فيلم «جامع الفراشات»: حكاية حب مشوّه وصدى نفسي لمجتمع مأزوم

توفي قبل أيام الممثل البريطاني ترنس ستامب، وزاد ذلك من الاهتمام بأشهر فيلم له، كان بعنوان «جامع الفراشات» The Collector الذي عرض عام 1965 ونال شهرة واسعة وما يزال محط اهتمام هواة ونقاد السينما، لاسيما أنه كان الفيلم الأول لنوع جديد من الأفلام السينمائية.
تدور أحداث الفيلم عن الشاب فريدي كليغ، الذي يعمل موظفا بسيطا في مصرف، ويتعرض لمضايقات مهينة وواضحة من قبل زملائه في العمل، دون أن يستطيع عمل شيء حيال ذلك، فهو غير قادر على التعامل مع الآخرين ولا يفهم المجتمع. ويتغير حظه عندما يفوز بمبلغ ثلاثة وسبعين ألف جنيه أسترليني في يانصيب كرة القدم. ويعادل هذا المبلغ حوالي مليون وخمسمئة ألف جنيه أسترليني حاليا. وتتغير حياته تماما، حيث يترك عمله ويشتري منزلا كبيرا ومنعزلا في الريف، ويمارس هواية جمع الفراشات بشكل بالغ الجدية. ولكن عدم وجود فتاة في حياته كانت مصدر إزعاج له، فيقرر اختطاف طالبة في كلية الفنون تدعى «ميراندا» (سامانثا أيغر) كان معجبا بها. وينجح في مسعاه ويحتجزها في قبو كبير في منزله حيث كان قد جهزه بشكل متكامل لها مع كل ما تحتاجه من المستلزمات والألبسة. ويوضح لها أنه لن يغتصبها، أو يستعمل العنف معها كما أنه لن يطلب فدية من عائلتها، لأن هدفه أن يتعرفا على بعضهما بعضا، وأن تحبه في نهاية المطاف ما أثار غضبها واستياءها. وكان مظهره عديم العدوانية وبالغ الأدب والأناقة ما جعلها تتجرأ في اعتراضها الغاضب مطالبة بإطلاق سراحها فورا، ولكنها تقتنع تدريجيا أن من الأفضل التغلب عليه بذكائها. ويريها «فريدي» المجموعة الكبيرة للفراشات، ما يثير اشمئزازها لأنها تجد نفسها محاطة بالفراشات الميتة وتثير بهذه الطريقة غضبه وخيبة أمله، إذ ظن أنه سيبهرها بمجموعته ويثير إعجابها به. ويكتشف «فريدي» تدريجيا الهوة الكبيرة بينهما، فهي متعلمة وذات خبرة اجتماعية واسعة وذوق فني رفيع ومن عائلة من الطبقة المتوسطة، على عكسه، إذ إنه غير متعلم ومن الطبقة السفلى من المجتمع البريطاني، كما إنه عديم الخبرة الاجتماعية. وتفشل جميع خدعها للهروب وحتى محاولتها لإغوائه ما يثير غضبه.
وفي إحدى المرات يسمح لها بالخروج من القبو برفقته، فتضربه بمجرفة على رأسه، ولكنه ينجح في إعادتها إلى القبو، ويذهب إلى المستشفى. ويعود «فريدي» بعد ثلاثة أيام ليجد «ميراندا» مريضة بالتهاب رئوي، وعلى حافة الموت، ولكنه لا يجلب الطبيب أو يأخذها إلى المستشفى كي لا يفتضح أمره، فتموت. ويقوم بدفنها في حديقة منزله الضخمة، ويقرر أن يختطف فتاة أخرى ذات مستوى تعليم أقل لعلها تكون أسهل في إقناعها أن تقع في غرامه. وتنتهي هنا أحداث الفيلم.


كان إخراج الفيلم ممتازا. وليس هذا مفاجئا، إذ كان المخرج هو وليام وايلر الذي اختار ممثلين غير معروفين نسبيا، ولكنهما قدما أداء متميزا. وقصة الفيلم مأخوذة من رواية شهيرة نشرت عام 1963. الفيلم بائس منذ بدايته وينتهي بموت الفتاة بطريقة مأساوية. ويوضح الفيلم منذ البداية أن «فريدي» يعاني من حالة مرضية من الوحدة، وأنه شخص يتجنب المواجهة وغير قادر على التعامل الاجتماعي، ما يجعله هدفا سهلا للمضايقة من قبل الآخرين، ما يسبب له ضغطا نفسيا كبيرا. ولكنه أيضا غير قادر على تفهم الآخرين ومراعاة مشاعرهم. ولكن عندما يصبح غنيا وينجح في توفير حياة هادئة لنفسه تزداد طموحاته مع زيادة إمكانياته، ويصبح ارتكاب الجريمة سهلا. وعقليته المريضة وافتقاره إلى الخبرة الاجتماعية، جعلاه يظن أن اختطاف فتاة وإجبارها على الوقوع في حبه شيء منطقي. وعلى الرغم من أن عنوان الفيلم في اللغة العربية «جامع الفراشات»، فإن الاسم الأصلي The Collector، أي الشخص الذي يقوم بجمع الأشياء، مختلف قليلا وأقرب إلى أحداث الفيلم، حيث يلمح الاسم وكذلك الأحداث، أن الشخصية الرئيسية، أي «فريدي»، يجمع الفراشات ويقرر أيضا أن يجمع الفتيات. وتصبح نهاية الفيلم واضحة في منتصفه، عندما يعرض مجمعة الفراشات عليها، فجميع هذه الفراشات ميتة ما يعني أن نهاية «ميراندا» ستكون الموت، لاسيما أن «فريدي» يعلم جيدا أن إطلاق سراحها، أو جلب الطبيب لمعالجتها سيعني أن نهايته في السجن لسنوات طويلة. ولكن هذه العلاقة غير منطقية لأن «فريدي» كان يجمع الفراشات ليقتلها ويحتفظ بها. أما بالنسبة إلى «ميراندا»، فلم يكن يرغب في قتلها، بل في أن تحبه كما أنه استهدف فتاة معينة واحدة. ولذلك، فقد كانت مصلحته أن تبقى على قيد الحياة، فيهيئ لها كل مستلزمات الحياة المرفهة في سجنه، حيث يظن أن هذا سيجعلها تحبه وكأنها كلب مدلل لديه. وسبب هذا غباؤه الاجتماعي وقلة خبرته بالحياة، ولكن مصلحته الشخصية ومرضه النفسي أديا إلى موتها، لاسيما أنه كان يعاني من أنانية مفرطة، ما يعني أن «ميراندا» يجب أن تحبه مهما كان ذلك على حساب حياتها. وبعد وفاتها لا يشعر بالحزن أو الندم، بل يقرر أن يعيد الكرة، ولكن مع فتاة يختارها بعناية أكبر.
نجح المؤلف والمخرج في جعل أحداث الفيلم تبدو معقولة، ولجعل القصة قابلة للتصديق، فإن أحداث الفيلم تقع في منزل كبير منعزل تماما في الريف البريطاني. وهي خدعة يلجأ إليها الكثير من الكتاب الشهيرين، لاسيما أغاثا كريستي. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تطور المفاهيم الاجتماعية منذ عام 1965، فإن إنتاج الفيلم حاليا قد يواجه معارضة شديدة لأنه قد يفسر بأنه دعاية للاختطاف لأغراض جنسية، بل إن هذا يثير الدهشة أن السلطات سمحت بنشر الرواية وإنتاج الفيلم، حسب معايير تلك الفترة. وعلى الرغم من أن الفيلم لم يكن مأخوذا من حادثة حقيقية، ولكن عدة قتلة متسلسلين ادعوا أن الفيلم شجعهم على ارتكاب جرائمهم. وسواء أكان هذا الأدعاء صحيحا أم لا، فإن الفيلم لا يعطي انطباعا أخلاقيا للمشاهد العادي.
يبين الفيلم بوضوح تعرض «فريدي» لمشكلتين خطيرتين من الناحية النفسية وهما، الوحدة والتعرض للمضايقات المنظمة من قبل الآخرين. وقد أقر علماء الطب النفسي، أن للوحدة مخاطر كبيرة على عقل الإنسان، حيث إنها تسبب الكآبة المرضية وأمراض نفسية أخرى، وحتى الانتحار في الحالات الشديدة. أما التعرض للمضايقات المنظمة، لاسيما في محل العمل، فليست أقل خطورة من الوحدة في التسبب بالأصابة بأمراض نفسية خطيرة وحتى الانتحار. وإذا كان «فريدي» عديم الخطورة عندما كان موظفا بسيطا في مصرف، فإنه يتغير عندما يصبح غنيا، حيث تلعب أمراضه النفسية دورا خطيرا تجاه من حوله لأنه سيحاول إرضاء نزواته المريضة من خلال تفسيره الخاطئ للتعامل الاجتماعي وعدم إحساسه بالآخرين. وإذا كان الفيلم عن شخص من الطبقة الفقيرة من المجتمع، فلا يعني هذا أن هذه الظاهرة محصورة في تلك الطبقة لأنها في الواقع قد تظهر في جميع الطبقات الاجتماعية.
نال الفيلم نجاحا غير عادي وحاز ممثلوه جائزتي التمثيل لمهرجان «كان» كما رشحت الممثلة سامانثا أيغر لجائزة الأوسكار عن أفضل ممثلة رئيسية. ولكن ما هو سبب النجاح الجماهيري لفيلم من الممكن وصفه بالسادي؟ هنالك عدة تفسيرات لذلك، ولكن أكثرها إثارة للقلق أن الفيلم يبين رغبة دفينة في شخصية المشاهد للقيام بعمل مماثل، أو أن المشاهد يمتاز بطبيعة سادية تجعله يستمتع بمشاهدة شخص يتعرض للاضطهاد أو التعذيب. وقد عرضت قصة الفيلم على خشبة المسرح، كما أقتبست منه أفلام عديدة. وكان الفيلم بداية نوع جديد من الأفلام، وهي أفلام الاختطاف والاحتفاظ بالرهينة. وقد نال البعض منها شهرة كبيرة مثل فيلم «بؤس» Misery (1990) وفيلم «النوم مع العدو» (1991) وفيلم «غرفة» Room (2015). وهنالك بعض الشبه بين فيلم «جامع الفراشات» وفيلم «سايكو» (1960) الشهير الذي أخرجه الفريد هتشكوك. ومن الغريب في الأمر أن المخرج كاد أن يعطي الدور الرجالي للممثل انتوني بركنز، الذي مثل في الفيلم الآخر. ولكن ترنس ستامب أبدع في أدائه وقد ساعده في ذلك كون مظهره أقل عدوانية وكونه ممثلا بريطانيا يؤدي دور شخصية بريطانية.
هنالك جانب واحد فحسب قد يثير الضحك في فيلم «جامع الفراشات»، فلحسن الحظ أن الممثل ترنس ستامب كان شابا صغيرا وفي صحة جيدة، حيث إنه حمل الممثلة سامانثا أيغر عدة مرات في الفيلم.

باحث ومؤرخ من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية