء تصاب طائرة تجسس أمريكية بصاروخ فوق كوبا مودية بحياة الطيار.
يأمر كينيدي بالهجوم على كوبا الاثنين، ويطلب من الصحافي الأمريكي إبلاغ الدبلوماسي السوفييتي بأمكانية التكلم مع الجانب السوفييتي. ويستطيع الجانبان الأمريكي والسوفييتي الاتفاق على اجتماع بين روبرت كينيدي والسفير السوفييتي في الولايات المتحدة الأمريكية في وزارة العدل. ويتم الاجتماع حيث يوافق الطرفان على سحب السوفييت صواريخهم من كوبا، مقابل إعلان أمريكي رسمي عن عدم وجود رغبة في احتلال كوبا وسحب الصواريخ النووية في تركيا بشكل غير معلن. وبذلك تنتهي الأزمة ويرتاح الجميع.
يحتفل طاقم الحكومة الأمريكية في البيت الأبيض، ويقول كنيدي، إن الجانبين قد انتصرا، ولكن كبار الموظفين يتبادلون الحديث عن انتصار الولايات المتحدة على السوفييت. وينتهي الفيلم هنا.
سمي الفيلم «ثلاثة عشر يوما» لأن اجتماعات اللجنة المركزية استغرقت ذلك العدد من الأيام، ولكن الأزمة استغرقت في الحقيقة حوالي أربعين يوما. وقد اقتبست قصة الفيلم من كتاب شهير نشر عام 1997 بعنوان «تسجيلات كينيدي: داخل البيت الأبيض أثناء أزمة صواريخ كوبا» للمؤرخ الأمريكي المعروف أرنست آر مَي.
تحليل الفيلم
سمي الفيلم «ثلاثة عشر يوما» لأن اجتماعات اللجنة المركزية استغرقت ذلك العدد من الأيام، ولكن الأزمة استغرقت في الحقيقة حوالي أربعين يوما. وقد اقتبست قصة الفيلم من كتاب شهير نشر عام 1997 بعنوان «تسجيلات كينيدي: داخل البيت الأبيض أثناء أزمة صواريخ كوبا» للمؤرخ الأمريكي المعروف أرنست آر مَي. ومن الجدير بالذكر أن كتابا شهيرا لروبرت كينيدي (شقيق جون كنيدي) كان قد نُشِرَ بعنوان «ثلاثة عشر يوما» عام 1969.
وامتاز الفيلم بكونه ممتعا وبدقة إخراجه وبراعة ممثليه ونجاحه في محاولته تصوير التوتر والارتباك الذي كان ينتاب أعضاء الحكومة الأمريكية في إدارة الأزمة، حتى أن المشاهد قد يظن أنه يشاهد فيلما وثائقيا. وقد تم تصوير مشاهد الطائرات والسفن الحربية ببراعة، بالاتفاق مع وزارة الدفاع الأمريكية. ولكن نقطة ضعف الفيلم الرئيسية كان الممثل كيفن كوستنر الذي شارك في إنتاج الفيلم، فلم يمثل دور المساعد الخاص لرئيس الجمهورية، بل مزيجا من الحارس الشخصي والعالم بكل شيء الذي يسدي النصائح، وكأن جون كينيدي وشقيقه تلاميذ لديه. وحرص كيفن كوستنر على التصرف وكأنه جون وَين في فيلم لرعاة البقر، حتى أنه كان عنيفا مع أحد الصحافيين. وظهر كوستنر كذلك في أغلب مشاهد الفيلم وحرص على أن يكون الأطول قامة بين الممثلين في كل مشهد وأن يكون الممثل الوحيد من الصف الأول في الفيلم، ولذلك كان من الممكن تسمية الفيلم «استعراض كيفن كوستنر». وكان مشهد محادثته مع زوجة كينيدي مضحكا حيث بدا الاثنان وكأنهما عاشقان في السر. أما مشهد سياقته للسيارة مع شقيق كينيدي في طريقهما إلى وزارة العدل، فكان غير واقعي، حيث يعامله باحتقار واضح. وتسير السيارة في شوارع واشنطن بمفردها، ودون أي حراسة، وكأن الرجلين متجهان إلى مطعم، وليس إلى اجتماع سيقرر مصير العالم. وأثار كوستنر الضحك كذلك في مشهد اجتماع روبرت كينيدي مع السفير السوفييتي، إذ يجلس في الغرفة المجاورة وبالقرب من الباب بين الغرفتين، وهو في منتهى الثقة بنفسه ويصفر بصوت عال حتى إن المجتمعين كانا يسمعانه بشكل واضح، بينما كانت الموظفة السوفييتية الجميلة الجالسة أمامه، التي رافقت السفير مرتعبة بوضوح.

كينيث أودونل الذي مثل دوره كيفن كوستنر
مشاكل الفيلم
ومن مشاكل الفيلم أن كينيث أودونل، الذي مثل «كيفن» كوستنر» دوره، عديم العلاقة بهذه الأزمة ولم يكن عضوا في اللجنة المركزية أصلا. ومن الممكن القول إن دور ثيودور سورنسن كان أفضل لكيفن كوستنر، إذ كان الأقرب إلى كينيدي وكان محامي البيت الأبيض وعضوا في اللجنة التنفيذية، حتى يقال إن الكتاب الذي كتبه جون كينيدي» عام 1956 ونال بسببه جائزة بوليتزر الأدبية الشهيرة، كان في الحقيقة من تأليف سورنسن. ولا نعلم إن كان الكتاب الذي نشره شقيقه كان في الحقيقة من تأليف كاتب محترف.
وظهر كينيدي (بروس غرينوود) رقيقا ويواجه صعوبة في السيطرة على القوات المسلحة الأمريكية، وأن قادة الجيش الأمريكي يحتقرونه. وفي الحقيقة أن كينيدي لم يكن رقيقا، بل على العكس تماما حيث كان حازما وقادرا على فرض سلطته بسهولة وعامله الجميع باحترام بالغ. ولكن الممثل بروس غرينوود نجح في جعل كينيدي يبدو محبوبا وطيب القلب. ولكن الأفضل تمثيلا في الفيلم كان الممثل ديلان بيكر الذي مثل دور روبرت مكنمارا (وزير الدفاع الأمريكي) كما يتخيله الكثيرون، إذ كان أهم أعضاء الحكومة الأمريكية وأكثرهم كفاءة. ويعتبره البعض أشهر وزير دفاع في تاريخ الولايات الأمريكية.
قد يتساءل القارئ إذا كان ما أظهره الفيلم حول طريقة التوصل إلى القرارات المهمة في الحكومة الأمريكية أثناء الأزمة حقيقيا. ولكن من المستحيل معرفة ذلك لأن هذا المستوى من الحكومة الأمريكية مليء بالأسرار ومن غير الممكن معرفة ما يدور داخل أروقة البيت الأبيض. ومع ذلك من الممكن الاستنتاج أن حالات الارتباك ربما كان مبالغا فيها، حيث كانت جميع الخطوات التي اتخذتها الحكومة الأمريكية مدروسة بدقة.
من أخطاء الفيلم الأخرى أن قادة القوات المسلحة أبلغوا كينيدي في الفيلم أنهم سيسحقون الكوبيين، إذا عرضوا الطائرات الأمريكية لأي إصابات، ولذلك قام أودونل بالطلب من الطيار ألا يبلغ قيادته بأي مشاكل. ولكن الفيلم يبين أن طائرة تجسس أمريكية أسقطت وقتل قائدها، ولم يكن هناك أي رد فعل.
وحسب الكتاب نفسه، فإن آيزنهاور، عندما كان رئيسا، منح قائد كل سفينة تحمل أسلحة نووية صلاحية إطلاق الأسلحة عندما يجد ذلك ضروريا، إلا أن كينيدي سحب تلك الصلاحية وحصرها به.
الأزمة كما حدثت في الواقع
بدأت الأزمة يوم الرابع عشر أكتوبر عام 1962 عندما أظهرت صور، التقطتها طائرة تجسس أمريكية، أن السوفييت يركبون صواريخ ذات رؤوس نووية في كوبا، وأبلغ كينيدي بالأمر يوم السادس عشر من أكتوبر. وكان عدد الرؤوس النووية لدى الاتحاد السوفييتي أقل من تلك التي لدى الولايات المتحدة الأمريكية بكثير، بالإضافة إلى التفوق الأمريكي الكبير في التكنولوجيا العسكرية والتجسسية بشكل عام، ما جعل القيادة السوفييتية تبحث عن طريقة للتعويض عن ذلك النقص. وجرت الأحداث العلنية كما ظهر في الفيلم بشكل عام، وانتهت يوم الثاني والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه. وقد يتساءل البعض إن كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد عرفت في الحقيقة بأمر الصواريخ قبل ذلك عن طريق مصادرها الاستخباراتية في كوبا والاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، وكذلك عن طريق طائرات التجسس التي ربما صورت السفن السوفييتية قبل أن تصل إلى كوبا، وكذلك تفريغ شحنات تلك السفن، وإذا كان ذلك صحيحا، فلم تفاجأ الولايات المتحدة الأمريكية بالأزمة، بل كانت على أهبة الأستعداد لمعالجة الأمر.
وتبين الأزمة أيضا قلة كفاءة الجانب السوفييتي لاعتقاده بإمكانية إخفاء صواريخ ذات رؤوس نووية في كوبا عن وسائل التجسس الأمريكية. واعتبرت طريقة انتهاء الأزمة إهانة كبيرة للاتحاد السوفييتي من قبل المؤرخين. وقام الجانبان في العام التالي بتأسيس الخط الساخن الشهير بين قيادتيهما لتجنب وقوع أزمة مشابهة في المستقبل. بعد سنوات من انتهاء الأزمة بسلام ظهرت معلومات مخيفة لم تكن معروفة سابقا، ومنها أن الغواصة السوفييتية التي دخلت في مواجهة مع السفن الأمريكية كانت تحمل طوربيدا نوويا بقوة خمسة عشر كيلوطن. وأمر قائد الغواصة بتجهيز الطوربيد لإطلاقه لاعتقاده أن الحرب النووية قد بدأت، إلا أن مصادفة أنقذت الموقف، حيث كان على متن الغواصة وبشكل استثنائي مسؤول سوفييتي أعلى منه رتبة قام بإلغاء الأمر. وعرف كذلك أن السوفييت كانوا قد نقلوا مئة رأس نووي إلى كوبا وتم تركيب بعضها، أو جميعها، بالصواريخ. وأن القيادة السوفييتية كانت قد منحت القائد السوفييتي المحلي صلاحية إطلاق تلك الصواريخ باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية في حالة تعرض كوبا إلى هجوم أمريكي، ما يدل على أن قرار كينيدي بعدم مهاجمة كوبا كان صحيحا. وأما قرار إسقاط طائرة التجسس الأمريكية فوق كوبا، فلم يكن صادرا من موسكو، بل من القائد المحلي. ويذكر المخرج أوليفر ستون في كتاب شهير له بعنوان «التاريخ غير المقال للولايات المتحدة»، شاركه في كتابته أكاديمي معروف، أن كينيدي استشار الرئيس السابق آيزنهاور حول كيفية إنهاء الأزمة، وكان رد آيزنهاور الهجوم على كوبا والاتحاد السوفييتي ألا أن كينيدي تجاهل تلك النصيحة. وحسب الكتاب نفسه، فإن آيزنهاور، عندما كان رئيسا، منح قائد كل سفينة تحمل أسلحة نووية صلاحية إطلاق الأسلحة عندما يجد ذلك ضروريا، إلا أن كينيدي سحب تلك الصلاحية وحصرها به.
مؤرخ وباحث من العراق